خرج أمس الجزائريون إلى الشوارع للتعبير عن فرحهم بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، غير أن هذه الفرحة لم يتقاسمها الجميع، فقد اعتبرها البعض غير كافية ودون سقف المطالب التي رفعت في مسيرات الجمعة الثلاثة، وآخرها مليونية 8 من مارس/آذار الحاليّ، لذلك هم يتجندون لمسيرات جديدة تسمح لهم بافتكاك جميع مطالبهم المشروعة.

وبعد يوم واحد فقط من عودته إلى الجزائر قادمًا من مستشفى جنيف الجامعي الذي قضى فيه أكثر من 10 أيام يخضع لفحوصات طبية، قرر بوتفليقة جملة من الإصلاحات وقدم 7 التزامات تعهد بتنفيذها وهو يأمل أن تخمد فتيل الاحتجاجات المطالبة بتغيير ينقل البلاد إلى مرحلة أحسن دون المرور على الحواجز والأزمات التي تعيشها دول عربية أخرى.

استمرار

وعود بوتفليقة يبدو أنها لم تكن كافية لإقناع الجزائريين بالعدول عن مطالبهم التي رفعوها في الأيام الأخيرة، خاصة أن رسالة الرئيس تعلن التمديد لولايته، وهو الإجراء المرفوض من عدة إطراف ولا يستند لقوانين دستورية.

دعا البعض إلى الخروج الجمعة المقبلة في مسيرات جديدة ترفض فترة انتقالية يقودها بوتفليقة ونظامه، مشددة في هذا الإطار على رفض تمديد العهدة الرئاسية الحاليّة لبوتفليقة

وعبر الجزائريون عن هذا الرفض عبر وسم #ترحلوا_يعني_ترحلوا الذي لا يزال هذه الأيام ضمن قائمة الترند الجزائري، إضافة إلى وسم #لا_لتمديد_العهدة_الرابعة الذي تصدر الترند أيضًا لفترة طويلة.

وأكد عدد من المواطنين الذين خرجوا للشارع في العاصمة الجزائر أين تابع "نون بوست" ردود فعل الجزائريين بعد قرار بوتفليقة عدم ترشحه أن ما خطه رئيس البلاد يعتبر خطوة أولى في انتظار مواصلة النضال لرحيل باقي رجالات نظام بوتفليقة، ودعا البعض إلى الخروج الجمعة المقبلة في مسيرات جديدة ترفض فترة انتقالية يقودها بوتفليقة ونظامه، مشددين في هذا الإطار على رفض تمديد العهدة الرئاسية الحاليّة لبوتفليقة.

وقال المحامي مصطفى بوشاشي الذي يرشح بقوة لتمثيل الحراك الشعبي إن إعلان بوتفليقة عدم الترشح لانتخابات الرئاسة وتأجيل الانتخابات "انتصار جزئي" للشعب الجزائري، وأضاف أن الشعب يطالب بـ"مرحلة انتقالية وحكومة توافق وطني، ولا نريد أن يتم الالتفاف حول رغبة الشعب الجزائري في الذهاب إلى انتخابات حقيقية".

كان ظاهرًا منذ البداية أن قرار التمديد سيقابل بالرفض، بالنظر إلى أنه قد طرح سابقًا من رئيس حزب تجمع أمل الجزائر عمار غول وهو من أبرز المساندين لبوتفليقة، ولقي رفضًا واسعًا ما جعل السلطة تتخلى عنه.

خرق دستوري

بالنسبة لخبيرة القانون الدستوري فتيحة بن عبو، فإن أول قرارات بوتفليقة للخروج من الأزمة هو المرور فوق المواد الدستورية بتأجيل الرئاسيات الذي لا يمكن أن يحدث إلا في حالة واحدة تتعلق بأن تكون البلاد في حرب، وهو ما لا ينطبق على وضع الجزائر الحاليّ.

 بدوره، اعتبر رئيس حزب طلائع الحريات علي بن فليس الذي رفض الترشح للرئاسيات رغم جمعه التوقيعات اللازمة أن تأجيل الانتخابات "قرار غير دستوري"، لأن الهدف منه تمديد فترة حكم بوتفليقة، أما رئيسة حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي زبيدة عسول التي تعد من أبرز أعضاء حركة مواطنة التي كانت أولى القوى الرافضة للعهدة الخامسة، فأكدت عدم رضاها الكامل بما جاء به بوتفليقة من قرارات.

بالنظر إلى ما يتيحه القانون الجزائري، فإن بوتفليقة قام بما هو مستطاع وممكن، فقرار تأجيل الانتخابات يتفق عليه معظم أقطاب المعارضة البارزين حتى إن كان ذلك ليس من حقه

وبالنسبة لزبيدة عسول، فوعود الرئيس الذي يطالبه الشارع بالرحيل ما هي إلا مناورة من السلطة لا ترقى إلى ما كان يطالب به الشعب الداعي إلى تغيير جذري في النظام والذهاب إلى مرحلة انتقالية لا تشرف عليها رموز النظام الحاليّ.

لكن رغم هذا الانتقاد الموجه لقرارات بوتفليقة، فإن المتمعن في الدستور الجزائري يمكن أن يجد مخرجًا دستوريًا في المادة 107 من دستور 2016 المعدل التي تقول: "يقرّر رئيس الجمهوريّة الحالة الاستثنائيّة إذا كانت البلاد مهدّدة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها الدستورية أو استقلالها أو سلامة ترابها، ولا يتخذ مثل هذا الإجراء إلا بعد استشارة رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس المجلس الدستوري، والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن ومجلس الوزراء".

وجاء في المادة ذاتها "تخول الحالة الاستثنائية رئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات الاستثنائية التي تستوجبها المحافظة على استقلال الأمة والمؤسسات الدستورية في الجمهورية، ويجتمع البرلمان وجوبًا، وتنتهي الحالة الاستثنائية، حسب الأشكال والإجراءات السالفة الذكر التي أوجبَت إعلانها".

ورطة

لكن بالنظر إلى ما يتيحه القانون الجزائري، فإن بوتفليقة قام بما هو مستطاع وممكن، فقرار تأجيل الانتخابات يتفق عليه معظم أقطاب المعارضة البارزين حتى إن كان ذلك ليس من حقه، فانسحابه من سباق الرئاسيات لا يعني تأجيلها بالنظر إلى وجود مرشحين آخرين.

اتفق الجميع على أن عدم تأجيل الانتخابات مع انسحاب بوتفليقة سيسمح لصندوق الاقتراع بخروج رئيس لا يكون في مستوى الحراك الشعبي

كما يبدو تطبيق المادة 102 من الدستور في الظرف الحاليّ صعبًا، وهي التي تنص على إعلان حالة الشغور في منصب الرئيس بسبب وضعه الصحي وتعيين مكانه رئيس مجلس الأمة الذي يعلن إجراء انتخابات مسبقة في مدة لا تتجاوز 45 يومًا.

ولا تسمح هذه المادة بتلبية مطالب الشعب المتمثلة في تغيير النظام رغم قطعها الطريق على بوتفليقة من الترشح لولاية جديدة، كون رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح من رموز نظام بوتفليقة، إضافة إلى أن الحالة الاستثنائية للبلاد لا تسمح له باتخاذ إجراءات لا تصل حتى إلى مستوى ما قرره بوتفليقة.

الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتلفيقة

ويتفق الجميع على أن عدم تأجيل الانتخابات مع انسحاب بوتفليقة سيسمح لصندوق الاقتراع بخروج رئيس لا يكون في مستوى الحراك الشعبي، فأبرز المترشحين المتبقيين هم الجنرال المتقاعد علي غديري ورئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد ورئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، وهم ممن لا يتمتعون بالقبول والشعبية اللازمين لتبوء منصب رئيس الجمهورية.

وبسبب هذه الورطة الدستورية، قد لا يعارض البعض بوتفليقة في قرارته، إلا أنهم يشترطون أن يلجأ إلى تعديل دستوري استعجالي يسمح له بتمديد فترة حكمه الحاليّة على أن لا تكون لمدة سنة كما جاء في رسالة قراراته أو أكثر، حيث تشير الرسالة إلى أن الوعود التي أطلقها مرتبطة بما تخرج به الندوة الوطنية المستقلة المطالبة بتقديم توصياتها قبل نهاية 2019، ما يعني أنه من الممكن أن تنهي الندوة عملها في الأيام الأخيرة من ديسمبر/كانون الأول 2019 ما يترتب عليه إجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة في سنة 2020، وهي مدة تسمح لبوتفليقة الذي سيبقى رئيسًا للبلاد باتخاذ القرارات التي يريد دون أي مانع دستوري.

في انتظار ما ستحمله الساعات القادمة للجزائريين من سيناريوهات، يبقى الجميع يترقب ما قد تتخذه السلطة من قرارات جديدة في ظل عدم رضا الشارع على ما قرره الرئيس بوتفليقة

وبين هذا الخلاف بشأن المخارج الدستورية للوضع الراهن، يبقى حل إعلان حالة الطوارئ التي تسمح باتخاذ كل القرارات ومنها رحيل بوتفليقة وتسليم السلطة للجيش مؤقتًا آخر الحلول، وهو ما يرفضه الجميع بالنظر إلى مخاطره الداخلية كون أي خطأ قد يرتكب سيتحمل وزره الجيش المرتبط بتحديات صعبة على الحدود وفي غنى أن يكون محل سجال سياسي، كما أن هذه الخطوة ستتسبب في رسم صورة سوداوية للبلاد في الخارج قد تجرها لأن تكون عرضة للتدخل الأجنبي المرفوض من كل الجزائريين.

وفي انتظار ما ستحمله الساعات القادمة للجزائريين من سيناريوهات، يبقى الجميع يترقب ما قد تتخذه السلطة من قرارات جديدة في ظل عدم رضا الشارع على ما قرره الرئيس بوتفليقة، ودعوته للخروج في مسيرات جديدة الجمعة القادمة، وكذا في ظل نظام يبدو أنه لا يريد تسليم السلطة قبل ضمان مكان له في المرحلة القادمة، وهنا لا بد للجميع من الاحتكام إلى آراء العقلاء المطالبين بأخذ زمام المبادرة وعدم الاكتفاء بالبقاء على الهامش في ظرف صارت فيه البلاد بحاجة ماسة إلى حكمتهم ورزانتهم لإخراجها مما هي فيه كي لا تعيش ما عاشته في التسعينيات ولا يكون مصير حراك شعبها مشابهًا لما وقع ويقع حتى الآن في دول عربية أخرى.