في الـ10 من مارس/آذار من كل عام تحتفل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) والدول العربية الأعضاء باليوم العربي للمكتبات، إدراكًا منها بأن هذا اليوم يمثل فرصة مواتية لإيقاظ الوعي وإحياء الفكر والتراث العربيين.

تراجع القراءة في العالم العربي

تشير الإحصاءات الخاصة بمعدلات القراءة في الوطن العربي إلى تدهور الواقع الثقافي الذي تواجهه الدول العربية، خاصة إذا قورنت تلك الإحصاءات بمثيلاتها في الدول الغربية والدول المتقدمة في جنوب شرق آسيا، إذ يشير تقرير التنمية البشرية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي عام 2011، إلى أن المواطن العرب يقرأ ما معدله 6 دقائق سنويًا، في الوقت الذي يقرأ فيه المواطن الأوروبي ما معدله 200 ساعة سنويًا.

إلا أن دراسة أجرتها شركة "سينوفات" المتعددة الجنسيات لأبحاث السوق عام 2008، بينت أن معدلات القراءة أعلى بكثير من تلك التي أشرنا إليها، فالدراسات التي أظهرت التراجع الكبير للقراءة في العالم العربي لم تحتسب سوى قراءة الكتب الثقافية، في الوقت الذي تغاضت فيه عن قراءة الصحف والمجلات والكتب الدراسية وملفات العمل والتقارير وكتب التسلية والإنترنت.

تراجع القراءة في العراق

وفيما يخص العراق، يقول الكتبي ومدير مكتبة آشور عمر السالم في حديثه لـ "نون بوست" إنه لا توجد إحصاءات معتمدة لنسبة القراءة في العراق، إلا أن أرقامًا تقريبية تكشف أن عدد القراء للكتب الثقافية لا يتعدى الـ5% من مجموع من يجيدون القراءة والكتابة في البلاد، في الوقت الذي توجد فيه قرابة 50 دار نشر في عموم المحافظات العراقية. 

أسباب عديدة تعزى إلى تراجع القراءة في العراق، إذ يقول أستاذ اللغة العربية محمد عبد في حديثه لـ"نون بوست" إن العراق شهد تدهورًا كبيرًا في العقدين الماضيين نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية السيئة ومنافسة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية للقراءة

وعن أسباب تراجع القراءة في العراق في العقود الماضية، أكد سالم أن العولمة كانت أحد أسباب تراجع العراق في مستويات القراءة من خلال الاستغلال السيء للتكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي التي أثرت سلبًا على القراءة الثقافية بصورة عامة، إضافة إلى ما مرت به البلاد من نكبات وحروب وتدهور اقتصادي، بحسبه. 

أسباب تراجع القراءة في العراق

أسباب عديدة تعزى إلى تراجع القراءة في العراق، إذ يقول أستاذ اللغة العربية محمد عبد في حديثه لـ"نون بوست" إن العراق شهد تدهورًا كبيرًا في العقدين الماضيين نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية السيئة ومنافسة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية للقراءة. 

وأشار عبد إلى أن الجيل الناشئ يشهد عزوفًا كبيرًا عن الكتاب والقراءة، حتى إنه بات يمكن للمتابع أن يرى الآلاف من الشباب العربي والعراقي ممن لم يكملوا قراءة كتاب ثقافي واحد في حياتهم، خارج نطاق دراستهم.

تراجع نسبة القراءة في العراق، يرافقها ارتفاع كبير في نسبة الأمية في البلاد، إذ أعلنت مفوضية حقوق الإنسان العراقية أن 8 ملايين مواطن عراقي أغلبهم من الشباب لا يجيدون القراءة والكتابة

وعن تراجع القراءة في العالم العربي عامة والعراق على وجه الخصوص، أضاف عبد أن العالم العربي شهد تراجعًا كبيرًا في معدلات القراءة منذ ظهور الإنترنت والقنوات الفضائية، وهو الأمر الذي أدى إلى توجه الشباب نحوهما، بعد أن كانوا يقضون أوقات فراغهم في قراءة الروايات والقصص وغيرها من المطبوعات الثقافية والفكرية.

ولفت عبد في حديثه لـ"نون بوست" إلى أن الأسرة افتقدت في السنوات الماضية دورها التربوي في المجتمع العراقي فيما يخص بث الوعي والثقافة بين أبناء الأسرة الواحدة، فجميع أفراد الأسرة يلهون بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتكاد الأسرة تعيش في حالة عزلة بين أفرادها، بحسبه.

وعلى الرغم من توافر المكتبات العامة والجامعية في جميع المحافظات العراقية، إلا أنه يؤكد أن غالبية الكتب والمطبوعات في المكتبات العراقية الحكومية والجامعية قديمة، ولا توفر سوى المصادر العلمية والكتب الأدبية التي تعد مراجعًا لبحوث تخرج طلاب الدراسات العليا. 

أرقام مفزعة وبطء المعالجة

تراجع نسبة القراءة في العراق، يرافقها ارتفاع كبير في نسبة الأمية في البلاد، إذ أعلنت مفوضية حقوق الإنسان العراقية أن 8 ملايين مواطن عراقي أغلبهم من الشباب لا يجيدون القراءة والكتابة، بحسب عضو المفوضية فاتن الحلفي التي أكدت أن 18% من العراقيين لا يجيدون القراءة والكتابة، وأكثر من نصفهم من النساء. 

تشترك الأسرة والمؤسسات التربوية الحكومية والخاصة في إصلاح الواقع الفكري والثقافي في العراق، إذ يتعين على وزارة التربية أن تفرد في مناهجها دروسًا لتشجيع الطلاب على القراءة

وعلى الرغم من إقرار البرلمان العراقي عام 2011 قانون محو الأمية، فإنه لم يلب الطموح في القضاء على تلك الظاهرة الآخذة بالتوسع، بحسب الحلفي، ويبدو أن لا حلول آنية لمعالجة أسباب تراجع القراءة في البلاد، إذ إن قانون التعليم الإلزامي لم يعد معمولاً به، ما يؤدي إلى تسرب آلاف الطلاب من مدارسهم، فضلاً عن ضعف المستوى التدريسي في المدارس العراقية بسبب ما مرت به البلاد من نكبات، ما أدى إلى وجود فجوة كبيرة بين ما متوفر من مدارس وكوادر تدريسية وما يتطلبه قطاع التعليم الأولي في البلاد. 

وتشترك الأسرة والمؤسسات التربوية الحكومية والخاصة في إصلاح الواقع الفكري والثقافي في العراق، إذ يتعين على وزارة التربية أن تفرد في مناهجها دروسًا لتشجيع الطلاب على القراءة من خلال استحداث دروس بحثية بسيطة، تكون فيها الحصة الدراسية عبارة عن انتقاء الطالب كتاب من مجموعة كتب قصصية أو ثقافية بسيطة ترشحها كل مدرسة، يطالب فيها كل تلميذ بقراءته ثم مناقشة ما فهمه من الكتاب أمام زملائه، على أن لا يكون هناك أي التزام للنجاح أو الرسوب على هذه الحصة الدراسية. 

وفي حال اتباع تلك الطريقة، يمكن للطالب أن يظفر بنتيجتين إيجابيتين: أولاهما تشجيعه على القراءة واكتساب المعرفة دون أي التزام بحصوله على الدرجة، ما سيؤدي الى زرع حب القراءة والتعلم في نفوس الطلاب منذ الصغر، وثانيهما تشجيع الطلاب على التحدث أمام زملائهم، الأمر الذي سيسهم في بناء شخصية الطالب ليكون متحدثًا لبقًا أمام الجمهور في المستقبل. 

صحيح أن هذه المهمة ليست بالأمر الهين، لكن مسيرة القراءة والثقافة تستحق أن يبذل كل مجهود من أجلها، وكما يقال "مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة".