96 عامًا مروا على توقيع اتفاقية المبادلة بين الحركة الوطنية التركية واليونان، بعد أربع سنوات من القتال استطاعت خلالها الحركة الوطنية التركية تحرير هضبة الأناضول من الغزاة الأجانب، أدت الاتفاقية إلى أكبر عملية تهجير سكاني شهدتها الأناضول، حيث نزح أكثر من مليوني مسيحي يوناني مما أصبح يعرف بالجمهورية التركية إلى اليونان، وأكثر من نصف مليون مسلم من اليونان إلى تركيا.

نصت المادة الثانية في الاتفاقية على استثناء اليونانيين الروم من سكان مدينة إسطنبول من التهجير، وذلك للوضعية التاريخية لهذه الفئة التي أصبحت جزءًا من مواطني الجمهورية التركية، بدأ جنرالات وأبطال حرب الاستقلال رحلة بناء الجمهورية على فسيفساء الأناضول الفسيح، التي أرادت الجمهورية الناشئة أن تجعل منه فضاءً لدولة قومية للأمة التركية، متغاضية عن التنوع الإثني والديني الذي وسم هذه البقعة من العالم.

أعادت الجمهورية تقديم وتشكيل القومية التركية التي اتُخذ الإسلام فيها حجرًا أساسًا، فكل من هو مسلم عرف بكونه تركيًا في حين تم التعامل مع المسيحيين الذين مكثوا في البلاد كأجانب ودخلاء على مجتمع الجمهورية الناشئ

بدأت الجمهورية الناشئة بعملية واسعة لهندسة وإعادة إنتاج مجتمع الأناضول، كمجتمع يتخد من الحداثة الغربية نموذجًا يحتذى به، إذ بدأت بإقرار سلسلة من الإجراءات والقوانين التي أعادت تشكيل الفضاء العام والخاص لمجتمع الأناضول، فظهرت قوانين مثل قانون القبعة والأبجدية وقوانين الأحوال الشخصية وصولًا لقانون الألقاب والكنى وغيره من القوانين التي فرضت نمطًا جديدًا من المعاش على سكان الجمهورية.

وبموازة ذلك أعادت الجمهورية تقديم وتشكيل القومية التركية التي اتُخذ الإسلام فيها حجرًا أساسًا، فكل من هو مسلم عرف بكونه تركيًا في حين تم التعامل مع المسيحيين الذين مكثوا في البلاد كأجانب ودخلاء على مجتمع الجمهورية الناشئ، في هذا السياق من الأحداث التاريخية، جاءت ضريبة الثروة أو رأس المال المقرة من البرلمان التركي في نوفمبر 1942 وما تبعها من أحداث، كإجراء يهدف إلى التعامل مع من بقي من الأقليات غير المسلمة في الجمهورية التركية، التي تمركزت في المدن الرئيسية وامتلكت نفوذًا على الأنشطة التجارية والصناعية في الجمهورية الناشئة.

مانشيت صحفي يعلن قبول ضريبة الثروة

أقليات وحرب وأزمة

قامت الدولة العثمانية على تقسيم وظيفي عام على مستوى الملل المكونة للدولة، ففي حين تركز الوجود المسلم في الجيش والسياسة والإدارة، اضطلعت الفئات غير المسلمة في الدولة العثمانية بمهام التجارة والأعمال.

ومع قيام الجمهورية التركية، شكلت الأقليات غير المسلمة أقل من 2% من السكان، إلا أنها امتلكت 18% من الاقتصاد التركي وخاصة قطاعات الصناعة والتجارة، إذ سكن في ذلك الوقت ما يقرب من 75% من المجتمع التركي في الريف، بينما سكنت النسبة المتبقية في المدن حيث مركز الأعمال والصناعة الناشئة، مما يعني أن قطاعي التجارة والأعمال التركيين كانا يخضعان لنفوذ هذه الأقليات التي تستوطن المدن.

لم يتوافق هذا الواقع مع منطق الجمهورية الناشئة القائمة على فكرة الدولة القومية والأمة الواحدة والسيادة وعلى نهج الدولاتية الذي فرض الدولة كموجه ومسيطر على المساحات العامة كافة، إذ تبنت هذه الدولة اتجاهًا هوياتيًا محددًا، الأمر الذي جعل هذه الفئات في مرمى الجمهورية، لم يكد يمضي على تأسيس الجمهورية 16 عامًا، حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية التي راقبتها الجمهورية متبعة سياسة اتسمت بالحياد تجاه أطرافها.

سلطت الصحافة التركية سهامها على الأقليات غير المسلمة وجعلت منها هدفًا لهجومها، ووصفتها بالجشع واللصوصية وممارسة الأعمال السوداء

فويلات الحرب العالمية الأولى كانت ما زالت حاضرة ومؤثرة على الجمهورية الحديثة التي ورثت ديون وتعويضات الدولة العثمانية المنحلة، ورغم ذلك فإن سواحل الجمهورية الناشئة لم تسلم من أمواج حروب الأمم الأخرى، إذ تعرض الاقتصاد التركي لأزمة خانقة تمثلت في ارتفاع مستوى الأسعار، ووصل ارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى ما يقرب من 500%، بالإضافة إلى انتشار المضاربات بالسلع وأعمال الاحتكار.

الأمر الذي وضع حكومة خليفة أتاتورك، عصمت باشا، في ضائقة حقيقية، وتزامن ذلك مع تخوف تركي حقيقي من الانجرار إلى مستنقع الحرب مرة أخرى، ما فرض عليها رفع الجاهزية العسكرية والتزود بالأسلحة لجيش وصل عدده إلى مليون وسبعمئة ألف مقاتل في ذلك الوقت، وفي ظل هذه الأوضاع، سلطت الصحافة التركية سهامها على الأقليات غير المسلمة وجعلت منها هدفًا لهجومها، ووصفتها بالجشع واللصوصية وممارسة الأعمال السوداء، فكان من المألوف أن تصوّر الصحافة التاجر غير المسلم كشخص جشع ذي بطن عظيمة يستغل الفقراء، ما أنتج رأيًا عامًا تجاه هذه الأقليات يحمّلها عبء الأزمة الاقتصادية في البلاد.

ضريبة الثروة.. 18 مادة ولا نسبة واضحة

ما إن تولى وزير الخارجية الأسبق شكري ساراج أوغلو رئاسة الحكومة بعد الوفاة المفاجئة التي لحقت برئيس الوزراء رفيق صيدم في يوليو/تموز عام 1942، حتى وضع على رأس أولوياته إقرار وإنفاذ قانون ضريبة الثروة، وبعد أربعة أشهر من تشكل الوزارة، أقر البرلمان التركي القانون بأغلبية 350 نائبًا، فيما عارض القانون عشرات النواب وعلى رأسهم جاء جلال بايار أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي ورئيس الجمهورية في الفترة من 1950 حتى 1960.

خططت الحكومة التركية لجمع مبلغ 500 مليون ليرة تركية من خلال ضريبة الثروة، حيث سوقت المؤسسة الرسمية للقانون باعتباره إجراءً اتخذته الدولة لمواجهة الممارسات غير الشرعية في الأسوق

.تكون القانون من 18 مادة، أُقرت فيها ضريبة تدفع لمرة واحدة على ملاك الأراضي الكبيرة، والعقارات والأراضي ذات القيمة، بالإضافة إلى أصحاب المهن التجارية ورؤس الأموال، ولم يحدد القانون النسبة أو المقدار الواجب دفعه بل ترك ذلك للجان تشكل في المدن والقرى تقوم بتحديد المبالغ الواجب دفعها، وأكد القانون في مادته الثانية عشرة ضرورة دفع المقدار المطلوب خلال 15 يومًا من تاريخ إعلانه، وفي حال تخلف المكلف عن دفع الضريبة، تحجز أملاكه وتسدد بقيمتها الديون المستحقة، وفي حال عدم كفاية هذه الأملاك يتم فرض فائدة بمقدار 1% في الأسبوع الأول، و2% في الأسبوع الثاني، وفي حال مضى شهر ولم تسدد الضريبة يتم اعتقال المكلف وإجباره على العمل للصالح العام لحين سداد ديونه.

بيع أملاك المتخلفين عن الضريبة

الأقليات في مرمى القانون

خططت الحكومة التركية لجمع مبلغ 500 مليون ليرة تركية من خلال ضريبة الثروة، حيث سوقت المؤسسة الرسمية للقانون باعتباره إجراءً اتخدته الدولة لمواجهة الممارسات غير الشرعية في الأسوق، وأعلنت إسهامه في إعداد الجيش التركي لمواجهة التحديات التي فرضتها الحرب، لكن ذلك لم يخف حقيقة أن هذا القانون صمم لاستهداف الأقليات في الجمهورية والقيام بعملية إعادة توزيع واسعة للاقتصاد التركي، وما إن تولي رئيس الوزراء شكري ساراج أوغلو الوزارة حتى صرح قائلًا: "نحن أتراك وسوف نبقى دائمًا هكذا.. هذا ليس قانونًا عاديًا بل هو قانون ثوري سيمنحنا اقتصادًا مستقلًا، وبفضل هذا القانون سنزيح الأقليات عن الاقتصاد ونمنح الاقتصاد التركي للأتراك".

رئيس الوزراء التركي شكري ساراج أغلو

وما إن أقر القانون حتى أصدرت وزارة المالية التركية تعميمًا سريًا للجان تقدير الضريبة صنفت بموجبه الفئات المكلفة بالدفع إلى أربع فئات أساسية، يتم التعامل مع كل فئة منها بصورة مختلفة، وجاءت هذه الفئات كالتالي: الفئة الأولى: المسلمون ورمزت إليهم بالرمزM (Müslümanlar) ، والفئة الثانية: غير المسلمين ورمزت إليهم بالرمز G (gayrimüslimler)  والفئة الثالثة: يهود الدونمة بالرمز D (dönmeler)  والفئة الرابعة: الأجانب ورمزت إليهم بالرمز(E(ecnebiler.

بعد سنة كاملة أمضاها المتخلفون عن دفع المستحقات في معسكرات التشغيل، بدأت الصحافة الأجنبية في تغطية الأحداث في تركيا

وتركزت الضرائب على الفئات غير المسلمة التي تحمل العبء الأكبر من الضريبة، ولم يقتصر العمل في اللجان على الفنين الحكوميين بل تدخلت تشكيلات الأمن والمخابرات في المناطق، بالإضافة لأعضاء حزب الشعب الجمهوري الذين شكلوا مجتمعين خلية عمل مشتركة، فشُكلت ثلاث لجان تقدير في مدينة إسطنبول وحدها، حيث تركز 70% من المكلفين ضريبيًا فيها، وجمع منهم 221.317 مليون ليرة من أصل 317.3 مليون ليرة جمعت من عموم البلاد، وشهدت أحياء مثل بيه أوغلو ومحيطها، تغييرات واسعة على مستوى ملكية العقارات، إذ انتقل %87 من العقارات المباعة إلى أيادي مسلمة، في حين انتقل الباقي إلى مؤسسات وهيئات رسمية.

لمدة سنة ونصف دفعت الأقليات غير المسلمة ما يقرب من 71% من العبء الضريبي المقرر عليها، لكن مأساة هذه الفئات لم تتوقف هنا، فقد أرسل أكثر من 2000 شخص ممن لم يستطيعوا دفع القيمة المفروضة إلى معسكرات تشغيل عامة (أرسل من مدينة إسطنبول وحدها أكثر من ألف شخص) حيث عملوا في محاجر مدينة إسكيشهير وشقوا الطرق في مدينة أرضروم التي جمع فيها أكثر من ألف شخص في معسكرات إشكاليه، توفي فيها لاحقًا 21 شخصًا نتيجة ظروف العمل الصعبة وشتاء الأناضول القارص.

مجموعة من المتخلفين عن الدفع في أثناء سوقهم إلى معسكرات التشغيل في إشكاليه

عام ونصف من الضريبة

بعد سنة كاملة أمضاها المتخلفون عن دفع المستحقات في معسكرات التشغيل، بدأت الصحافة الأجنبية في تغطية الأحداث في تركيا، وقام الكاتب سايروس ليو سولزبيرجر بكتابة سلسلة تقارير لصحيفة نيويورك تايمز تناول فيها ما يجري في معسكرات التشغيل، لتبدأ الضغوط على الحكومة التركية لإغلاق معسكرات التشغيل، فخشيت الحكومة التركية التي بدأت في ذلك الوقت بالتقارب مع الحلفاء من ربط اسم تركيا بجرائم النازية ومعسكرات الاعتقال التي أنشأتها.

وقبيل مشاركة رئيس الجمهورية عصمت إينونو في قمة القاهرة ديسمبر عام 1943، التي تناولت مستقبل الدور التركي في الحرب العالمية الثانية، وشارك فيها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، أمر إينونو بإطلاق سراح المعتقلين ومحو ديونهم المتراكمة، وفي مارس 1944 أصدر البرلمان التركي قانونًا رفعت بموجه هذه الضريبة من الدستور التركي، لكن آثار هذه الضريبة ظلت حاضرة في وعي هذه الأقليات التي بدأت بالنزوح والخروج من البلاد، وانخفضت نسبتها من 1.98% في تعداد 1935 إلى 1.5% في تعداد 1945 لتصل إلى ما يقرب من 1% عام 1955، وفي هذه السنة حصلت أسوأ أحداث عنف تجاه الأقليات في تركيا.

 منذ قدوم حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002، خطت البلاد خطوات جريئة في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان والأقليات، كما أصبح من الطبيعي أن يتم تناول الكثير من المسائل التاريخية خارج الرواية الرسمية للدولة

تناولت السينما التركية هذه الأحداث من خلال فيلم "لآلئ السيدة سالكيم" المنتج عام 1999، المقتبس من رواية للكاتب يلماز كاركوينلو، عضو البرلمان التركي السابق عن حزب الوطن الأم، ورشح الفيلم لجائزة الأوسكار في قائمة الأفلام الأجنبية، كما حصلت الرواية على عدد من الجوائز داخل تركيا.

الاعتذار والتصالح مع الذات

 منذ قدوم حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002، خطت البلاد خطوات جريئة في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان والأقليات، كما أصبح من الطبيعي أن يتم تناول الكثير من المسائل التاريخية خارج الرواية الرسمية للدولة، بل والإقرار بالانتهاكات التي ارتكبت، فخلال اجتماع للكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في نوفمبر 2011، قدم رئيس الوزراء التركي في حينها، رجب طيب أردوغان، اعتذارًا باسم الدولة التركية على ما جرى في مدينة ديرسيم في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تعرض الآلاف للقتل والاعتقال خلال عمليات قمع التمرد الكردي في المدينة.

وفي موازاة تصريح رئيس الوزارء أردوغان واعتذاره، نظم رجل الأعمال اليهود التركي إسحاق ألتون برفقة عدد من الشخصيات العامة مؤتمرًا صحفيًا في محطة حيدر باشا للقطارات، واختار لهذا المؤتمر توقيتًا مثيرًا جاء في الساعة الحادية عشر من اليوم الحادي عشر في الشهر الحادي عشر من العام ألفين وإحدى عشر، إحياءً للذكرى التاسعة والستين لإرسال المتخلفين عن دفع ضريبة الثروة إلى معسكرات التشغيل، ومن هناك، طالب ألتون حزب الشعب الجمهوري بالاعتذار عن القانون وما رافقه من إجراءات وتبعات طالت والده الذي لم تشفع له عضويته في حزب الشعب الجمهوري آنذاك، حيث تعرض للإفلاس وأُرسل كما أقرانه إلى معسكرات التشغيل.

ألتون الابن أكد خلال اللقاء أن الهدف من هذه الدعوة ليس الحصول على تعويضات مادية بقدر ما هو دعوة للتصالح الذاتي مع محطات مفصلية من تاريخ شعب الجمهورية.