ثلاثة مؤتمرات دولية شهدها الأسبوع الثاني من فبرابر/شباط الحاليّ، لها صلة بقضايا الأمن والسلام والحرب، وآخرها مؤتمر ميونخ للأمن في نسخته الـ55، لكن برودة طقس ميونخ زادت من فتور العلاقات الأوروبية الأمريكية، وتحول معها منبر المؤتمر إلى منصة لتوجيه اللوم وحتى الاتهامات بين الأوروبيين وحلفائهم الأمريكيين، وبدا الطرفان بعيدين عن بعضهما في قضايا كثيرة لم تعد تقتصر على حلف شمالي الأطلسي "الناتو" أو التعاطي مع روسيا وإيران، وتخطتها لتطال التعاطي مع الأزمة السورية ومحاربة الإرهاب.

ملفات ساخنة

كثيرة هي الملفات التي كان من المنتظر مناقشتها في مؤتمر ميونخ، قضايا متشعبة تُقلق قادة العالم وحكوماته، تبدأ بالوضع السياسي العالمي، ولا تنتهي بالدفاع والأمن والأزمات المتصاعدة حول العالم، أزمات متلاحقة وتحديات تعني الكثيرين من صنَّاع القرار، كمأزق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "البريكست"، والانقسام في فنزويلا وتعقيدات الوضع الأوكراني.

تغييرات كبيرة في السياسة الخارجية الأمريكية أدت إلى تغييرات مشابهة في اجتماع كان معروفًا بوحدته منذ أن بدأ في ذروة الحرب الباردة

وينعقد مؤتمر ميونخ هذا العام وسط مخاوف أوروبية كبيرة بين توسع روسي من جهة الشرق ومطالبة أمريكية لدول الشرق لتحمل نفقات حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وسيكون مؤتمر هذا العام هو الأخير قبل الخروج البريطاني المزمع من الاتحاد الأوروبي، وهو ما جعل هذا الخروج أمرًا مركزيًا في النقاش الدائر بين صناع القرار الأوروبيين الذين يبحثون في أروقة هذه المناسبة السنوية عن أفكار لرأب صدع اتحادهم والحفاظ عليه أمام معضلة تعارض مصالح أعضائه.  

وتُعرف نقاشات مؤتمر ميونيخ للأمن بأنها من بين أكثر النقاشات صراحة بين قادة العالم، فالتوصيات التي يخرج بها هذا المؤتمر تعد بمثابة الإنذار المبكر للمجتمع الدولي من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، لكن تغييرات كبيرة في السياسة الخارجية الأمريكية أدت إلى تغييرات مشابهة في اجتماع كان معروفًا بوحدته منذ أن بدأ في ذروة الحرب الباردة (عقد المؤتمر لأول مرة في عام 1963) للتصدي للتحديات العسكرية الشديدة.

سياسات الانسحاب من الصراعات في الخارج ( سوريا وأفغانستان) ونبذ المؤسسات متعددة الأطراف لصالح الاتفاقات الثنائية وتزايد النفوذ الروسي والصيني مقابل تراجع واشنطن وانسحابها من معاهدة انتشار الصواريخ النووية مع روسيا، شكَّلت جميعها مخاوف ألقت بظلالها على جلسات اليوم الأول للمؤتمر، هذا بالإضافة إلى غياب الرئيس الفرنسي لخلافاته مع المسشارة الأمريكية أنجيلا ميركل.

 فولفجانج إيشنجر رئيس المؤتمر يرتدي زيًا عليه علم الاتحاد الأوربي خلال افتتاح المؤتمر 

ومع تواصل عقد اللقاءات وإلقاء الكلمات بين الزعماء والوزراء والمسؤولين على هامش مؤتمر ميونخ، أدرك الأوروبيون من خلال المواقف الأمريكية التي شهدتها جلسات اليوم الثاني من مؤتمر ميونخ للأمن أن علاقتهم بالضفة الثانية من الأطلسي تزداد تباعدًا، وليس آخرها التباينات التي شملت قضايا تُعتبر مفصلية. 

في مشهد اختصر كثير من العناوين التي وُضعت لنقاشات مؤتمر ميونيخ للأمن افتتح فولفجانج إيشنجر رئيس المؤتمر أعماله بحضور أكثر من 35 زعيمًا ورئيس حكومة بالدعوة إلى الحفاظ على منظومة الاتحاد الأوروبي والتمسك بقواعد النظام العالمي التي اُتفق عليها بعد الحرب العالمية الثانية، محذرًا من تهديد غير مسبوق للأمن العالمي.

لكن دعوة إيشنغر للحوار واستعادة الثقة قد واجهت امتحانًا حقيقيًا حين التقي وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظراءه الأوروبيين لبحث أزمة أوكرانيا وسباق التسلح، فالخلاف الأوروبي الروسي تزيده تعقيدًا - حسبما قال مشاركون في المؤتمر - تحركات واشنطن غير المنسقة مع أوروبا التي كان آخرها الانسحاب الأمريكي من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة مع روسيا.

التصدعات العميقة بين ضفتي الأطلسي    

الانقسامات بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن عدة قضايا أمنية، بما في ذلك تخلي الأمريكيين عن الاتفاق النووي الإيراني، وضعت الحلفاء في خلاف، فالقرارات الأمريكية الأخيرة بالانسحاب من الصراعات في الخارج - مع إعلان ترامب عن انسحاب القوات في سوريا وخطط تقليص دور أمريكا في أفغانستان - تركت الحلفاء الأوروبيين يتساءلون عمن سيتدخل.

استخدمت ميركل مفردات كانت الأعلى سقفًا في الرد على المواقف الأمريكية التصعيدية التي شهدتها أروقة المؤتمر

ووسط هذه الأجواء تباينت وجهات النظر بين الولايات المتحدة ودول أوروبية خلال انطلاق اليوم الأول من مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا، الذي سيستمر لثلاثة أيام، ويناقش عدد من القضايا وأبرزها إيران والانسحاب الأمريكي من سوريا وأيضًا قضايا تجارية، وأعرب قادة أوروبيون عن استيائهم من سلسلة قرارات أصدرها ترامب واُعتبرت معادية لحلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي.

على رأس هؤلاء كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي لقبها مشاركون في مؤتمر ميونخ للأمن، بقائدة العالم الحر كأنما توِّدع الحاضرين، فقد استخدمت ميركل مفردات كانت الأعلى سقفًا في الرد على المواقف الأمريكية التصعيدية التي شهدتها أروقة المؤتمر، ورغم محاولاتها التشديد على أهمية التحالف مع الأمريكيين، فإنها لم تتردد في توجيه انتقادات لاذعة بدورها للطريقة الأحادية للإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالانسحاب من سوريا والانسحاب من اتفاق الأسلحة النووية المتوسطة المدى.

وخلف الابتسامة التي ظهرت في الصورة التي جمعت المستشارة الألمانية ونائب الرئيس الأمريكي مايك بنس تساؤلاً راود ميركل التي شككت في مدى حكمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا، ثم ما لبثت أن هاجمت مقاربة الأمريكيين في استخدام حجج الانسحاب، فواشنطن - على حد قولها - انسحبت من سوريا "لتتركها في يد طهران"، كما انسحبت من الاتفاق لتقوض حجر الزاوية التي رأى فيه الأوروبيون لجمًا لطموح طهران.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، فاجأ الرئيس الأمريكي حلفاءه بإعلان الانسحاب من سوريا بعد القضاء على تنظيم الدولة "داعش"، انسحاب تريد واشنطن منه الكثير، فهي تريد أن يخدم مصالحها عبر منطقة عازلة غير واضحة المعالم بعد، تحافظ عبرها على بنادق حلفائها الأكراد، وتحقق الحد الأدنى من المطالب التركية وكذلك لا تترك تلك البقعة أسيرة تقاطع المصالح الروسية الإيرانية.

 إلا أن نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس هوَّن من تداعيات عزم بلاده سحب قواتها من سوريا، وأكد من ميونخ بقاء بلاده في منطقة الشرق الأوسط، معتبرًا ذلك "تغيير في أساليب العمل وليس تغيير في المهمة"، فالولايات المتحدة - بحسب قوله - تعمل مع حلفائها على طرد ما تبقى من عناصر التنظيم حيث يختبئون، مشيرًا إلى أن المهمة في سوريا سيتم نقلها لحلفاء واشنطن، وسيتم دعمهم.

هذا التطمين لم يلق ترحيبًا لدى الأوروبيين، خاصة مع نية واشنطن الانسحاب من سوريا بنهاية أبريل/نيسان المقبل، ودفع ذلك بحلفاء واشنطن إلى التساؤل عن كيفية تصديهم لمزيد من الفوضى وعدم الاستقرار هناك، وفي هذا السياق، تساءل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان الذي تنشر بلاده نحو 1200 جندي في المنطقة، عن السبب الذي يدفع الولايات المتحدة لخلق فراغ في سوريا قد يفيد عدوتها إيران، معتبرًا أن المقاربة "غامضة".  

ومع هذه الانتقادات زادت العلاقات الأمريكية الأوروبية اشتباكًا في ميونخ، وظهر برود أكثر في العلاقات خلال الحديث عن الاتفاق النووي مع إيران، فنائب الرئيس الأمريكي لم يجد غضاضة في أن يتهم إيران بأنها أكبر راع للإرهاب في العالم، ويطلب من الأوروبيين بما يوحي أنه أمر من دول بحجم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران على غرار ما فعلته بلاده العام الماضي.  

وفي خطابه الرئيسي خلال مؤتمر ميونخ الدولي للأمن، أمس السبت، بدا بنس وكأنه يتهم الأوروبيين بأنهم يعملون خلافًا لأهداف الولايات المتحدة، خاصة في الملف الإيراني، ودعا حلفاءه إلى أن يكفوا أيديهم عن المشاركة في أي منصة لتمويل التبادل التجاري مع طهران التي اعتبرها تقوِّض الجهود الأمريكية، وكانت الدول الثلاثة قد دشنت الشهر الماضي آلية مالية لمساعدة الشركات الأوروبية التي لها مصالح تجارية مع إيران، في تجنب العقوبات الأمريكية. 

لم يقتصر التراشق بين ميركل وبنس غلى إيران وسوريا بل تخطاها إلى مواضيع كثيرة من مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي الجديد الذي سيزيد من اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي

وعلى غرار ما جرى في مؤتمر وارسو للسلام والأمن في الشرق الأوسط منذ يومين، اعتبر بنس أن جمهورية إيران أكبر تهديد لمنطقة الشرق الأوسط، وتحدث بلهجة أكثر حدة، وقال ملمحًا إلى تاريخ النازيين والهولوكوست: "هم (الإيرانيون) يدعمون المليشيات مثل حزب الله وحماس، ويغذون النزاعات في سوريا واليمن، ويخططون لهجمات على الأراضي الأوروبية، ونادوا لتنفيذ محرقة جديدة بحق الإسرائيليين"، وهو ما استوجب ردًا إيرانيًا باعتبار التصريحات الأمريكية "عبثية ودعائية"، وذلك بحسب وكالة "فارس" الإيرانية.

لكن كلام بنس لم يقلل من حدة المعارضة واسعة من الأوروبيين، ففي المقابل، أكدت مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أن التكتل عازم على المحافظة على "التطبيق الكامل" للاتفاق مشددة على ضرورة ذلك من أجل أمن أوروبا، وشدد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس على أنه دون الاتفاق، "لن تكون المنطقة في أمان وسنكون في الواقع أقرب إلى احتمال اندلاع مواجهة مفتوحة".

 الدبلوماسية الخلفية بين أمريكا وحلفائها

لم يقتصر التراشق بين ميركل وبنس على إيران وسوريا بل تخطاها إلى مواضيع كثيرة من مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي الجديد الذي سيزيد من اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي، ومساهمات برلين في حلف الناتو، ووصل حتى السيارات الألمانية، فقد شدَّد بنس كذلك على المعارضة الأمريكية القوية لخط أنابيب الغاز "نورد ستريم2" الروسي الألماني الذي يجري بناؤه، الذي رأى ترامب أنه يجعل أكبر قوة اقتصادية في الاتحاد الأوروبي "رهينة" لروسيا.

وانتقد كذلك صفقات شراء الأسلحة التي ينوي أعضاء في الأطلسي إبرامها مع "أعدائنا"، في إشارة بحسب وسائل إعلام روسية إلى اتفاق مرتقب بين موسكو وأنقرة، وقال: "لا يمكننا ضمان الدفاع عن الغرب في حال ازداد اعتماد حلفائنا على الشرق".

ألغى عادل الجبير مشاركته التي كانت مقررة في جلسة تتعلق بقضايا الشرق الأوسط

في حين دافعت ميركل عن نية بلادها تنفيذ خط الأنابيب الروسي، وسألت متعجبة كيف أصبحت صناعة السيارات الألمانية "تهديدًا للأمن القومي الأمريكي"، في إشارة لكلام ترامب الذي سيفرض رسومًا على استيراد السيارات الألمانية، وذكَّرت ميركل بأن أكبر مصنع تملكه شركة "بي إم دبليو" موجود في ولاية نورث كارولينا وليس في ألمانيا، والسيارات التي تصنع هناك تُباع إلى الصين.

وفيما يخص الوضع في فنزويلا التي تعيش في أزمة خطيرة بعد إعلان خوان غوايدو نفسه رئيسًا، دعا نائب الرئيس الأمريكي دول الاتحاد الأوروبي الـ28 إلى الاعتراف بزعيم المعارضة باعتباره "الرئيس الشرعي الوحيد"، واعتبر أن "الرئيس نيكولاس مادورو مستبد، ويحكم دون أي سلطة شرعية، وعليه أن يرحل"، حسب تعبيره، وذلك في موقف آخر تختلف فيه وجهات النظر بين موسكو التي تؤيد حكومة مادورو وواشنطن التي توافقها الهوى.

وفي هذا الشأن، تذكر صحيفة "الإندبندنت" البريطانية أن الصراع بين موسكو وواشنطن قد تشكل من خلال معسكرين متصارعين ومتواجهين على الساحة المتأججة في الشرق الأوسط "تمامًا كما كان الوضع قبيل الحربين العالميتين الولايات المتحدة وروسيا تتصارعان على النفوذ في الشرق الأوسط عبر مؤتمرين متنافسين".

ربما يعكس اعتذار الجبير توترًا بين الرياض وبرلين، بعدما كان قد رحب متحدث باسم وزارة المالية في ألمانيا بقرار الاتحاد الأوروبي إدراج السعودية على القائمة السوداء للدول التي تشكل تهديدًا بسبب تهاونها مع تمويل الإرهاب وغسل الأموال

وفي كل عام، يجتمع قادة دوليون في ميونيخ لمناقشة السلام والدبلوماسية، لكن المؤتمر ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو مختبر دبلوماسي من الاحتمالات التي تحدث خلف الأبواب المغلقة، لذلك يُنظر إلى هذا الأمر على أنه دفعة لمسؤول سابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي، هو بيني غانتس رئيس الأركان الأسبق ورئيس حزب إسرائيل الصهيوني حديثًا، لعرض حضوره على المسرح الدولي مع زعماء العالم، مما يعزز مؤهلاته الدبلوماسية قبل الانتخابات الإسرائيلية، بعد أن جعل نتنياهو علاقاته القوية مع مجموعة من الرؤساء ورؤساء الوزراء حجر الزاوية في حملته، بحجة أنه لا يوجد غيره قادرًا على قيادة "إسرائيل" على المسرح العالمي.

على صعيد آخر، اختيار الرئيس المصري التغريد خارج أزمات الشرق الأوسط، ففي جانب آخر بعد لقائه ميركل طالب السيسي بما وصفه بـ"إصلاح الخطاب الديني"، وإلى جانب "تحريض" الأوروبيين على مراقبة المساجد، اختار السيسي الدخول على خط ما تعرف بمذابح الأرمن التي تثير حساسية شديدة لدى الأتراك.

ربما اكتفى وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير بما جرى في مؤتمر وارسو، فقد آثر الابتعاد عن الأضواء، وذكرت وسائل إعلام أنه ألغى مشاركته التي كانت مقررة في جلسة تتعلق بقضايا الشرق الأوسط دون إبداء أسباب، وربما يعكس اعتذار الجبير توترًا بين الرياض وبرلين، بعدما كان قد رحب متحدث باسم وزارة المالية في ألمانيا بقرار الاتحاد الأوروبي إدراج السعودية على القائمة السوداء للدول التي تشكل تهديدًا بسبب تهاونها مع تمويل الإرهاب وغسل الأموال.