أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الإثنين الماضي، بيانًا رسميًا أعلن خلاله إنهاء عمل البعثة الدولية المؤقتة في الخليل (Temporary Interntational Presence in Herbon) عبر وقف تجديد قرار وجودها الذي ينتهي الشهر الحاليّ، معللًا قراره بأن هذه البعثة تعمل ضد "إسرائيل".

وتتكون هذه البعثة من 64 موظفًا إداريًا و10 آخرين يباشرون مهامًا ميدانية على الأرض، جميعهم من المدنيين الوافدين من ست جنسيات مختلفة، هي: تركيا وسويسرا وإيطاليا والنرويج والدنمارك والسويد.

وتقوم هذه البعثة بأدوار تتعلق بمراقبة الأوضاع على الأرض وكتابة التقارير وتسجيل الانتهاكات وضمان سير الحياة بشكل طبيعي في المدينة وحفظ أمن الفلسطينيين، فقد تشكلت البعثة بموجب القرار رقم 904 الصادر من مجلس الأمن مارس/آذار 1994، ردًا على مجزرة "الحرم الإبراهيمي" التي نفذها مستوطن صهيوني متطرف يدعى باروخ جولدشتاين، قام بفتح النار على فلسطينيين كانوا يؤدون صلاة الفجر في 15من رمضان، 25 من فبراير/شباط 1994، وراح ضحيتها أكثر من 50 فلسطينيًا وأصيب المئات، وقد اتُهم الجيش الإسرائيلي حينئذ بالتواطؤ مع المنفذ الذي ارتدى ملابس الجيش الإسرائيلي وهاجم المصلين متسلحًا بكمية كبيرة من الذخائر، بينما كان جنود الجيش يقومون بغلق أبواب المسجد على المصلين من الخارج، ويعيقون تقدم أهالي المنطقة الذين حاولوا الوصول إلى المسجد لإسعاف الجرحى والمصابين.

التوزيع الديموغرافي والتراخي الأمني

بشكل عام إذا ما استثنينا حادثة الحرم الإبراهيمي، فإن مدينة الخليل تمثل نموذجًا لمشكلة التوزيع الديموغرافي في الضفة الغربية، فبحسب الإحصاءات الرسمية، يعيش مئات من المستوطنين اليهود في بؤر استيطانية تحت حماية أمنية مشددة، جنبًا إلى جنب، مع نحو 40 ألفًا من الفلسطينيين، بعد الانسحاب الجزئي لـ"إسرائيل" عام 1998، بموجب اتفاقية أوسلو الثانية التي قسّمت الضفة الغربية إلى قسمين: قطاع فلسطيني (H1) يضم 80% من الضفة، وقطاع إسرائيلي (H2) يضم 20% من الضفة الغربية، التي وقعها من الجانب الفلسطيني الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1997.

من باب كسب مزيد من التأييد الانتخابي، وعد نتنياهو المستوطنين بتقنين بناياتهم غير المشروعة، بالمخالفة لقرارات محكمة العدل العليا في "إسرائيل"، مؤكدًا أنه لن يسمح بهدم أي منها كما حدث من قبل

ومع وجود عشرات البؤر الاستيطانية وسط آلاف السكان الفلسطينيين واحتمال وقوع اشتباكات بين الطرفين، يكثف الجيش والشرطة الإسرائيليان من وجودهما في الضفة عامة والمستوطنات خاصة، وكلاهما - الجيش والشرطة - ينحازان للمستوطنين بطبيعة الحال، ويسمحان لهم بتكوين فرق أمنية مدنية محلية يرأسها محاربون سابقون، تتدرب باستمرار وتتحرك كوحدة واحدة إذا ما حال حائل دون وجود الجيش والشرطة، وهي نفس الفرق التي قتلت حمدي نعسان - مواطن فلسطيني، 38 عامًا - بطلق ناري في قرية المغيرة القريبة من مستوطنة "عادي عاد" يوم السبت الماضي.

ومن باب كسب مزيد من التأييد الانتخابي، وعد نتنياهو المستوطنين بتقنين بناياتهم غير المشروعة، بالمخالفة لقرارات محكمة العدل العليا في "إسرائيل"، مؤكدًا أنه لن يسمح بهدم أي منها كما حدث من قبل، وهو ما يشجع المستوطنين على اعتداءاتهم على ممتلكات الفلسطينيين وأراضيهم وأرواحهم خاصة أن الشرطة، حسبما رأينا في أكثر من مناسبة، لا تتعامل معهم في أثناء التحقيقات - إذا قتلوا أحد الفلسطينيين - باعتبارهم متهمين جنائيًا، كما تتجاهل ملف مصادرة أسلحتهم.

وقد التقط مجلس يشاع الاستيطاني هذه العلاقة بين خبر إنهاء وجود البعثة الدولية في الخليل وسياسة نتنياهو المتراخية تجاه اعتداءاتهم على الفلسطينيين، خاصة في ظل وجود نتنياهو بينهم للحصول على دعم انتخابي، فاعتبر قراره خبرًا سارًا، حيث لن تكون المنظمة الفعالة ضد "إسرائيل" منذ سنوات عديدة جزءًا من المشهد من جديد.

اتهامات إسرائيلية ودعايا انتخابية

وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن نتنياهو ومن قبله كانوا يمددون للبعثة قرار بقائها كل ستة أشهر، حفاظًا على علاقات جيدة مع الدول المشاركة، وتجنبًا لأزمة دبلوماسية مع الأمم المتحدة، إلا أن نتنياهو قرر مؤخرًا الإطاحة بالبعثة بعد تزايد الغضب الشعبي والضغط البرلماني عليه على خلفية بث مقطع مصور، يونيو/حزيران الماضي يظهر عضوًا سويسريًا من أعضاء البعثة يصفع طفلًا يهوديًا على وجهه، وبثت قناة "حداشوت" مقطعًا آخر، في يوليو/تموز من نفس العام، يظهر عضوًا بالبعثة يقوم بإعطاب إطار سيارة أحد المستوطنين.

اعتبر حزب "غوتسما يهوديت" اليميني المتطرف هذا القرار قرارًا انتخابيًا، متهمًا نتنياهو بأنه يصبح يمينيًا فقط عند اقتراب موعد الانتخابات

كما أصدرت الشرطة الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، تقريرًا رسميًا تقول فيه إن البعثة تخلق أجواء الاحتكاك في الخليل ليكون مبررًا لارتفاع رواتبهم التي يتقاضونها، وتتهمها فيه بالاحتكاك مع عناصرها، ومنع تفتيش الفلسطينيين على الحواجز الأمنية.

وقد اعتبر حزب "غوتسما يهوديت" اليميني المتطرف هذا القرار قرارًا انتخابيًا، متهمًا نتنياهو بأنه يصبح يمينيًا فقط عند اقتراب موعد الانتخابات (يفترض أن تنطلق الانتخابات في الـ9 من أبريل/ نيسان) مطالبًا إياه بأن يكون يمينيًا على طول الخط.

يُذكر أن البعثة التي أصدرت نحو 20 ألف تقرير في الفترة من 1997 حتى 2015 شاركته مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني والدول المكونة للبعثة، كانت قد أجرت تحقيقًا داخليًا، بعد بث المواد المصورة وتعرضها لهجوم شديد، أسفر لاحقًا عن طرد العضوين المتهمين.

إدانة فلسطينية وترحيب إسرائيلي

وكما كان متوقعًا، عبر الرأي العام الإسرائيلي عن ابتهاجه بالقرار، فقال موتي يوغيف عضو حزب البيت اليهودي إن هذه البعثة المطرودة كانت كارهة لـ"إسرائيل" وتؤذي اليهود والأملاك اليهودية في الخليل، بينما وصفها جلعاد أردان وزير الأمن الداخلي في الحكومة الإسرائيلية، بأنها كانت تعمل مع مجموعات متطرفة لنزع الشرعية عن دولة "إسرائيل".

وعلى الجانب الآخر، أدانت الرئاسة الفلسطينية، متمثلة في نبيل أبو ردينة، قرار نتنياهو وقالت إنه "استمرار في سياسة التصعيد والتوتر والفوضى التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها"، وطالبت الدول المعنية بالبعثة باتخاذ موقف واضح تجاه القرار الإسرائيلي الذي يعتبر نقضًا لاتفاقية موقعة برعاية دولية، والضغط على "إسرائيل" للعدول عن قرارها، مؤكدةً أنها لن تسمح بقرار "إسرائيل" مطلقًا، معتبرةً أن المجتمع الدولي أمام دليل جديد على عدم احترام "إسرائيل" الشرعية الدولية، مطالبةً إياه بالكفّ عن التعامل معها بأنها "دولة فوق القانون".

وعن خيارات السلطة الفلسطينية في التعامل مع هذا القرار، قال يوسف جعبري نائب رئيس بلدية الخليل لـTRT التركية إن بلديته سوف تتواصل مع شركائها في كل أنحاء العالم، والسلطة ستتواصل مع مجلس الأمن وتضغط لتستمر هذه البعثة التي تعمل بشكل يومي على تسجيل اعتداءات المستوطنين على الطلاب والمواطنين.