أواخر العام الماضي قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية تيبور ناجي، بجولةٍ في أربع دول بمنطقة القرن الإفريقي هي إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي وكينيا، واكتسبت الجولة أهمية خاصة للتحولات المذهلة التي تشهدها المنطقة على وقع اتفاق السلام التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب مصالحة أخرى بين إريتريا والصومال، وانخراط الدول الثلاثة في اتفاقات تعاون لم يُكشف عن محتواها.

النقطة الأخرى في أهمية جولة المبعوث الأمريكي الرفيع أنها تأتي بعد قرابة عام من إساءات عنصرية وجهها الرئيس ترامب للأفارقة حيث وصفهم بالحثالة، ما أدى إلى تضاؤل الرصيد الشعبي للحزب الجمهوري، وتحديدًا في المناطق الجنوبية بالولايات المتحدة، ولأن الحزب يعلم بأن الدول الإفريقية تملك الكثير من أوراق الضغط على المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والتجارية أَجبر ترامب على الاعتذار للقادة الأفارقة بعد أيام قليلة من تصريحاته العنصرية، إذ لا يمكن وصفها بتصريحات شخصية، فهي تُنسب في نهاية المطاف إلى الإدارة الأمريكية والتوجه الأمريكي بوجهٍ عام، إن كانت الولايات المتحدة تود أن تكون زعيمة للعالم.

ومن الأسباب الأخرى التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى إرسال ناجي إلى الدول الأربعة محاولة الولايات المتحدة إيجاد موطئ قدم لها في القارة السمراء، فقد جاءت جولة المبعوث بعد 3 أشهر من استضافة الصين وهي الشريك الاقتصادي الأول لإفريقيا "المنتدى الاقتصادي الصيني الإفريقي السابع"، الذي يعد الحدث الاقتصادي الأكبر من نوعه في الصين نظرًا للمشاركة القوية (نحو 1000 شخص)، فيما يأتي متزامنًا مع ما تمر به دول إفريقية من أزماتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ مختلفة ناتجة سواء عن الصراعات المسلحة أو تدهور أسعار النفط.

تعمل مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تدعمها الصين في إفريقيا على إيجاد فرص عمل واسعة للأفارقة في شتى القطاعات وتعزيز الاقتصاد، من ضمن ذلك جسر مابوتو المعلق على البحر في موزمبيق

والصين استحوذت على حصة الأسد من التجارة والاستثمار في القارة السمراء مضافًا إليها كل من الهند وتركيا، فهذه الدول الثلاثة مؤكد أنها لن تفرط في قارّة المستقبل بسهولة، لذا ستكون المنافسة حامية الوطيس خاصة بين القطبين الكبيرين الصين والولايات المتحدة، إذ تشير دراسة أجرتها "وكالة ماكنزي الأمريكية" إلى أن أكثر من 10 آلاف شركة صينية تعمل حاليًّا في إفريقيا، 90% منها شركات خاصة، وتتوقع مؤسسات مالية أن تصل قيمة الأرباح المالية التي تجنيها الصين من القارة بحلول 2025 إلى 440 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 144%، وتعد جنوب إفريقيا وإثيوبيا من بين الدول التي تتصدر فيما يتعلق بالاستثمارات الصينية، بينما تحتل زامبيا وأنغولا ذيل الترتيب.

وتواجه الصين انتقادات واتهامات بأنها تهتم فقط بالحصول على الموارد النفطية والمعدنية التي تملكها بعض الدول الإفريقية، كنيجيريا والجزائر والكونغو، إلى جانب القول بأنها تستغل هذه الدول عن طريق إغراقها بالقروض وتمويل المشروعات الكبرى ثم الاستيلاء على مواردها الطبيعية مثل الأراضي وحقول النفط في حالة العجز عن سداد الالتزامات المالية.

من ناحيتها، تحاول الصين تبرئة نفسها من الانتقادات التي تطالها بالقول إنها لا تسعى إلى الهيمنة على الموارد الطبيعية بقدر ما تريد مساعدة القارة السمراء للنهوض باقتصادها، ففي 2013 مثلًا، بادر الرئيس شي جين بينغ بخطة جديدة "تُسمّى طريق الحرير" والمتمثلة في جملة من الاستثمارات الصناعية والزراعية والخدماتية، إضافة إلى بناء طرق وجسور ومبانٍ.

وحسب وزارة التجارة الصينية، تستثمر بكين سنويًا منذ 2015 ما يقارب 15 مليار دولار في الدول الإفريقية، ووراء هذه الاستثمارات في الحقيقة هدف واحد، وهو تأمين مشترياتها في مجال الموارد الطبيعية، فيما شرعت حتى في بناء مصانع تابعة لها على الأراضي الإفريقية ( مثل إثيوبيا) بهدف غزو الأسواق الأوروبية والإفريقية المجاورة بمنتجاتها والاستفادة من اليد العاملة الإفريقية الرخيصة.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها الرئيس ترامب أنه رجل ينتمي إلى المؤسسة الرأسمالية، فهو يسعى، إلى الاستفادة القصوى من القارة السمراء بأقل تكلفة

تعمل مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تدعمها الصين في إفريقيا على إيجاد فرص عمل واسعة للأفارقة في شتى القطاعات وتعزيز الاقتصاد، من ضمن ذلك جسر مابوتو المعلق على البحر في موزمبيق، وخط للسكك الحديدية يربط بين إثيوبيا وجيبوتي وخط آخر بين مومباسا ونيروبي في كينيا إلى جانب خطوط مترو داخلية في بعض هذه الدول، وتشير التقديرات إلى أن خط السكة الحديد الممول من الصين عزز الناتج المحلي الإجمالي لكينيا بنسبة 1.5% وخلق 46 ألف وظيفة للسكان المحليين، وتم التعاقد من الباطن مع نحو 300 شركة محلية خلال فترة بنائه، وفقًا للأرقام الرسمية.

وعندما تريد الصين استعراض عضلاتها مثل الولايات المتحدة أو أوروبا، فهي قادرة أيضًا، والدليل أن في شهر يوليو/تموز الماضي أرسلت بارجتين بحريتين إلى القرن الإفريقي وبالتحديد إلى جيبوتي حيث تملك قاعدة عسكرية ولوجيستية هناك، بها 400 عسكري أصبحوا يوجدون في هذه القاعدة، بهدف تأمين طرق الملاحة في القرن الإفريقي على مستوى خليج عدن والقرن الإفريقي فضلًا عن تأمين سلامة الجنود الصينيين المساهمين في قوات حفظ السلام بدول إفريقية عدة.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها الرئيس ترامب أنه رجل ينتمي إلى المؤسسة الرأسمالية، فهو يسعى إلى الاستفادة القصوى من القارة السمراء بأقل تكلفة، إذ كانت السياسات الأمريكية لأسلافه كلينتون وبوش وأوباما، مبنية على تقديم المساعدات والمنح بسخاء، وتميّز عهد كلينتون بتدشين قانون الفرصة والنمو أوائل الألفية الجديدة، والقائم على فكرة المنفعة المتبادلة عبر إعفاء نحو سبعة آلاف من منتجات 39 دولة إفريقية، بما في ذلك المنسوجات والسيارات والفاكهة والخضراوات من رسوم دخول أسواق الولايات المتحدة، إلا أن ترامب يسعى إلى إلغاء هذا القانون، ووضع قواعد أخرى، تقوم على تحقيق مكاسب فقط، كما قام بتخفيض الدعم المخصص لإفريقيا في المنظمة الأمريكية للمعونات (USAID) إلى أقل مستوى له.

الجوانب الإيجابية لإستراتيجية ترامب الجديدة تتمحور حول منافسة الصين، وتقتصر فقط على تعميق علاقات التجارة والاستثمار

يأتي كل ذلك رغم أن الإستراتيجية المعلنة لترامب تقوم على تعزيز التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية لتحقيق الازدهار في الولايات المتحدة وإفريقيا، ويفترض أن تدعم المبادرة الأسواق المفتوحة للشركات الأمريكية وتنمية الطبقة المتوسطة في القارة، وكذلك تعزيز توظيف الشباب وتحسين مناخ الأعمال التجارية، فضلًا عن استمرار دعم الحلفاء الأفارقة في بناء قوات الأمن لمواجهة التهديدات الأمن الإقليمي وتعزيز سيادة القانون من خلال الإبقاء على القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) في مكانها.

لكن رغم ذلك لم تنخرط إدارة ترامب مع زعماء إفريقيا بما يكفي، ولم تتحرك سريعًا لشغل المناصب الشاغرة المعنية بشؤون بالقارة في الإدارة الأمريكية فقد ظلّ منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون إفريقيا شاغرًا لقرابة عامين قبل صدور قرار تعيين ناجي، هذا بالإضافة إلى التخفيض الكبير في ميزانية البيت الأبيض المخصصة للوكالات المسؤولة عن تطبيق سياسة الولايات المتحدة في إفريقيا، وخفض المنح والمساعدات الممنوحة لدول جنوب الصحراء برغم عدم حدوث تحسن في أوضاع دول هذه المنطقة.

صحيح أن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون لم يذهب بعيدًا عن الحقيقية عندما قال في ديسمبر/كانون الأول الماضي، "تستخدم الصين الرشاوى والاتفاقات غير الشفافة والاستخدام الإستراتيجي للديون لاحتجاز الدول في إفريقيا أسيرًا لرغبات ومطالب بكين.. مثل هذه الأعمال المفترسة هي مكونات فرعية للمبادرات الإستراتيجية الصينية الأوسع.. لتطوير سلسلة من الطرق التجارية المؤدية من وإلى الصين بهدف نهائي هو تعزيز الهيمنة الصينية العالمية".

لكن ذلك لا يعني أن نتجاهل إستراتيجية الصين الطموحة بهدف بناء علاقاتٍ أطول أمد مع القارة السمراء، وما سيمنحها ذلك من نفوذ، وتعتقد مجلة فورين أفيرز الأمريكية أنَّ هذه النظرة الضيقة للعلاقات الإفريقية الأمريكية جعلت من الصعب على الولايات المتحدة توفير بديلٍ جذّاب للصين، ما جعل زعماء القارة يرحبون بالاهتمام والمال الصينيين، وتضيف المجلة أنَّ الولايات المتحدة ينبغي لها تحديد مواقفها تجاه القارّة والمبادئ التي تدعمها، بدلًا من أن تنبني إستراتيجيتها فقط على ما تُعارضه من هيمنةٍ صينية في إفريقيا.

من الأفضل على دول القارة السمراء ألا تعتمد على الصين ولا تأمل كثيرًا في إستراتيجية ترامب، فيكفي أن تهتم بتنويع اقتصاداتها بشتى المجالات كالزراعة والصناعة وتطوير السياحة

فالجوانب الإيجابية لإستراتيجية ترامب الجديدة تتمحور حول منافسة الصين، وتقتصر فقط على تعميق علاقات التجارة والاستثمار، على عكس إستراتيجيات الإدارات السابقة التي سعت لتدعيم المؤسسات الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان ومكافحة الأمراض والأوبئة ودعم القادة الشباب الواعدين.

ولكن من الأفضل على دول القارة السمراء ألا تعتمد على الصين ولا تأمل كثيرًا في إستراتيجية ترامب، فيكفي أن تهتم بتنويع اقتصاداتها بشتى المجالات كالزراعة والصناعة وتطوير السياحة، ولرواندا تجربة ثرية في هذا المجال على وجه التحديد، فتخطّي عقبات الحروب التجارية يتطلب من صانعي السياسات الإفريقية أن يضاعفوا جهود الإصلاح الاقتصادي وقبل ذلك الإصلاح السياسي، وتقليل الاعتماد على المساعدات الأمريكية والأوروبية، مع الاهتمام بخلق بيئة استثمارية تتيح للبلدان الإفريقية أن تصبح بلدانًا آمنة وجاذبة للاستثمار بشروطها، وليست بشروط الآخرين الذين قد تكون لديهم أجندة ومطامع تهدف إلى الاستيلاء على ثروات القارة ومواردها الطبيعية أو على الأقل إجبار الأنظمة الإفريقية على اتخاذ مواقف سياسية داعمة للدول الكبرى.