في يونيو من العام الماضي، عملت مع زملاءٍ على التحقيقِ الاستقصائي "مجازر باسم القانون"، الذي عرضه التليفزيون العربي ضمن برنامج شيفرة، حاولنا في هذا الفيلم حل شيفرة أحكام خمس قضايا حُكم فيها بالإعدام على مواطنين مصريين وجرى تنفيذ الحكم في أحدها قبل التحقيق وأخرى في أثناء العمل عليه، لكننا بعد ثمانية أشهر تقريبًا من بث الفيلم، جرى تنفيذ الحكم في قضية ثلاثة ثم رابعة.

من خلال أوراق القضايا التي حصلنا عليها من مصادرنا، في أثناء التحقيق، خلُصنا أن متهمين اثنين على الأقل، أثبتوا بأوراقٍ رسمية عدم صدقية إجراءات الضبط أو تحريات المباحث والأمن الوطني، وكذلك من خلال شهادات الشهود، لكن القضاة الموكَلين بنظر هذه القضايا لم يعيروا الأوراق والإفادات الرسمية أي اعتبارٍ أو انتباه، وتم تجاهل في كل القضايا مدى قانونية إجراءات الضبط التي جرت وحوادث الإخفاء القسري (المثبتة) وتجاهل تأكيدات الدفاع على تعرض المتهمين لتعذيب شديد لانتزاع اعترافات غير حقيقية.

كلما واجهت هذا النوع من الكوارث، أتساءل دائمًا: كيف يُمكن لهؤلاء أن يفعلوا هذا بنا؟

في قضية إستاد كفر الشيخ وقضية قتل نجل المستشار في المنصورة وقضية عرب شركس قدم محامو المحكومين بالإعدام أوراقًا ثبوتية تُثبت التلفيق المتعمد الذي قامت به أجهزة الشرطة والأمن الوطني، كما رفض القضاة في القضايا السماح للمتهمين بالعرض على الطب الشرعي لإثبات التعذيب، بل إن قضية عرب شركس، بعد يومين من تنفيذ حكم الإعدام فيهم، قررت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري إعادة فتح باب المرافعة، أمام دفاع المتهمين في الدعوى التي أقاموها للمطالبة بوقف قرار رئيس الجمهورية بالتصديق على حكم إعدام مدني أمام محاكم عسكرية، إلا أنه أصبح قرارًا معدوم الفائدة، لا قيمة له بسبب إعدام الشباب الست المتهمين.

لكن رغم ذلك، حوكم متهمون في قضايا أخرى أمام محاكم عسكرية وحكم عليهم فيها بالإعدام، ومنهم من نُفذ فيه الحكم مثل قضية إستاد كفر الشيخ، ومنهم من ينتظر مثل قضية 174 جنايات عسكرية بعد أن أيدت محكمة الطعون العسكرية العليا في مارس 2018 حكم الإعدام بحق اثنين من المتهمين.

قبل يومين، بدأت تنتشر أخبارًا عن احتمالية تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتهمين في قضية اغتيال النائب العام، تملكتني حالة من الغضب نتيجة انتشار هذه الأخبار، لما تسببه من حالة رعب لأهالي هؤلاء، ففي هذه القضية محكوم بالإعدام على أصدقاء أعزاء، أحدهم أحمد هيثم الدجوي، وقد جرى توقيفه قبل اغتيال النائب العام بـ45 يومًا ظلَّ خلالها مختفيًا، حتى ظهر متهمًّا بالضلوع في اغتياله عن طريق قيامه بمراقبة منزل النائب العام، وهي الاتهامات التي لم يكن يعرف عنها أحمد شيئًا حتى واجهوه بها.

كلما شاهدت هذه الأحكام المرعبة أرى الطريق المسدود الذي يُصرُّ النظام على أن يرسمه للبلاد

لكننا استيقظنا أمس على خبر تنفيذ أحكام الإعدام بحق 9 شباب أعمارهم بين الثالثة والعشرين والثلاثين، أحدهم هو أحمد وهدان الذي تم اعتقاله قبل اغتيال النائب العام بعدة أشهر، لتضع زوجته ابنتهم، ليلى، دون أن يراها أحمد، بينما كانت وسيلة التواصل بينهم قاعات المحكمة، لزوجة وهدان صور وهي تتحدث بالإشارة مع زوجها ليتعرف على تطورات حياة ابنته، اليوم تخطو ليلى خطواتها الأولى دون أبيها، دون أن تكون لهم صورة تجمعهم أو ذكرى خارج أسوار المحكمة أو لحظات في ليالي دافئة.

في ذات القضية، وفي إحدى الجلسات، بعد أن سُمح للمتهمين أخيرًا بالحديث، وقف محمود الأحمدي ليحكي للقاضي ما قاساه في مقرات الاحتجاز التابعة للأمن الوطني في لاظوغلي، التي عُذِّب فيها هو وشقيقه، ليقف في النهاية أمام الضابط ليُخبره "هتشيل النائب العام يا محمود" هكذا بكُل بساطة، فالأوراق حتى لا تحتاج إلى تستيف، تجاهل القاضي ما قاله محمود بخصوص التعذيب والانتهاك الإنساني الذي تعرض له وانتزاع اعترافه تحت التعذيب ومضى قُدمًا في الحكم بالإعدام.

لكنني كلما واجهت هذا النوع من الكوارث، أتساءل دائمًا: كيف يُمكن لهؤلاء أن يفعلوا هذا بنا؟ لأحمد وإسلام ومحمد عبد الرحمن وأبو القاسم وأبو بكر، وغيرهم المئات والآلاف، عائلات وأسر منفطرةٌ قلوبها على ذويهم، كيف يمكن لهؤلاء أن يعيشوا أيامهم بين ظهراني المجتمع دون مستقبل للعدالة أو حتى الإحساس بفداحة الجُرم الذي يرتكبونه؟

تجاوز النظام قمع التظاهرات، لارتكاب مجازر بفض الاعتصامات ثم اعتقالاتٌ لأي صوتٍ مخالف ثم إخفاءٌ قسري وقتل خارج نطاق القانون وقتل باسمه، دون إبداء نيّة حقيقية لحل الأزمة

كلما شاهدت هذه الأحكام المرعبة أرى الطريق المسدود الذي يُصرُّ النظام على أن يرسمه للبلاد، بينما يحاول الآلاف ممن عانوا الأمرين خلال السنوات الماضية، تجاوز الأزمة والحيلولة دون السقوط في براثن اليأس والعُنف، يُصر النظام على أن يدفعهم دفعًا نحو طريق نتيجته انفجار على كل المستويات، ليس على المعارضين لنظام الحكم فقط بل على البلاد ككل، فمن لم يجد طريقًا للتغيير السلمي، فقط يجد طرقًا أخرى أسوأ وأسوأ.

لم تتوقف التحذيرات عن مدى سيصبح الوضع وخيمًا على البلاد والعباد، منذ بدايات استخدام العنف على كل هذه المستويات، تجاوز النظام قمع التظاهرات لارتكاب مجازر بفض الاعتصامات ثم اعتقالاتٌ لأي صوتٍ مخالف ثم إخفاء قسري وقتل خارج نطاق القانون وقتل باسمه، دون إبداء نية حقيقية لحل الأزمة، أو حتى دون إبداء نية حسنة لاحتمالات وقف العنف ضد المعارضين في مقابل كل شيء حتى الصمت موتًا، دون أدنى تعلم من دروس الماضي والتاريخ.

تتوسع دائرة الثأر كل يوم، آلاف الشهداء والمعتقلين والمختفين قسريًا، ثم ماذا؟ ما الذي ينتظره النظام بعد كل هذا، سوى انفجار سيقضي على الأخضر واليابس.

في أكتوبر 2016 كتبت هنا، مقالًا بعنوان الجريمة الكُبرى لعبد الفتاح السيسي، عن مدى الفرقة الاجتماعية التي أحدثها عبدالفتاح السيسي في المجتمع، ما صنع شرخًا مُجتمعيًّا يصعب مداواته، بعد أن أضحى الشعب مخُبرًا على نفسه، لكن اليوم أصبحت كل شرائح المجتمع لديها ثأرٌ مع هذا النظام.

نقول هذا الكلام، ونحن ننعي أصدقاءنا إلى مثواهم الأخير الذي لاقوه نتيجة تجاهل النظام وأدواته لكل أدلة البراءة، نتيجة تعديل العدالة، هذه العدالة، التي لا تُنتج إلا الانتقام.