بينما تدخل الاحتجاجات الشعبية في السودان أسبوعها السابع تجددت عشرات التظاهرات في عدد من المدن، مؤكدة تمسكها بمطلبها الأساسي "رحيل النظام" فيما قوبلت بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحي من قوات الأمن التي لم تدخر جهدًا لإجهاض هذا الحراك التي بات مؤرقًا لنظام الرئيس عمر البشير.

اليومين الماضيين شهدت مدينة بري، شرق الخرطوم، ومنطقتا الكلاكلة وجبرة، جنوب العاصمة، ومنطقة بانت بأم درمان، والمحطة الوسطى بالخرطوم بحري، عددًا من الفعاليات التظاهرية غير أنها لم تستمر طويلاً بعدما تدخلت أجهزة الشرطة لفضها بالقوة دون وقوع قتلى.

وبينما يواصل الشارع السوداني غليانه أعلنت السلطات الحاكمة الإفراج عن جميع معتقلي الاحتجاجات منذ انطلاقها في الـ19 من ديسمبر الماضي، وذلك بعد ما يقرب من خروج 12 موكبًا حتى الآن تطالب بتنحي البشير فضلاً عن مئات التظاهرات التي عمت معظم البلاد.

جاءت هذه الخطوة في أعقاب الجولة التي قام بها البشير لعدد من الدول العربية على رأسها قطر ومصر باحثًا عن الدعم في مواجهة ملايين الغاضبين، ما اعتبره البعض إعلانًا رسميًا لحالة الإفلاس السياسي التي بات فيها النظام السوداني الحاليّ بعدما استنفد كل أوراق الضغط التي يملكها فيما ذهب آخرون إلى أن هذه الخطوة مغازلة صريحة للمعارضة في محاولة لامتصاص غضبها هذا في الوقت الذي يشكك فيه البعض في جدوى تنفيذ ما تم إعلانه.

الإفراج عن المعتقلين

في بيان وزعته وزارة الإعلام السودانية أصدر مدير جهاز الأمن السوداني صلاح عبد الله قوش، قرارًا بـ"إطلاق سراح جميع المعتقلين في الأحداث الأخيرة"، ولم يذكر البيان أي تفاصيل عن عدد المعتقلين أو موعد إطلاق سراحهم.

وتزامنًا مع هذا القرار وجهت النيابة العامة السودانية بعدم تعقب المواطنين داخل الأزقة والمنازل في أثناء فض الاحتجاجات، غير أنها استثنت "حالة حدوث تصرفات فردية تخالف القانون، مما يستوجب التعامل معها"، بحسب وكالة السودان للأنباء.

من جانبه وجه النائب العام السوداني عمر أحمد محمد، باستنفار 50 من أعضاء النيابة العامة والمتخصصة وتفريغهم جزئيًا للتغطية الميدانية في أثناء فض التجمعات غير المشروعة والتعامل معها وفقًا للقانون ومعاونة وكلاء النيابة في التحقيقات حتى يتم الفراغ منها بالسرعة المطلوبة، وذلك خلال اجتماعه أمس برؤساء ووكلاء أعلى النيابات العامة والمتخصصة.

هناك حالة من فقدان الثقة في كل البيانات الصادرة عن الحكومة، بدءًا من أعداد القتلى والمصابين مرورًا بمسألة الإفراج عن المعتقلين وصولاً إلى الجدية في التعاطي مع مطالب الغاضبين والتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف

فيما أكد حرص النيابة العامة على مصاحبة أعضائها لقوات الشرطة والتنسيق مع الضابط المسؤول عن القوة في العاصمة الخرطوم، وطالبهم بالعمل على معاونة وكلاء النيابة في التحقيقات ليتم "إنجازها في أقرب وقت" حتى يتم الفراغ منها سريعًا دون تعطيل.

بدوره، قال رئيس اللجنة العليا للتحقيق في الأحداث الأخيرة عامر محمد إبراهيم: "مسار التحقيقات شهد تطورًا كبيرًا، خاصة بعد مناشدة النيابة العامة للمواطنين للإدلاء بإفاداتهم"، معلنًا عن "اتفاق وتنسيق بين وكلاء النيابة والقوات الأمنية على الوجود في مناطق للتمركز، محددة في الشوارع الرئيسية يتم من خلالها مخاطبة المحتجين بمكبرات الصوت والطلب منهم التفرق قبل أن يتم التعامل معهم وفقًا للقانون".

يذكر أنه في 7 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، أعلن وزير الداخلية السوداني أحمد بلال، أن عدد الموقوفين في الاحتجاجات التي تشهدها البلاد بلغ 816، لافتًا إلى أنه تم تسجيل 322 بلاغًا، فيما تقدر المعارضة عدد المعتقلين بأكثر من ألف شخص منذ بدء الاحتجاجات.

الرئيس السوداني ونظيره المصري

المعارضة تشكك

رغم الفارق الكبير في الأرقام المعلنة بشأن أعداد المعتقلين ما بين الحكومة والمعارضة، فإن الأخيرة ممثلة في تجمع المهنيين السودانيين وعدد من التحالفات السياسية الأخرى شككت في إعلان الأولى عن إطلاق سراح جميع المعتقلين منذ بدء الاحتجاجات.

المشككون قالوا: "نعلم أن إطلاق سراح المعتقلين لن يتم بالصورة المطلوبة" وتابعوا: "لنا تجارب مع التدليس وخداع إعلام النظام، فالمعتقلات ما زالت تزدحم بالمهنيين والسياسيين والمواطنين والمواطنات الشرفاء، وأجهزة النظام (...) تعتقل بعشوائية"، وذلك بحسب بيان مشترك صادر عن التجمع وتحالفات: "قوى الإجماع" و"نداء السودان" و"التجمع الاتحادي.

البيان أضاف "هذه أمور لن تنطلي لا على الداخل ولا الخارج، والنظام يعلم أن الأحرار سيخرجون من المعتقلات نحو الشوارع، فسقفنا ليس إخلاء المعتقلات السياسية، بل هدمها بمشروعها ومُشرّعيها".

وفي هذا الإطار أشار الناشط السوداني أبو بكر الفاتح، إلى أن هناك حالة من فقدان الثقة في كل البيانات الصادرة عن الحكومة، بدءًا من أعداد القتلى والمصابين مرورًا بمسألة الإفراج عن المعتقلين وصولاً إلى الجدية في التعاطي مع مطالب الغاضبين والوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف.

الفاتح لـ"نون بوست" أكد رفض الجموع الغاضبة في الشارع السوداني لكل المبادرات الرسمية المقدمة من الحكومة لافتًا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن سياسة المراوغة والتضليل هي المنهجية الأساسية للسلطة في التعامل مع المعارضة خاصة في الأوقات التي تمثل فيها المعارضة خطرًا حقيقيًا على النظام.

نفى حزب الأمة القومي، بزعامة الصادق المهدي، وجود أي اتصالات بينه وبين حزب المؤتمر الوطني الحاكم

إحياء ذكرى مجزرة 2005

وفي إطار مواصلة الحراك الشعبي، تجمّع الآلاف بمدينة بورتسودان في ميدان الشهداء لإحياء ذكرى مصرع 22 من أبناء المدينة خلال التظاهرات التي شهدتها في 2005، الذكرى هذا العام تأخذ منحى آخر في ظل حالة الزخم الشديد الذي تشهده بعدما قرر تجمع المهنيين إحياءها من خلال مواكب أمس الثلاثاء، في عدد من المدن السودانية.

المشاركون في إحياء الذكرى في بورتسودان رددوا عددًا من الهتافات التي تطالب بإسقاط النظام وطالبوا بنشر نتائج التحقيق عن المجزرة ومحاكمة مرتكبيها، فيما خاطب الحشد عددًا من قيادات الأحزاب السياسية في المدينة، كما خاطبها عبر الهاتف نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان ياسر سعيد عرمان، الذي قال: "الثورة الشعبية الحاليّة في السودان ضد نظام الرئيس عمر البشير ستكون بداية تصحيح لمسار الدولة السودانية، وستنهي العزلة الدولية على البلاد، على أن تكون أول اهتمامات الحكومة المقبلة معيشة الناس وخدماتهم الضرورية".

من جانبه قال عبد الله موسى وهو ناشط من البجا، السكان الأصليين لمنطقة شرق السودان: "حولنا الذكرى الثالثة عشر لشهداء البجا 29/1/2005 إلى اعتصام كجزء من حراك تجمع المهنيين السودانيين"، مضيفًا أن "اعتصامات أمس الثلاثاء ليست لشهداء البجا فقط ولكن لكل شهداء الشعب السوداني في انتفاضة ديسمبر".

البعض ذهب في تفسيره لقرار الحكومة السودانية الإفراج عن المعتقلين في الاحتجاجات الشعبية إلى أنها محاولة واضحة لمغازلة المعارضة واستئناس بعضها بعدما توسعت رقعة حراكها بصورة بات من الصعب السيطرة عليه

لا تصالح

رغم خوض الشعب السوداني العديد من الانتفاضات عبر تاريخه على رأسها تلك التي قام بها عام 1924 للمطالبة بالاستقلال من الاستعمار البريطاني، تلتها انتفاضة 1948، ثم ثورة 1956، التي انتهت إلى استقلال السودان، وتبع ذلك ثورتان شعبيتان الأولى عام 1964 التي أطاحت بحكومة الفريق إبراهيم عبود، والثانية في عام 1985 التي أطاحت بحكم المشير جعفر نميري، غير أن الانتفاضة الحاليّة التي سبقها حراك لمرات عدة، أكثر تنظيمًا وأشمل وأكثر وعيًا لدى الجماهير التي عانت 30 عامًا، فانحدر السودان سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

القوى السياسة المعارضة والمشاركة في الاحتجاجات رفضت ولا تزال بشكل قاطع الجلوس على مائدة حوار مشتركة مع حكومة البشير، مؤكدة تمسكها بموقفها بشأن تنحيته كشرط أساسي للتفاوض، وهو الشعار الذي بات الأكثر حضورًا في الحراك الشعبي طيلة أسابيعه الست الماضية.

وفي هذا السياق نفى حزب الأمة القومي، بزعامة الصادق المهدي، وجود أي اتصالات بينه وبين حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وذلك تعليقًا على تصريحات صحافية لرئيس القطاع السياسي لحزب المؤتمر الوطني عبد الرحمن الخضر، أكد فيها استمرار الحوار بين الطرفين.

ففي بيان له أمس الثلاثاء قال حزب الأمة إن تصريحات رئيس القطاع السياسي بالحزب الحاكم "تنطوي على تدليسٍ مقصود، وتزييفٍ للحقيقة، وافتراءٍ على المهدي، وأنها محاولةٌ خبيثة لإلحاق الضرر بوحدة قوى المعارضة الثورية التي التحمت بقوة وثبات في مواجهة النظام المتهاوي".

وعليه أكد الحزب أنه "سيمضي مع كل قوى المعارضة ومكوناتها السياسية، والمهنية والاجتماعية، في دعم ومساندة الشارع المنتفض لتحرير البلاد من نظام التجويع والموت والاستبداد"، وأن الحزب لن يدخر "جهدًا حتى إسقاط النظام لصالح نظامٍ جديد يكفل الحريات ويوقف حمامات الدم ويقتص من المجرمين، ويؤسس لدولة المواطنة العادلة.

وتناغمًا مع موقف حزب الأمة نفت حركة "الإصلاح الآن" تراجعها عن قرارها السابق بالانسحاب من البرلمان القومي والبرلمانات الولائية، وذلك ردًا على ما نقلته صحف في الخرطوم عن تراجع الحركة عن موقفها، موضحة ذلك في بيان لها "لا أساس له من الصحة، وعار تمامًا من الحقيقة"، مؤكدة أن قرار الانسحاب صدر عن المكتب السياسي، و"هو قرار نهائي وواجب النفاذ".

الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي

مغازلة المعارضة

البعض ذهب في تفسيره لقرار الحكومة السودانية الإفراج عن المعتقلين في الاحتجاجات الشعبية إلى أنها محاولة واضحة لمغازلة المعارضة واستئناس بعضها بعدما توسعت رقعة حراكها بصورة بات من الصعب السيطرة عليه حسبما أشار الكاتب المتخصص في الشأن العربي السيد الربوة.

الربوة لـ"نون بوست" أشار إلى أن المعارضة السودانية تثبت كل يوم أنها قادرة على إحداث الفارق وإجراء العديد من التغيرات الجذرية على الخريطة السياسية للبلاد، كاشفًا أن محاولات البشير لدغدغة مشاعرها عبر مغازلتها بين الحين والآخر ما عاد يجدي خاصة بعد مرور الوقت الملائم لاستخدام هذه الكروت، وتابع: هذا إفلاس سياسي واضح.

الرئيس البشير استهلك الكثير من الفرص، ولم يعد يثق فيه كثيرون، ومن الطبيعي أن يظل مترنحًا

فيما يرى الصحفي محمد أبو الفضل أن النظام الحاكم في السودان "أخفق حتى الآن في التعامل مع الأزمة الاقتصادية الحادة، ولم يقدم وصفة للعلاج يمكن أن تكون مقنعة، واتجه إلى استهلاك الوقت، عسى أن تذبل التظاهرات، وركل بقوة الكرة في ملعب المعارضة ولجأ إلى نظرية المؤامرة".

ويضيف الكاتب في مقاله المنشور في صحيفة العرب اللندنية أن الأزمة في السودان "لم تتحرك خطوة واحدة، ولم تفلح المسكنات في تهدئتها ويمكن أن تمضي الاحتجاجات نحو زيادة التصعيد في الشارع، وباتت على النظام السوداني مهمة دقيقة تتعلق بحسم الكثير من خياراته، فالمقبول خلال السنوات الماضية لم يعد صالحًا للتعامل مع المعطيات الحاليّة، لأن الرئيس البشير استهلك الكثير من الفرص، ولم يعد يثق فيه كثيرون، ومن الطبيعي أن يظل مترنحًا".

وبصرف النظر عن حقيقة الإفراج عن المعتقلين ومدى جديته ودوافع الحكومة السودانية في اتخاذ هذه الخطوة يبقى الشارع السوداني مشتعلاً في ظل إصرار قوي من مختلف الأطياف السياسية المشاركة في الاحتجاجات على مواصلة الحراك لحين تحقيق مطلبهم الأساسي وهو تنحي البشير.