الحالة المزاجية للرجال والنساء تتفاعل بنفس الطريقة لتقلّبات الهرمونات لديهم

لطالما وُضعت التغيّرات الهرمونية والمزاجية عند المرأة تحت المجهر، لا سيّما لارتباطها بالعديد من الفترات والحالات المعروفة التي تمرّ بها النساء مثل بداية البلوغ والدورة الشهرية وفترة الإباضة والطمث وسنّ اليأس وانقطاع الدورة الشهريّة والحمل والولادة وغيرها الكثير الكثير. والغريب بالفعل أنّ هذا التركيز على العلاقة ما بين المزاج والنفسية وما بين الهرمونات وكيمياء الدماغ يُرجَع للمرأة دون الرجل، على الرغم من أنّه يمرّ بحالاتٍ مشابهة في كثيرٍ من الأوقات.

في عالم الرجال، لطالما سمعت رجلًا يصف آخر بأنه يعاني من الحيض أو من انقطاع الطمث، أو ربّما قد يكتسب أحدهم سمعةً سيّئة كونه يحمل مزاجًا رقيقًا، أو قد يتّهم غيره بتقلّب المزاج الدائم بشكلٍ غير مفهوم وغير متوقّع، فكيف نفهم هذه الحالات جميعها؟

لنتّفق بدايةً أنّ تقلّبات الحالة المزاجية الهرمونية يمكن أنْ تؤثّر على الرجال بطريقة مماثلة لتلك التي تختبرها المرأة في مرحلة حيضها. وبكلّ تأكيد فنحن لا نتحدّث هنا عن أوجاع البطن وتشنّجات الرحم والآلام الأخرى التي تعاني منها معظم النساء في تلك المرحلة الحرجة، وإنّما نتحدّث عن حالةٍ من تهيّج المزاج وإثارته يشعر بها الرجل دون أنْ يفسّرها أو يفكّر فيما وراءها وما لها وما عليها.

متلازمة الذكور العصبية: أعراض تحاكي فترة الحيض

على نحوٍ مشابه لهرمونات الأنوثة عند المرأة، فإنّ مستويات هرمون الذكورة التستوستيرون تتغير بشكلٍ مستمرعند الرجال في أوقات ومراحل مختلفة؛ فهي ترتفع في ساعات الصباح الباكر وتنخفض مع ساعات المساء، وتنخفض كلّما تقدّم بهم العمر، عوضًا عن أنها أيضًا تختلف من يوم لآخر دون أنْ يكون لها نمطٌ دوريّ منتظم كما هو الأمر عند النساء. وهذه التغيّرات جميعها قد تسبّب أعراضًا شبيهة بأعراض المتلازمة السابقة للحيض (premenstrual syndrome (PMS)، بما في ذلك الاكتئاب والتعب وتقلب المزاج والتوتّر وسرعة الغضب.

متلازمة الذكور العصبية هي حالة من فرط الحساسية والإحباط والقلق والغضب التي تحدث عند الذكور وترتبط مع التغيرات الكيميائية الحيوية والتقلبات الهرمونية والإجهاد وفقدان الهوية

عام 2004، أطلق الطبيب النفسي جيد دايموند مصطلح متلازمة الذكور العصبيّة أو Irritable male syndrome على التغييرات الجسدية والنفسية والاجتماعية والجنسية والروحية التي تحدث عند الرجل مع انخفاض مستويات هرمون الذكورة وهو ما يوحي إلينا أنّ أدمغة الرجال تتفاعل بطريقة مماثلة لأدمغة النساء مع تقلبات وتغيّرات الهرمونات الجنسية.

يمكن تعريف هذه المتلازمة على أنها حالة من فرط الحساسية والإحباط والقلق والغضب التي تحدث عند الذكور وترتبط مع التغيرات الكيميائية الحيوية والتقلبات الهرمونية والإجهاد وفقدان الهوية. ووفقًا لبعض الباحثين في جامعة إدنبره، فإنّ الآثار الناتجة عن التغيّر في مستوى هرمون التستوستيرون لا تقتصر فقط على الوظائف الجنسيّة للرجل وحسب، بل يمكن أنْ تؤدّي إلى انخفاض مستويات الطاقة، ممّا يجعل بعض الرجال مزاجييّن ومكتئبين بشكلٍ متزايد.

تتفاعل أدمغة الرجال بطريقة مماثلة لأدمغة النساء مع تقلبات وتغيّرات الهرمونات الجنسية.

ويؤكّد البحث أنّ الحالة المزاجية للرجال والنساء تتفاعل بنفس الطريقة لتقلّبات الهرمونات لديهم، إلّا أنّ التركيز على الحالة المزاجية الهرمونية لدى النساء شاع بشكلٍ تقليديّ بسبب الدورة الشهرية، والتي عادةً ما تكون مصدر معظم التقلبات. أمّا عن الأسباب التي تؤدّي إلى انخفاض مستوى التستوستيرون فلا تتوقّف على التقدّم بالعمر وحسب، وإنما تحدث أيضًا مع الإجهاد الجسدي والغضب والخلافات الزوجية وشرب الكحول والتغيرات في النظام الغذائي أو الوزن والشعور بالملل وغيرها من الحالات.

سنّ اليأس لا تصل إليه الأنثى لوحدها!

بالرغم من أنّ انخفاض هرمون التستوستيرون قد يحدث في حالات مختلفة وتبعًا للعديد من التجارب الذاتية والشخصية المتنوّعة، إلا أنّه لا يزال أكثر شيوعًا بين الرجال كبار السن. شعبيًّا، يُطلق على هذه الحالة "سنّ اليأس الذكري" أو "الإياس الذكري"، لكنّ المجتمع العلميّ يرى أنّ هذه المصطلحات قد تكون مضلّلة، نظرًا لأنّ الإياس الأنثوي ينطوي على تغيير مفاجئ في مستويات الهرمونات الجنسية بعكس ما يحدث عند الرجال.

يُصاب العديد من الرجال في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينيات من عمرهم بالاكتئاب والقلق والضيق وأزمة الهوية المرتبطة بمنتصف العمر، وهي الأعراض الشبيهة بانقطاع الطمث عند المرأة

إذ يحدث الانخفاض في مستويات التستوستيرون بشكلٍ تدريجيّ ومنتظم كلّما تقدّم الرجل بالعمر. وغالبًا ما يعاني الرجال من انخفاض بنسبة 3% فيه بعد سنّ الأربعين، وبنسبة 20% بعد عمر الستّين. ولهذا فيطلق المجتمع العلميّ مصطلح "القصور المتأخّر للغدد التناسلية Late-onset hypogonadism" على هذه الحالة، وتشمل أعراضها على  انخفاض الرغبة في ممارسة الجنس وضعف الانتصاب وفقدان كتلة العضلات وزيادة الوزن وقلة الطاقة وصعوبة النوم أو التركيز.

من ناحية نفسيّة، يُصاب العديد من الرجال في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينيات من عمرهم بالاكتئاب والقلق والضيق والإجهاد النفسيّ وأزمة الهوية المرتبطة بمنتصف العمر وانخفاض الدافعية والثقة بالنفس، وهي الأعراض الشبيهة بانقطاع الطمث عند المرأة أو المرحلة التي تُعرف شعبيًا باسم "سنّ اليأس". أمّا عن طرق علاج هذا التقلّب المزاجيّ، فيلجأ البعض إلى بدائل التستوستيرون على الرغم من إثارتها للجدل تبعًا لأعراضها الجانبية السلبية مثل خطر الإصابة بالأزمة القلبية والسكتة الدماغية ويساهم في تكوين الجلطات الدموية في الأوردة.

وعلى الرغم من شيوع الحالة وطبيعتها، إلّا أنّ الكثير من المجتمعات بشكلٍ عام والرجال بشكلٍ خاص لا يزالون يفتقدون للوعي اللازم فيما يتعلّق بها، نظرًا لأنّ قصور الغدد التناسلية الذكرية وانخفاض مستويات التستوستيرون يمكن أنْ تؤثّر سلبًا على صورة الرجل في المجتمع وصورته أمام نفسه، تلك الصورة النمطية للذكورة السلبية التي بنتها الثقافات المختلفة على مدى سنين طويلة وركّزت على هرمونات المرأة وتقلّباتها ومزاجاتها وتجاهلت ما يحدث مع الرجل من حالاتٍ شبيهة إلى حدٍ كبير.