مزاحمة للسعودية أو رغبة في مشاركة باكستان والصين بأرباح اقتصادية عظيمة، تضع إيران نفسها مجددًا تحت مجهر العالم، بتصريح قوي لسفيرها في باكستان مهدي هوناردوست، يؤكد فيه أن بلاده ترغب في الانضمام إلى مشروع الممر الاقتصادي الصيني الذي يعبر عن رؤية الصين الجديدة "حزام واحد.. طريق واحد" لبناء شبكة من مشروعات البنية التحتية، تربط بين الصين والعالم.

ماذا يعني المشروع لـ"الصين وباكستان"

يهدف مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ويطلق عليه "CECP" إلى إنشاء طريق بري يربط بين مدينة كاشغر الصينية وميناء جوادر الباكستاني، بتكلفة إجمالية تبلغ 46 مليار دولار، ويربط المشروع مدن الشرق الصيني بجنوب آسيا والشرق الأوسط وشرق إفريقيا والبحر المتوسط​، بجانب إنشاء محطة عائمة لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، تخدم على خط أنابيب الغاز الإيراني الباكستاني، وهو مشروع تم التخطيط له منذ فترة طويلة، وكان مزمع إقامته بين إيران وباكستان، إلا أن العقوبات المفاجئة التي يتبعها ترامب لتركيع طهران، وتخوف باكستان من ملاحقتها من ترامب، يضعها في موقف لا تحسد عليه، ويبعدها عن التحالف مع جارتها الإسلامية.

تستثمر الصين في البنية التحتية بآسيا الوسطى منذ منتصف التسعينيات، وفقًا لإستراتيجيتها الاقتصادية بجنوب ووسط آسيا

ورغم أهمية المشروع القصوى للصين، فإن باكستان تعول عليه أكثر بكثير لدفع عجلة اقتصادها، بما يضعها في منطقة تفوق عن جميع جيرانها وتحافظ على الزيادة المستمرة في حجم التجارة مع بكين التي وصلت إلى 20 مليون دولار أمريكي منذ عام 2015، بزيادة قدرها نحو 30% عما كانت عليه عام 2006، كما وقع الحليفان اتفاقية تجارة حرة، تصبح باكستان بموجبها أحد أهم الأعمدة الرئيسية للاستثمار الصيني في المنطقة.

وتستثمر الصين في البنية التحتية بآسيا الوسطى منذ منتصف التسعينيات، وفقًا لإستراتيجيتها الاقتصادية بجنوب ووسط آسيا، وتولت شركاتها إنشاء طرق سريعة وسكك حديدية وجسور وأنظمة اتصالات بالعديد من بلدان المنطقة وعلى رأسهم طاجيكستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، وتستمر في دعم هذه البلدان، أملاً في خلق أسواق جديدة لها، ذات إمكانات نمو كبيرة، في ظل حربها التجارية المشتعلة مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تطوير علاقة أوثق من مناطق جغرافية وتاريخية وثقافية وعرقية، مع الدول التي لديها قدرة على التأثير في الأحداث بالمنطقة.

هذه المعطيات، كان يعلمها جيدًا هوناردوست الذي يمثل إيران لدى باكستان، ويدرك جيدًا أهمية طهران جغرافيًا لنجاح المشروع، لذا يكثف ضغوطه على المؤسسات المعنية في إسلام أباد وبكين، لإيجاد موطئ قدم لبلاده، ربما تسهم هذه الخطوة في كسر العقوبات المتزايدة عليها من جانب الولايات المتحدة، كما يلجأ لتسييل لعاب جيرانه، بما يمكن أن يقدموه لمشروع سيتكلف مليارات الدولارات، وخاصة في قطاعي الطاقة والنقل.

الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني في الحزام والطريق

عقبات أمام تعاون إسلام أباد وطهران

طلب إيران الانضمام لمشروع بهذه الحجم، لن يكون بالشيء الهين على إسلام إباد التي تعيش ضغوطًا قاتلة من هيئات الرقابة على غسيل الأموال، مما يجعلها مهددة كل لحظة بالعزلة عن المجتمع الدولي والعقوبات، والدخول بنفق مظلم في علاقتها مع أمريكا، لا سيما بعد أن صعد ضدها دونالد ترامب، وخصم 225 مليون دولار من الدعم المالي المخصص لها، وهاجمها في مواضع عدة، زاعمًا أنها لم تقدم للولايات المتحدة أي شيء، نظير المنح التي تحصل عليها من بلاده، وكما هي عادته، ضغط على الحكومة الباكستانية، ووضعها في قفص الاتهام، بإشارة من بعيد إلى تعاونها المحتمل مع منظمات إرهابية.

ورغم محاولة باكستان الحفاظ على كبريائها والرد بشكل عملي على تصريحات ترامب، بتنفيذ جميع مشروعاتها الثنائية مع الصين بـ"اليوان" بدلاً من الدولار، والتلويح برفض مرور أي إمدادات إلى القوات الأمريكية المتمركزة في أفغانستان عبر باكستان، مما يصعب بشدة على الولايات المتحدة العثور على دولة مجاورة يمكنها أداء هذه المهمة، فإنها تحافظ في الوقت نفسه، على تحقيق توازن يصون علاقتها مع أمريكا، حتى لا تقترب في المقابل من الهند، وتدعمها في رفض المشروع، والتصعيد ضده أمميًا، بدعوى انتهاك سيادتها أو تعطل مشاريعها الاقتصادية مع المؤسسات الدولية، وبصفة خاصة صندوق النقد الدولي، التي تسعى للحصول على قرض كبير منه.

ترحب باكستان والصين، بانضمام السعودية، لمشروع الممر، في ضوء موقعها الإستراتيجي الذي يضعها كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا وآسيا

كما يواجه عقبة أخرى، وهي تحالفها الاقتصادي مع دول الخليج المعادية لإيران، التي تعد أكبر سوق للعمالة الباكستانية، وتحول سنويًا مبالغ ضخمة من الباكستانيين المغتربين في السعودية والإمارات، بما ينعكس على اقتصاد البلاد، ويقف حائلاً أمام أي محاولة جادة للتقارب، فلا يعقل أن تتخلى باكستان عن الرياض وأبو ظبي من أجل علاقات أفضل مع طهران المحاصرة دوليًا.

ولنفس السبب، ترحب باكستان والصين، بانضمام السعودية، لمشروع الممر، في ضوء موقعها الإستراتيجي الذي يضعها كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، وهو ما يجعل المملكة حريصة على الاستثمار في المشروع، لتعزيز الاستقرار الاقتصادي في باكستان مما يضمن لها نفوذًا أقوى ويوسع قاعدة الشراكة معها من جانب، والصين من جانب آخر، وتضييق الخناق على إيران وملاحقتها في كل مكان يمكن أن تصل إليه، لتعزز مكانتها الدولية على حساب السعودية، لذا تسعى إلى وضع التعاون الصيني الباكستاني ضمن رؤيتها لعام 2030، لتضرب عصافير عدة بحجر واحد، تحجم إيران وتخلص من اعتمادها على النفط وتجذب الاستثمارات الصينية لتدفع التحول الاقتصادي في المملكة إلى آفاق أخرى وتنمي ثقافة تنوع مصادر الدخل لضمان رفاهية دائمة للسعوديين، لا ترتبط بوجود النفط.

تنافس المصالح

هناك موانع شخصية لدى باكستان تمنعها من تطوير علاقتها بإيران، أهمها تنافس المصالح الجيوسياسية، فالتقارب أكبر مما ينبغي في النقل والطاقة، قد يقحمها في تطوير ميناء تشابهار الإيراني، ويصبح منافسًا لميناء جوادار الخاص بها، الذي طورته الصين العام الماضي، فأصبح بجانب العديد من الموانئ الباكستانية المنفذ الرئيسي لدول آسيا الوسطى، وهي منطقة تتنافس عليها مع إيران منذ التسعينيات.

الدعم السخي من السعودية لباكستان، يضيق بصورة واضحة نطاق خيارات طهران ويضعها أمام معضلة تاريخية

وترجح بعض القراءات السياسية الأخيرة للتداعيات الجارية في المنطقة، استخدام باكستان بطاقة إيران بطريقة براجماتية عكسية، للحصول على مزيد من التنازلات والمزايا من أمريكا والسعودية والإمارات، ويمكن التدليل على ذلك بزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قبل أسبوع إلى إسلام أباد، والعلاقة الدافئة التي ظهر عليها كلا المسؤولين في البلدين، وتوقيع اتفاقيات استثمار بمبلغ تاريخي بلغ 20 مليار دولار، كمرحلة أولى فقط، في أشارة إلى احتمالية زيادة حجم التعاون بشكل مستمر، وقد يكون ذلك بنص حديث ابن سلمان "كل شهر، أو كل عام"، وهي عبارة فضفاضة، توضح جيدًا ما المطلوب من باكستان، وما الذي يجعها تستفيد من الرياض كل شهر أو كل عام، أو سحب استثمارات المملكة منها، إذا استدعت الظروف.

الدعم السخي من السعودية لباكستان، يضيق بصورة واضحة نطاق خيارات طهران ويضعها أمام معضلة تاريخية، لا تتطلب تطوير العلاقة مع إسلام أباد، ومحاولة الضغط للمشاركة في مشروع "الممر"، بقدر ما يجعلها أمام خيار لا ثانٍ له، تقديم تنازلات تضع المصالح الإيرانية أولاً، والابتعاد عن سياسة الانتقام التي جعلتها تتهم باكستان في توقيت متزامن مع زيارة ولي السعودي لها، بالتورط في الهجوم الذي استهدف الحرس الثوري الإيراني بمدينة زاهدان مؤخرًا، والإلمام بثقافة تحولات توازنات القوى العالمية، وأهمية السعودية والصين في تلك التحولات وخاصة الاقتصادية منها.