أين الجثة؟ تحت هذا العنوان وفي محاولة لتقديم خطوط عريضة ربما تكشف النقاب قليلاً عن مضمون الإجابة عن هذا السؤال بثت الجزيرة مساء الأحد تحقيقًا استقصائيًا كشفت فيه تفاصيل جديدة تنشر لأول مرة بشأن عملية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في تركيا أكتوبر/تشرين الماضي.

التحقيق الذي جاء ضمن برنامج "ما خفي أعظم" أماط اللثام عن بعض المؤشرات والتفاصيل التي تسعى للكشف عن مكان اختفاء جثة خاشقجي التي تشير معظم الآراء إلى أنها قطعت وألقي بها في أكثر من مكان في محاولة لإخفاء معالمها كافة، خاصة أنها الدليل الأكثر حسمًا لتقديم الضالعين فيها للعدالة.

كشف التحقيق عن ملامح أول اتصال تم بين السلطات التركية والرياض عقب وقوع الجريمة، الذي كان بين مدير المخابرات التركية هاكان فيدان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث طالب فيدان الأمير ابن سلمان بضرورة كشف حقيقة وضع خاشقجي، لكن الأمير لم يستجب للمطالب التركية واعتبرها "تهديدًا غير مقبول".

تفاصيل جديدة

وصل فريق الاغتيال المؤلف من 15 سعوديًا، إلى إسطنبول على 3 دفعات، في الأول والثاني من أكتوبر الماضي، توزعوا على مجموعتين، الأولى نزلت في فندوق موفنبيك في منطقة قريبة من مقر القنصلية بينما الثانية إلى فندق ويندهام في حي مجاور، وفي موفنبيك أقام ماهر المطرب (أحد حراس ولي العهد السعودي) قائد الفريق، وصلاح الطبيقي (طبيب شرعي في الأمن العام السعودي) المتهم بتقطيع الجثة، ليلة واحدة قضاها في الفندق قبل مغادرته قبل انتهاء مدة الحجز.

أورد البرنامج تفاصيل جديدة بشأن مكان اختفاء الجثة، وفق شهادات من بعض المسؤولين المقربين من دوائر التحقيقات التركية، فبحسب متين إرسوز، المسؤول السابق في الاستخبارات التركية الذي عمل فترة زمنية طويلة بالسعودية، فإن هناك احتمال أن يكون فريق الاغتيال السعودي أخذ جثة خاشقجي عبر عدد من الحقائب الدبلوماسية، ولكن الإجراءات اللازمة لنقل هذه الحقائب لم تتم في القنصلية، وربما أنهوها بشكل غير قانوني.

السلطات التركية رصدت اشتعال الفرن على مدار ثلاثة أيام إثر إدخال الحقائب التي نُقلت فيها أجزاء جثة خاشقجي إلى منزل القنصل السعودي، بعد أن قطّعها فريق الاغتيال داخل مبنى القنصلية حيث جرت عملية القتل

وكان التحقيق قد بث مقطعًا مرئيًا لسيارة دبلوماسية سعودية اقتربت بشدة من مكان الطائرة السعودية التي تقل فريق الاغتيال، ورجح  إرسوز رؤيته في شهادته مضيفًا "لأن اقتراب السيارة السوداء (دبلوماسية سعودية) من الطائرة التي تقل فريق الاغتيال السعودي في المطار التركي يجعلنا نشتبه في هذا الأمر"، وتابع: "لكن لم يتم العثور على أي دليل يثبت قطع الرأس وأخده معهم".

المسؤول السابق في الاستخبارات التركية والمطلع على بعض تفاصيل التحقيق أشار إلى أن ماهر مطرب هو الشخص المفلت للأنظار في الجريمة من بدايتها، فهو الذي أدار العملية من الألف إلى الياء ونفذ الأوامر الصادرة له، لافتًا إلى أنه مصدر المعلومات الرئيسي في القضية.

أما عبد الرحمن شمشك مدير وحدة التحقيقات في صحيفة صباح التركية، فكشف أن الشخص الذي ساعد الفريق في تحقيق مهمته أحمد عبد الله المزيني الذي يعمل مسؤول الاستخبارات السعودية في إسطنبول منذ 2015، فقد أتى إلى إسطنبول بتاريخ الأول من أكتوبر الماضي نحو الساعة الرابعة عصرًا واتجه إلى القنصلية فورًا، وبعدها اتجه إلى غابات بلغراد وأجرى مقابلة سرية ومن ثم عاد إلى القنصلية مرة أخرى.

وبحسب التحقيقات فإن المزيني جاء بتفاصيل الخطة كاملة بعد لقائه بأحمد عسيري في الرياض ليبلغ القنصل السعودي في تركيا محمد العتيبي بكل المعلومات الخاصة بتنفيذ الجريمة، ثم التقى بعدها بفريق العمل ليشرح لكل واحد منهم دوره المحدد.

صور للفرن المبني بفناء منزل القنصل السعودي في إسطنبول

فرن القنصل

كلمة السر التي كشفها التحقيق تمحورت حول "فرن القنصل"، حيث بثت قناة الجزيرة مشاهد حصرية من فناء منزل القنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي ظهر فيها فرن بني قبل أيام من مقتل جمال خاشقجي وتقطيع جثته ونقلها إلى المنزل، الأمر الذي دفع مقدم البرنامج إلى البحث عن أسباب بناء هذا الفرن في هذا التوقيت.

معد التحقيق تامر المسحال التقى بالعامل الذي بنى الفرن وسجّل شهادته في هذا الخصوص، حيث أفاد بأنه تم بناؤه وفق مواصفات محددة بصورة مباشرة من القنصل السعودي، ومنها أن يكون الفرن كبير العمق، وقادرًا على تحمل حرارة تتجاوز 1000 درجة مئوية، ومهيأ لصهر المعادن، وأن يعمل بالغاز.

تمكن معد البرنامج من الوصول إلى سائق التاكسي الذي أقل مصطفى محمد المدني أحد أعضاء فريقي الاغتيال من منطقة السلطان أحمد إلى فندق موفنبيك القريب من القنصلية السعودية

وأفاد التحقيق بأن السلطات التركية رصدت اشتعال الفرن على مدار ثلاثة أيام إثر إدخال الحقائب التي نُقلت فيها أجزاء جثة خاشقجي إلى منزل القنصل السعودي، بعد أن قطّعها فريق الاغتيال داخل مبنى القنصلية حيث جرت عملية القتل، كما كشفت شراء سلطات القنصلية لما يقرب من 45 كيلوغرام من اللحم للتغطية على عملية حرق أجزاء من الجثة في الفرن، كما عثر فريق البحث الجنائي التركي على آثار دماء خاشقجي على جدران مكتب القنصل السعودي رغم طلائها بعد الجريمة. 

كما تمكن معد البرنامج من الوصول إلى سائق التاكسي الذي أقل مصطفى محمد المدني أحد أعضاء فريقي الاغتيال من منطقة السلطان أحمد إلى فندق موفنبيك القريب من القنصلية السعودية، الذي قال إن الرجلين اللذين أقلهما كان يضحكان ويتحدثان العربية، وكانا يحملان كيساً بدا أنه كيس ملابس.

سرد التحقيق قصة اختفاء خاشقجي كاملة، منذ بداية زياراته للقنصلية في 28 من سبتمبر/أيلول 2018 لإتمام وثائق زواجه من خطيبته التركية خديجة جنكيز، وحتى لحظة التأكد من اختفائه يوم 2 من أكتوبر/تشرين الأول، وما تلا ذلك من تداعيات وتطورات، وصولاً إلى المرحلة الحاليّة.