ما أشبه الليلة بالبارحة؛ ففي يوم التاسع من شهر أغسطس/آب 2014 وقف وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي يصدح أمام المحكمة في قضية قتل المظاهرين إبان ثورة 25 يناير والمعروفة إعلاميا بمحاكمة القرن قائلا " كل واحد كان له شريط وعارف، أيوة كنا بنتصنت على المكالمات هو فيه جهاز أمني سياسي مبيتصنتش على المكالمات!! أوقات كانت فيه حاجات بتقع تحت إيدنا بالصدفة، فيديوهات دعارة دي كنا بنجيب صحابها ونشغلهم معانا" بهذه الكلمات رسخ العادلي في الأذهان ثوابت الأجهزة الأمنية المصرية في ابتزاز المعارضين السياسية تلك الثوابت التي استمرت في عهد الرئيس السيسي متجسدة بقوة في التسريبات الفاضحة التي طالت النائب البرلماني والمخرج المصري خالد يوسف.

في البدء كانت الدعوة لتعديل الدستور المصري 

في 3 فبراير/شباط 2019 سلم الدكتور عبد الهادي القصبي رئيس ائتلاف دعم مصر صاحب الأغلبية البرلمانية "317 نائب من أصل 596" مقترحات النواب بشأن التعديلات الدستورية إلى رئيس البرلمان الدكتور علي عبد العادل، وفي تصريحاته البرلمانية أكد القصبي أن هدف التعديلات هو استمرارية الاستقرار واستكمال الخطط التنموية ولذلك يوجد مقترح بمد فترة الرئاسة إلى 6 سنوات ورفع الحظر عن ترشح السيسي لولايات رئاسية جديدة.

فمعروف عن السياسة منذ قديم الأزل أنها لعبة قذرة ولكن الفن كان يجب أن يكون بعيداً عن كل ذلك الفساد الذي استشرى بصورة فادحة فطال كل شيء في مصر

ودعا رئيس مجلس النواب اللجنة العامة للانعقاد من أجل النظر في طلب تعديل الدستور مؤكداً أنه سيسمح لجميع النواب بإبداء الرأي في التعديلات المقترحة، وقد قوبلت هذه التعديلات بمعارضة محدودة أظهرها عدد صغير من نواب البرلمان وعلى رأسهم المخرج خالد يوسف والنائب هيثم الحريري.

أزمة تورط المخرج خالد يوسف في فيديو فاضح وإشكالية التوقيت 

في مساء الخميس 7 فبراير/شباط 2019 ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على كل من "منى فاروق" و"شيما الحاج" بتهمة  الفعل الفاضح والتحريض على الفسق والفجور وذلك على إثر تورطهما في تصوير مقاطع فيديو جنسية انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي الوقت الذي ذكرت فيه أجهزة الأمن أن هوية وملامح الرجل الذي يظهر معهما في الفيديو الجنسي غير واضحة بعد، أكد رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن هذا الرجل هو المخرج خالد يوسف موضحين أن الصوت الصادر من التسجيل هو صوته كما أن صور جدران المنزل تعود لبيته.

وفي الوقت ذاته نشر خالد يوسف عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه يتعرض لحملة شرسة بسبب إعلانه الاعتراض على تعديل الدستور مؤكداً أن هذا الإعلان سيجلب له المشاكل ومن الممكن أن يزج به إلى غياهب السجن بأي تهمة ملفقة.

وقد تولت نيابة مدينة مصر التحقيق مع الفتاتين  منى فاروق وشيما الحاج وبسؤالهما عن الفيديو الفاضح أكدتا أنهما متزوجتان عرفياً من المخرج خالد يوسف وقدمتا ورقتا الزواج العرفي لهيئة المحكمة التي قضت بحبس المتهمتين 15 يوماً على ذمة التحقيقات وترحيلهما إلى سجن القناطر هذا في الوقت الذي يقضي فيه خالد يوسف إجازته السنوية في باريس من أجل زيارة أسرته.

وقد اتهم رواد مواقع التواصل الاجتماعي خالد يوسف بالهروب خارج مصر خوفاً من الفضيحة والتنكيل به ولكن أكد خالد يوسف في مداخلة هاتفية مع قناة bbc أنه في زيارة مؤقتة لأسرته وسيعود إلى مصر بعد شهر، هذا في الوقت الذي تعالت فيه الأصوات المطالبة برفع الحصانة عن النائب خالد يوسف.

كان من الممكن اعتبار توقيت الفضيحة مع اعتراض خالد يوسف على تعديل الدستور محض صدفة لو لم تعد الأجهزة الأمنية الكرة ذاتها مع النائب هيثم الحريري الذي سار على درب المخرج خالد يوسف رافضاً التعديلات الدستورية

وفي سياق متصل أكد جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية أنه يملك فيديوهات أخرى للنائب خالد يوسف ولكنه لم يقرر استخدامها بعد هذا بالإضافة لتسجيلات  أخرى لمكالمات هاتفية شخصية للكثير من الساسة والإعلاميين وأضاف الجهاز أن الكثير من هذه التسجيلات يحتوي على أحاديث جنسية.

كان من الممكن اعتبار توقيت الفضيحة مع اعتراض خالد يوسف على تعديل الدستور محض صدفة لو لم تعد الأجهزة الأمنية الكرة ذاتها مع النائب هيثم الحريري الذي سار على درب المخرج خالد يوسف رافضاً التعديلات الدستورية وفي الأسبوع ذاته انتشر تسريب صوتي جنسي منسوب للنائب هيثم الحريري الذي غير موقفه منذ ساعات قليلة مصرحاً بأن التعديلات الحالية للدستور هي قمة الديمقراطية فهل من قبيل الصدفة أن تتزامن التسريبات الجنسية للنائبين مع توقيت تعديل الدستور؟

فساد صناعة السينما في مصر وعبثية المشهد الفني

إذا عدنا للوراء قليلاً وتذكرنا ما قاله وزير الخارجية الأسبق حبيب العادلي، نعم تتجسس الأجهزة الأمنية على بعض المواطنين ويعد هذا التجسس فعلاً غير مقبول، ولكنها من زاوية أخرى لم تجبر خالد يوسف على ابتزاز الفتاتين: تعرض خالد يوسف للابتزاز من قبل أجهزة الأمن المصرية، وتعرضت الفتاتان منى فاروق وشيما الحاج للابتزاز من قبل المخرج خالد يوسف والذي بالتأكيد قام بابتزازهما مقابل إدخالهما إلى عالم الشهرة والتمثيل والذي تدور حوله الكثير من علامات الاستفهام، فإذا كان مخرجاً كبيراً بثقل خالد يوسف وحجمه الفني يفعل ذلك فكيف ببقية الوسط الفني؟

وبعيداً عن التأويلات السياسية تتأتي الشهرة في الوسط الفني المصري عبر طريق مبهمة بعض الشيئ: فخلال عام 1997 طُرح فيلم اسماعيلية رايح جاي في السينمات وكانت حينها تحوم حول الفيلم الكثير من إمارات الفشل خاصة وأن أبطاله جميعاً كانوا في بداية مسيرتهم الفنية، ظن صناع العمل حينها أن الفيلم تعرض لضربة قاضية حين طُرح فيلم المصير للمخرج العالمي يوسف شاهين في نفس الموسم وهو فيلم يشهد الجميع بروعته الفنية ولكن حدثت حينها واقعة صغيرة قلبت موازين الأمور رأساً على عقب حيث ضُبطت الفنانة حنان ترك بطلة فيلم اسماعيلية رايح جاي في بيت دعارة وكانت فضيحة مدوية تحدثت عنها الصحف المصرية لفترة طويلة إذ نشرت قوات الداخلية وقتها المبالغ المالية التي تتقاضها حنان ترك نظير ممارسة الرذيلة وكان الرقم كبيراً، وبسبب هذه الحادثة تدفق الجمهور بكل ثقله على أبواب السينمات لمشاهدة فيلم إسماعيلية رايح جاي -جدير بالذكر أن التحقيقات أثبتت فيما بعد براءة النجمة حنان ترك-

حادثة خالد يوسف والتعديلات الدستورية والفيديو الفاضح إن كانت تكشف عن شيء فهي تجسد بكل وضوح عبثية المشهد السياسي والفني في مصر

ولأن نجاح الفيلم يرتكز في جانب منه على الإيرادات فقد طغى نجاح فيلم إسماعيلية رايح جاي على فيلم المصير، وحينها شعر يوسف شاهين بالغضب الشديد من نجاح فيلم إسماعيلية رايح جاي ليعود بعدها بفيلم "الآخر" عبر تيمة رومانسية من بطولة النجمة حنان ترك التي كانت السبب الرئيسي في نجاح فيلم إسماعيلية رايح جاي.

حادثة خالد يوسف والتعديلات الدستورية والفيديو الفاضح إن كانت تكشف عن شيء فهي تجسد بكل وضوح عبثية المشهد السياسي والفني في مصر: بداية لا يمثل خالد يوسف أي ثقل سياسي وليس له جماهيرية واسعة سواء في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي وعليه فهدف الأجهزة الأمنية من تشويه سمعته هو إما من قبيل الإلهاء عن التعديلات الدستورية أو من قبيل العبث السياسي.

على الصعيد الفني، لا تؤثر فيديوهات الفضائح الجنسية والأخلاقية على المسيرة الفنية لفاعلها وإنما قد يكون العكس تماماً هو الصحيح، والفيديو الجنسي الفاضح إنما يؤكد فداحة وضح الفن في مصر أكثر من الوضع السياسي، فمعروف عن السياسة منذ قديم الأزل أنها لعبة قذرة ولكن الفن كان يجب أن يكون بعيداً عن كل ذلك الفساد الذي استشرى بصورة فادحة فطال كل شيء في مصر.