راهنت المملكة العربية السعودية، على عامل الوقت وأساليب ملتوية أخرى لتجاوز قضية اغتيال الصحفي المتعاقد مع صحيفة "واشنطن بوست"، السعودي جمال خاشقجي، في سفارة بلاده بإسطنبول، إلا أن الخناق ما انفك يضيق حولها، فخاشقجي "كان ضحية جريمة قتل وحشية ومتعمدة، خطط لها ونفذها ممثلون للمملكة السعودية"، وفق مقررة الأمم المتحدة الخاصة حول عمليات الإعدام من دون محاكمة.

الاستعانة بشبكة أمريكية

طيلة الفترة الماضية، حاول ولي العهد السعودي ومقربون منه، غلق ملف القضية بأقل الأضرار، واستعملوا في ذلك عديد الأليات، من بينها وفق صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية توظيف شركة أمنية أميركية تحمل اسم "كرول" لإعداد التقرير الذي صدر بداية الشهر الماضي، في محاولة من الرياض لإصلاح سمعتها.

وينفي التقرير استنتاجات المخابرات الأميركية بأن الرسائل المتبادلة بين محمد بن سلمان ومساعده سعود القحطاني على تطبيق الواتساب ذكرت اسم خاشقجي، ويرفض بالتالي الاستنتاج بأن ولي العهد هو من أمر بقتل خاشقجي.

وتشير الصحيفة إلى أن وجود تلك الرسائل بين بن سلمان والقحطاني -الذي أشرف على اغتيال خاشقجي في قنصلية بلاده في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي- أحد الأدلة التي استندت عليها المخابرات الأميركية في تقريرها الذي اكتمل في نوفمبر/تشرين الثاني السابق.

طيلة الفترة الماضي نسبت لمحمد بن سلمان اتهامات متكررة عبر التقارير الإعلامية وتصريحات بعض الساسة بالتورط في عملية قتل خاشقجي

يركز تقرير كرول -وهي شركة أمنية أميركية خاصة- فقط على فحصها لهاتف محمول واحد يعود إلى القحطاني الذي يعد اليد اليمني لولي العهد السعودي في حملته ضد المنشقين، وفق مسؤولين سعوديين وأميركيين، ولم يتعاط التقرير مع قنوات تواصل أخرى بين ولي العهد والقحطاني.

ويكشف تقرير الشركة الأميركية عن 11 رسالة نصية في الواتساب أرسلت من قبل بن سلمان للقحطاني في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2018، أي في اليوم الذي قتل فيه خاشقجي، إضافة إلى 15 رسالة أرسلها القحطاني لولي العهد السعودي.

وتنقل وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين اثنين أن درجة قناعة المخابرات الأميركية بين متوسطة ومرتفعة بأن محمد بن سلمان شخصيا استهدف خاشقجي، وأنه هو الذي أعطى التفويض لاستهدافه وربما قتله. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) قد خلصت في تقييمها بشأن جريمة خاشقجي إلى مسؤولية ولي عهد السعودية في إصدار الأمر بقتل الصحفي، وقد نفت سلطات الرياض أي صلة لبن سلمان في الجريمة.

بن سلمان هدد بقتل خاشقجي بالرصاص

في الأثناء، كشفت معلومات استخبارية جديدة أوردتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن بن سلمان هدد بقتل خاشقجي بالرصاص، قبل عام من اغتياله. والمعلومات الجديدة وردت في تقرير مكتوب لوكالة الأمن القومي الأميركي التي اعترضت محادثات لبن سلمان في سبتمبر/أيلول عام 2017 تضمنت التهديد بقتل خاشقجي.

ونقلت نيويورك تايمز عن المسؤولين الذين اطلعوا على تقارير وكالة الأمن القومي بعد أسابيع من اغتيال خاشقجي، أن محمد بن سلمان قال للإعلامي المقرب منه تركي الدخيل إنه سيستخدم رصاصة ضد خاشقجي إذا لم يعد ولم يتوقف عن انتقاد الحكومة السعودية.

ووفق ما ورد في التقرير، فإن وكالة الأمن القومي الأميركي -المتخصصة في اعتراض المكالمات الهاتفية والمحادثات الإلكترونية- اعترضت قبل ذلك بأيام محادثة أخرى عن الموضوع ذاته بين بن سلمان ومساعده سعود القحطاني.

 

في هذه المحادثة عبر ولي العهد السعودي لمساعده عن قلقه من تعاظم تأثير جمال خاشقجي، وقال إن مقالاته وتغريداته تشوه صورته (أي ولي العهد السعودي) كمصلح، وإن انتقادات خاشقجي له مضرة جدا بما أنها تأتي من صحفي كان يعد في وقت ما مؤيدا لسياساته.

وكان خاشقجي شرع في تلك الفترة في كتابة مقالات رأي في صحيفة واشنطن بوست تتضمن انتقادات للسياسات السعودية، بينما كان ولي العهد السعودي يقوم في المقابل بترسيخ حكمه والتسويق لنفسه في الولايات المتحدة والغرب باعتباره داعية للإصلاح، وفي الوقت نفسه كانت السلطات السعودية تحاول استدراج خاشقجي.

وجاء في تقرير نيويورك تايمز أن القحطاني رد عليه بأن أي استهداف لخاشقجي قد يكون مجازفة وقد يجر غضب العالم على السعودية، ليرد بن سلمان بالقول إن على العالم ألا يهتم بما تقوم به السعودية إزاء مواطنيها، وإنه لا يريد أنصاف الحلول.

وطيلة الفترة الماضي نسبت لمحمد بن سلمان اتهامات متكررة عبر التقارير الإعلامية وتصريحات بعض الساسة بالتورط في عملية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، على الرغم من أن أي جهة رسمية لم تحمّل حتى الآن الأمير محمد المسؤولية عن القضية.

خاشقجي ضحية قتل وحشي ومتعمد

تقرير نيويورك تايمز، جاء بالتزامن مع تقرير المقررة الأممية الخاصة المعنية بحالات الإعدام التعسفي، التي كشفت، أن التحقيق في قتل جمال خاشقجي خلص إلى أن الأدلة تظهر أنه كان ضحية قتل وحشي ومتعمد، خطط له ونفذه مسؤولون في الدولة السعودية.

وقالت آنييس كالامار في بيان إن هذه "الجريمة متعمدة" وتشكل "الانتهاك الأخطر للحق في الحياة، وهو الحق الأساسي للجميع". وكانت المسؤولة الأممية قد عادت مؤخرا من تركيا التي زارتها لإلقاء الضوء على جريمة اغتيال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018.

هذه التطورات المتلاحقة، من شأنها أن تزيد في ارباك المسؤولين السعوديين على رأسهم ولي العهد محمد بن سلمان الذي يسعى جاهدا إلى دفع التهم عنه

المقررة الأممية المشرفة على التحقيق أكدت أن السعودية قوضت جهود تركيا للتحقيق في مقتل خاشقجي. كما أشارت إلى أن اغتياله ينتهك القانون الدولي والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية، بما فيها شروط الاستخدام القانوني للبعثات الدبلوماسية.

وفي إفادة عن مهمة مع فريقها الذي يضم ثلاثة خبراء في تركيا، قالت كالامار إنهم اطلعوا على بعض "المواد الصوتية المروعة" بشأن قتل خاشقجي حصلت عليها المخابرات التركية. وأضافت المسؤولة الدولية أن لديها "بواعث قلق شديد" حول نزاهة إجراءات محاكمة 11 سعوديا في المملكة، مضيفة أنها طلبت السماح لها بزيارة السعودية.

وسيرفع التقرير النهائي في يونيو/حزيران إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف لكنه سينشر قبل أسابيع في نهاية مايو/أيار. وسيتضمن التقرير سلسلة توصيات لن تكون ملزمة للدول. وخلال مهمتها، التقت كالامار مع مدعي عام الجمهورية في إسطنبول ورئيس الاستخبارات التركية واستقبلها وزيرا الخارجية والعدل. ولم يذكر البيان ما إذا تمكنت من زيارة القنصلية السعودية في إسطنبول كما طلبت.

ترامب وقانون ماغنيتسكي

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع انتهاء المهلة التي يمنحها قانون ماغنيتسكي لإدارة الرئيس دونالد ترامب للرد على طلب 22 عضوا بمجلس الشيوخ دعوا فيها لتفعيل القانون الذي يفرض عقوبات على الجهة المتورطة بمقتل خاشقجي.

وقال معاون بالكونغرس لموقع مونيتور الإخباري "على الرئيس ترامب إبلاغ الكونغرس ما إذا كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان شخصيا مسؤول بصورة أو أخرى عن مقتل الكاتب الصحفي جمال خاشقجي". وتوقع المعاون ألا يقدم الرئيس ترامب على ذكر اسم محمد بن سلمان في رده على الكونغرس طبقا لقانون ماغنيتسكي الذي يمنحه 120 يوما للرد على طلب الكونغرس.

وينتقد الكونغرس عدم إقدام إدارة ترامب على فرض المزيد من العقوبات على خلفية جريمة خاشقجي، وذلك بعدما قامت وزارتا الخارجية والخزانة بفرض عقوبات على 17 سعوديا متهما بقتل خاشقجي، إلا أنهما لم يفرضا عقوبات على أي من المسؤولين السعوديين الكبار.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، تبني مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع مشروع قانون يحمّل ولي العهد السعودي مسؤولية قتل خاشقجي بتلك الطريقة المروعة داخل القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية. كما سبق أن شدد المجلس على ضرورة محاسبة المملكة لكل المسؤولين عن الاغتيال.

وتبنت أمس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب مشروع قرار لإنهاء الدعم الأميركي للتحالف بقيادة السعودية في الحرب باليمن بأغلبية 25 صوتا مقابل 17، ويشمل المشروع فرض عقوبات على أي سعودي متورط في قتل خاشقجي، وقال رئيس اللجنة إليوت إنجل "القتل البشع للصحفي خاشقجي هز العالم بأجمعه، إلا أن إدارة ترامب لا تريد التحرك".

قبل أيام، اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وليَ العهد السعودي محمد بن سلمان بالكذب، مستنكرا الصمت الأميركي تجاه "الوحشية" التي قتل بها جمال خاشقجي، فيما قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن السعودية لم تبدِ أي تعاون.

وفي لقاء تلفزيوني تم بثه الأحد، قال أردوغان إن ما قاله بن سلمان بشأن خروج خاشقجي من القنصلية السعودية بإسطنبول وما قاله وزير الخارجية عادل الجبير بشأن متعاون محلي قام بالتخلص من جثة خاشقجي، "كله كذب". واعتبر أردوغان أن السلطات السعودية اضطرت لإقالة الجبير من منصبه بعد أن اطلعت على ما لدى تركيا بشأن قضية خاشقجي.

وقالت الرئاسة التركية، إن "الافتقار التام للشفافية من المسؤولين السعوديين بشأن التحقيق في مقتل الصحفي جمال خاشقجي، يثير قلقا عميقا ويضر بمصداقيتهم". وقال رئيس قسم الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألتون، إن "السلطات السعودية يجب أن تسلم قتلة جمال خاشقجي، كدليل على رغبتهم في خدمة العدالة"، وذلك وفقا لقناة "TRT" التركية.

هذه التطورات المتلاحقة في قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، من شأنها أن تزيد في ارباك المسؤولين السعوديين على رأسهم ولي العهد محمد بن سلمان الذي يسعى جاهدا إلى دفع التهم عنه، وتأكيد عدم درايته بالجريمة رغم كل المؤيدات المعروضة أمامه، فإلى متى سيواصل بن سلمان الانكار؟