في مطلع فبراير الماضي أصدر مجلس النواب المصري، بيانًا أوضح فيه سبب التعديلات الدستورية التي قُدمت لرئيسه علي عبد العال، وفي البيان، قال المجلس إن اللجنة العامة اجتمعت بعد طلب مقدم من أكثر من خُمس عدد أعضاء المجلس بشأن تعديل بعض مواد الدستور، هذه التعديلات من المحتمل أن تمر مرورًا سهلًا، رغم المحاولات الفردية التي تقوم بها بعض المجموعات السياسية لرفض هذه التعديلات.

كواحد من كثيرين، اشتبكت مع السياسة منذ اندلاع ثورة يناير، رغم أنني تابعتها قبل ذلك، فانخراط أبي كعضو في جماعة الإخوان المسلمين جعلني على إطلاع دائم بما يحدث على الساحة السياسية في عهد مبارك، أتذكر قليلًا انتخابات المحليات عام 2008، ونقاشات استقلال القضاء، وأتذكر جيدًا انتخابات البرلمان عام 2010 والتزوير الذي جرى ثم محاولات إنشاء برلمان موازٍ يجمع المعارضة، وعشرات الساعات التليفزيونية التي كانت تملأها قناة الجزيرة وغيرها للنقاش بشأن الحالة السياسية في مصر، لكنني لم أكن مهتمًّا كثيرًا بدستور عام 2014، خصوصًا أنه دستور كُتب في أعقاب انقلاب عسكري، عطّل دستور البلاد الذي كُتب بعد ثورتها، وسجن الرئيس المنتخب، حينها كان لدي هَم أكبر من دستور يُكتب على دماء المصريين، وعلى حساب حرية الآلاف منهم، كنت في ذلك التوقيت لديَّ همٌّ مختلف بعض الشيء، كنت أحاول التعافي مما جرى منذ الـ26 من يونيو 2013 وحتى حينها.

منذ 2014 إلى اليوم، يورّط النظام نفسه في قضايا من السهل أن يُضرَب بسهامها، لكن لا أحد مستعد لتحمل المسؤولية في إيجاد خريطة طريق لمعارضة هذا النظام

بمجرد إعلان التعديلات التي تشمل وضع كل السلطات - تقريبًا - في يد الرئيس، بالإضافة إلى زيادة مدد الرئاسة وسنوات كل مدة، ما يجعلنا أمام سيناريو السيسي/ البشير/ القذافي/ وبالطبع مبارك، قرأت المواد القديمة لدستور 2014، أدركت أنه رغم اعتراضنا على الظروف التي كانت موجودة في ذلك الوقت، فإنها كانت فرصة معارضة واشتباك مع النظام يمكن البناء عليها على المدى الطويل.

طالعت الدستور القديم وطرأ في رأسي سؤال: ماذا لو فطنت المعارضة المصرية لمعركة الدستور منذ كتابته؟ السيسي كان سيحكم بالتأكيد، لكنها مدتين بمجموع ثماني سنوات، ماذا لو كانت المعارضة قد خططت واشتغلت على مدار السنوات الماضية لهذه المعركة المفصلية؟ ربما كانت النتائج ستكون مختلفة تمامًا.

لطالما كانت لدي رغبة في الانحياز للحراك السياسي أكثر من أي شيء آخر، بذلك طالبتُ جماعة الإخوان المسلمين بصفتها الفصيل المعارض الأبرز، وبصفتها الذريعة الأهم للنظام لسحق أي محاولة معارضة وبصفتها حُجة النظام الكبرى في قمع كل وأي مُعارض، طالبتهم عام 2015 بالتنحي سياسيًّا عن المشهد وتجميد أنشطتهم علَّ ذلك يفتح الباب أم النظام بقبول هزيمة الجماعة ووقف أو تعطيل آلة قمعه العسكرية، لكن النظام نفسه لا يُريد أن يفتح الباب أبدًا أمام أي تنفس، فلسنا أمام السادات ولا حتى مُبارك، نحن أمام نظام يمنع أي شيء ويصادر كل شيء.

فوتت المعارضة على نفسها عشرات الجولات أمام هذا النظام، باستهلاك نفس النغمات والأسلوب، دون التنقيب عن الظهير الشعبي ودون الاستناد على الشعب كركيزة أساسية في معركتها أمام النظام

منذ 2014 إلى اليوم، يورّط النظام نفسه في قضايا من السهل أن يُضرَب بسهامها، لكن لا أحد مستعد لتحمل المسؤولية، في إيجاد خريطة طريق لمعارضة هذا النظام، في إطارٍ جامع، وبعيدًا عن الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان التي لا تَشغل عامة الشعب كثيرًا، فإن غلاء الأسعار وقرض صندوق الدولي وبيع تيران وصنافير وقناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة ومسجد الفتاح العليم وأكبر كنيسة في الشرق الأوسط وطائرات الرافال وتجديد أسطول طائرات الرئاسة وإنفاق قوت الشعب وماله ومدخراته على البروباغندا، كل ذلك لم تستغله المعارضة بشكلٍ يضع النظام في صورته الحقيقية.

ركّزت المعارضة منذ انقلاب يوليو 2013 وحتى اليوم، على القمع السياسي للمعارضين والإخفاء القسري والسجن والسحل، وفقط، وهذه قضايا مهمة بالتأكيد، فحقوق الإنسان دومًا مُقدمة، لكن المعركة السياسية مع النظام يجب أن يتم خوضها على كل الأصعدة، وليس انتهاكات حقوق الإنسان فقط.

فوتت المعارضة على نفسها عشرات الجولات أمام هذا النظام، باستهلاك نفس النغمات والأسلوب، دون التنقيب عن الظهير الشعبي ودون الاستناد على الشعب كركيزة أساسية في معركتها أمام النظام، فبكل أمانة، لن يهتم المواطن بكُل تأكيد إن كان هناك إخفاء قسري أم لا، هو لا يعلم أصلًا ما الإخفاء القسري! فلماذا التصميم على إقحام الناس في معارك ليست معاركهم، معركتهم هي الأكل والشُرب والحياة، فلنتجه لهم فيها.

فوتت المعارضة كل هذا، على مدار سنوات، لكن بتفويت هذه المعركة أيضًا، فلن يكون هناك جولات أخرى أمام النظام في القريب المنظور، لذلك تكمن أهمية خوض هذه المعركة في هذا التوقيت، علّها تُثمر عن حراكٍ سياسي يُجبر النظام على الإقرار بالرفض العام له ولممثليه، كما أن خوض هذه المساحة، يملأ فراغًا يمكن البناء عليه فيما بعد، كعادة أي صراعٍ سياسي تكمن أهميته في التدافع والتراكمية.

قبل أسبوع، وبعد كارثة تحطم قطار محطة مصر التي راح ضحيتها عشرات المواطنين، دفعَ اليأس بعض الشباب من جيل ما بعد الثورة إلى الدعوة إلى تظاهرات مطلع مارس الحاليّ، هذه الدعوات لم تأخذ صداها، لا على صفحات الإنترنت أو المواقع الإخبارية لكن حملة الاعتقال التي تعرض لها هؤلاء الشباب وضعتها ضمن قائمة النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه المجموعات رغم عدم تكوينها داخل كيانٍ واحد أو تحت مظلةٍ واحدة، فإنها تحركت بفعل القمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعب

فور انتشار الأخبار وجدنا أنفسنا أمام تحرك قام به شباب أغلبهم لا تتجاوز أعمارهم العشرين عامًا، وهو الجيل الذي تشكّل وعيه في أعقاب ثورة يناير، ثم عاش انتكاستها مع عودة العسكر بأدواتهم القمعية، ليعيشوا تجربةً أسوأ من أيام مبارك، ويروا كل يوم كوارث هذا النظام، ومع تطور التكنولوجيا وتطور سرعة تناقل الأخبار وأيضًا اتساع رقعة التعبير الإلكتروني، تشكّل وعي هذا الجيل الذي أصبح يشاهد على الهواء مباشرةً الأحداث، دون الحاجة لوسائط التلفزة أو البث، بل أضحت رقعة الاشتباك مع كل الموضوعات أوسع بكثير من مساحة الاشتباك التي كانت متوفرة في أثناء فترة حكم مبارك، إذ بإمكان هذا الجيل اليوم، قراءة عشرات المقالات والتقارير والبيانات والأرقام كل يوم، وهو ما لم يكن متوفرًا قبل ذلك.

هذه المجموعات رغم عدم تكوينها داخل كيانٍ واحد أو تحت مظلةٍ واحدة، فإنها تحركت بفعل القمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعب، ربما لم تكن لهم مطالب رنّانة كتلك التي يرددها الساسة في الفضائيات، لكن حركهم شعور الرفض لهذا النظام، لذلك فمن الواجب الوطني مشاطرة هؤلاء هذا الرفض، حتى إن كان بالعودة للصندوق الانتخابي.