"أنا آسفة جدًا لهذا القرار الذي اتخذه المجلس، ظللت أعتقد دائمًا بإمكانية الخروج من الاتحاد الأوروبي باتفاق، الاتفاق الذي تفاوضنا بشأنه هو الأفضل، وفي الحقيقة هو الوحيد المتاح، سنعود للتصويت الأربعاء عما إذا كان المجلس يرى إلغاء المادة (50) الخاصة بمغادرة الاتحاد الأوروبي دون اتفاق في 29 من مارس الحاليّ أو إجراء استفتاء ثانٍ".  

حدث إذًا ما كان متوقعًا، حيث مُنيت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي التي نطق لسانها بهذه الكلمات بهزيمة جديدة في البرلمان، بعد أن رفض نواب مجلس العموم البريطاني، أمس الثلاثاء، اتفاق الخروج المعدَّل من الاتحاد الأوروبي الذي قدمته ماي للمرة الثانية هذا العام، فقد صوت 391 عضوًا ضد اتفاق الخروج مقابل 242 مؤيدًا له.    

هزيمة مدوية أخرى

أجمعت الصحف البريطانية على هذا الوصف تقريبًا، بخصوص مشهد تصويت البرلمان على خطة للخروج من الاتحاد الأوروبي "البريكست"، فقد كانت مشاهدة ماي في مجلس العموم "أمرًا مؤلمًا"، إذ لم تتمكن حتى من الاعتماد على مستشاريها المقربين، فيما يمثل ضربة جديدة لسلطتها التي منيت بخسائر بالغة.  

ماي التي فشلت للمرة الثانية خلال شهرين في كسب تأييد البرلمان لاتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، أدخلت البلاد معها في أعقد أزمة سياسية

بعد "هزيمة الثلاثاء القاسية" نهضت ماي في محاولة لتناسي أرقام التصويت التي تعكس حجم المعضلة التي تعانيها وانقسام حزبها ذاته الذي صوت 75 منه ضد خطة زعيمتهم، وعبرت عن خيبة أملها لرفض مجلس العموم مجددًا اتفاق الخروج المعدل الذي أبرمته مع بروكسل، وقالت: "التصويت ضد المغادرة دون اتفاق لصالح تمديد العمل بالمادة 50 لن يحل المشكلة".  

وبحسب مقال لأليسون بيرسون بصحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، بدا مشهد ماي بالأمس كما لو كان مشهد احتضار في عمل من أعمال الأوبرا، حيث تتعالى صرخات "السوبرانو" وتترنح حتى تكاد تسقط على خشبة المسرح، بينما يجلس المشاهدون ويتمنون نهاية المشهد، محدثين أنفسهم "أرجوكم ضعوا نهاية لكل هذا الشقاء".

قبل 16 يومًا فقط من الموعد المحدد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تجاهل أعضاء البرلمان توسل ماي "أرجوكم ابرموا الخطة"، بعد أن قال الحزب الديمقراطي الوحدوي، وهو حزب أيرلندا الشمالية الداعم لماي، إنه غير مقتنع بالتطمينات التي حصل عليها مؤخرًا من الاتحاد الأوروبي.

ماي التي فشلت للمرة الثانية خلال شهرين في كسب تأييد البرلمان لاتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، أدخلت البلاد معها في أعقد أزمة سياسية، أزمة وصفها المحلل السياسي دانيال فنكلستين بأنها "أعقد مما تبدو عليه وتظهر حجم مأزق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في السنوات القادمة".

هذه النتيجة، التي أصبحت هزيمة جديدة بالنسبة لماي وسط تعالي الأصوات الداعية لاستقالتها، تعني أن لندن وبروكسل ليس بحوزتهما حتى الآن أي اتفاق ينظم عملية "بريكست" وذلك قبل أسبوعين تقريبًا من الانسحاب الرسمي لبريطانيا من الاتحاد، الأمر الذي يزيد بشكل كبير من احتمال تأجيل هذه الخطوة لمدة شهرين على الأقل.

الخطوات القادمة

عقب هذا الإخفاق الجديد بات طريق البريكست على أكثر من احتمال، فمجلس العموم على موعد تصويت جديد اليوم، فهل يُستثنى خيار مغادرة الاتحاد الأوروبي دون اتفاق؟ إذا أيَّد النواب الخروج دون اتفاق فإن بريطانيا ستحزم حقائبها وتودع شركاءها الأوربيين في 29 من مارس/آذار الحاليّ، وهو خيار يثير مخاوف بشأن إمدادات الطعام والأدوية، عدا عن تأثيراته الاقتصادية البالغة والبعيدة المدى.    

أمَّا إذا رفض النواب خيار المغادرة دون اتفاق فسيُجرى تصويت آخر يوم غد الخميس بشأن طلب إرجاء خروج لندن من الاتحاد لمدة محدودة، وفي حال التأجيل، قد تشرع بريطانيا في محاولة إقناع الاتحاد الأوروبي مجددًا بتعديل الاتفاق، أو قد تتجه لتنظيم استفتاء ثان أو إجراء انتخابات عامة جديدة.  

التأجيل يحتاج إلى موافقة مسبقة من دول الاتحاد الأوروبي، الذي ربط رئيسه سابقًا الموافقة على ذلك بتقديم المملكة المتحدة مبررات مقنعة

وفي الوقت الذي تشير فيه معظم المؤشرات إلى اتجاه البرلمان نحو طلب تأجيل الخروج، تبرز في هذا الأمر مشكلة أخرى هي أن تأخير النواب موعد الخروج سيفرض على المملكة المتحدة المشاركة في الانتخابات الأوروبية المزمع عقدها بين 22 و26 من مايو/أيار القادم، وهذا يعني أن الموعد النهائي الجديد يجب أن يكون قبل الجلسة الأولى للجمعية الجديدة في 2 من يوليو.

كما أن التأجيل يحتاج إلى موافقة مسبقة من دول الاتحاد الأوروبي، الذي ربط رئيسه سابقًا الموافقة على ذلك بتقديم المملكة المتحدة مبررات مقنعة، وهي التي لا تتوافر لدى رئيسة الوزراء حاليًّا، لذلك ربما لا يقبل الاتحاد الأوروبي التأجيل إلا إذا كانت لدى بريطانيا نية لإجراء انتخابات أو استفتاء ثانٍ.  

ماذا عن استفتاء آخر؟

شهدت بريطانيا على مدى العقود الماضية سلسلة من الاستفتاءات زاد عددها عن مرات الانتخابات البرلمانية، والسمة الجوهرية لمعظم هذه الاستفتاءات أنها نبعت من متطلبات سياسية واضحة دفعت بها أحزاب سياسية لخدمة هوية أو قضايا قومية معينة في المملكة المتحدة، أمَّا إجراء الاستفتاء بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي فكان الدافع الأساسي وراءه وضع حد للخلافات والانقسامات داخل حزب المحافظين بين المؤيدين لمنظومة الاتحاد الأوروبي والمعارضين لها.

جدول ماي الجديد بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي - المصدر: بي بي سي 

ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا السابق لم يواجه أي ضغوط شعبية لإجراء الاستفتاء، ومع ذلك اتخذ قرارًا بإجرائه لأهداف سياسية بحتة، فمن جهة حسم الخلاف داخل حزبه، ومن جهة أخرى أراد التصدي لحزب الاستقلال الذي شن حملة للخروج من الاتحاد الأوروبي وشكل خطرًا على انتزاع أصوات انتخابية من حزب المحافظين، دون التفكير في العواقب والتحضير لها جيدًا.

تيريزا ماي التي خلفت كاميرون بعد استقالته وجدت نفسها في صراع متفاقم داخل حزب المحافظين بشأن سبل تنفيذ روح الاستفتاء، فارتأت أن تجري انتخابات مبكرة لاكتساب شرعية شعبية أكبر تمكنها من التفاوض بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكنها أخفقت بل وخسرت أغلبيتها، فاستمرت في مواجهة الصعاب.

الاستفتاء الذي كان من أهدافه إنهاء خلافات داخل حزب المحافظين وقطع الطريق أمام حزب الاستقلال اليميني المطالب بوقف الهجرة الأوروبية، أدخل بريطانيا في دوامة من الغموض السياسي قد تستمر فترة طويلة، ورغم ذلك أصبحت الطريقة المباشرة لمشاركة الشعب خيارًا آخر لبريطانيا بعد رفض مجلس العموم البريطاني اتفاق البريكست المعدل.  

بات الحديث عن تنظيم استفتاء ثانٍ أكثر رواجًا في الأسابيع الأخيرة، وهو احتمال بعيد التطبيق، لأنه غير مقبول لدى رئيسة الوزراء التي جددت في كلمتها أمام البرلمان، في يناير/كانون الثاني الماضي، رفضها لخيار الاستفتاء الثاني على بريكست، محذرة من أنه يهدد "التجانس الاجتماعي"، كما رفضت تمديد موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، مصرّة على أن التعديلات التي سيتم إدخالها على اتفاق بريكست ستقتصر على تعديل خطة المساندة الخاصة بالحدود الأيرلندية.

من المتوقع أن يصوت العديد من نواب العمال من المناطق التي صوتت للمغادرة في عام 2016 ضد إجراء استفتاء ثانٍ

الاستفتاء كذلك غير مرغوب من حزب العمال المعارض جيرمي كوربن، الذي نفى في السابق إمكانية إجراء استفتاء ثان على بريكست، ثم عاد وأعلن قبل أسبوعين أن حزبه قد يؤيد إجراء استفتاء ثان، بينما ما زال يدفع في اتجاهه المفضل، وهو الدعوة لانتخابات مبكرة، ومن شأن هذه الخطوة أن تثير الارتياح لدى أعضاء البرلمان المناهضين للبريكست.  

غير أنه من المتوقع أن يصوت العديد من نواب العمال من المناطق التي صوتت للمغادرة في عام 2016 ضد إجراء استفتاء ثانٍ، وحتى إن نُظم استفتاء جديد فإن نتائجه المحتملة ما زالت بعيدة عن استطلاعات الرأي.  

الخيارات المتاحة على بطاقات الاقتراع يجب أن يحددها البرلمان، ويمكن أن تشمل البقاء في الاتحاد الأوروبي أو تركه دون صفقة، أو عدد من خيارات الانسحاب، بما في ذلك صفقة ماي، كما يجب أن يحصل الاستفتاء الثاني على موافقة البرلمان، وفي الوقت الحاليّ يظل من غير الواضح ما إذا كانت هناك أغلبية على ذلك، فبعض نواب حزب العمال من الدوائر الانتخابية للاقتراع يعارضون استفتاء آخر.

انتخابات مبكرة

خيارات أخرى مطروحة على الطاولة كذلك، منها إجراء انتخابات مبكرة، تأتي بحكومة جديدة تتولى مهمة اتفاق البريكست أو عدم تنفيذه، فبعد فشل حكومة المحافظين في التصويت على صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، رأت المعارضة أن بريطانيا بحاجة إلى انتخابات مبكرة بدلاً من عقد استفتاء ثانٍ.

وبالنظر لحجم المأزق القائم ورفض البرلمان مع عدم وجود مؤشرات على إقدام الاتحاد الأوروبي على تقديم أي تنازلات جديدة، لا تستبعد الأوساط السياسية والمراقبون استقالة ماي وإجراء انتخابات عامة، وهذا أيضًا ما دعا إليه كوربين، معربًا عن قناعته بأن الأغلبية ستلتف وراء اقتراح حزبه ومع ذلك قال أيضًا إن المعارضة على استعداد للعمل مع الحكومة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن الصفقة. 

وتأتي دعوة كوربن في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بسحب الملف كاملاً من يد ماي وتولي البرلمان زمام الأمور، حيث دعت صحيفة "فايننشال تايمز" لذلك صراحة، ورأت الصحيفة أن صفقة "ماي" قد انتهت، وأنه يتوجب على مجلس العموم تولي المسؤولية، وتكون الأولوية الآن تجنب الفوضى في البرلمان التي قد يستغلها متطرفون من اليسار واليمين.

مسار آخر قد تسلكه المملكة المتحدة وترحب به القيادة العمالية، ويتمثل في محاكاة النموذج النرويجي في العلاقة مع الاتحاد

خلال خطابها أمام مجلس العموم بالأمس، قالت ماي إنه سيتعين على النواب اتخاذ خيارات بشأن ما إذا كانوا يريدون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو استفتاء آخر، أو صفقة مختلفة، إلا أن ما لم تشر إليه قد تفعله الحكومة لتمكين مجلس العموم من القيام بهذا الاختيار.      

وكان القيادي بحزب المحافظين تشارلز ووكر قد حث رئيسة الوزراء البريطانية على الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة حال خسارتها التصويت على اتفاق البريكست المقترح بعد التعديل، لكن، بحسب محللين، إذا كان هذا هو الطريق الذي تقرر ماي اتباعه بعد التصويت على الانسحاب دون صفقة يوم 13 من مارس، فسيكون من الصعب عليها الحفاظ على أصوات حزبها معًا.

ويبدو أن نتيجة التصويت تميل في الوقت الراهن إلى هزيمة مقترح ما تبقى من اتفاق ماي، إذ ظهرت بعض الإشارات إلى أن رئيسة وزراء بريطانيا تفقد المزيد من الدعم، وأعلن مؤيدو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من أعضاء مجلس العموم علاوة على أعضاء المجلس من الحزب الديمقراطي الوحدوي، الحزب الرئيسي في أيرلندا الشمالية، أنهم سوف يصوتون ضد اتفاق ماي المقترح.

التقت ماي مع رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، مؤخرًا على هامش قمة شرم الشيخ

الخيار الأخير

مسار آخر قد تسلكه المملكة المتحدة، وترحب به القيادة العمالية، ويتمثل في محاكاة النموذج النرويجي في العلاقة مع الاتحاد، وبموجبه تبقى لندن عضوًا في السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الجمركي الأوروبي، وهو خيار له مؤيدون عابرون للحزبين الرئيسيين ومعارضون منهما كذلك.

وفي حال هزيمة اتفاق ماي في التصويت القادم، ربما تكون هناك تحركات لجذب دعم النواب إلى هذا النموذج، في حين يقول المعارضون إن هذا النموذج لن يوقف حرية الحركة ولن يسمح لبريطانيا بإبرام اتفاقيات تجارية خاصة بها في مختلف أنحاء العالم.  

وحتى هذه اللحظة، يرفض الاتحاد الأوروبي إعادة التفاوض بشأن بند "شبكة الأمان" أو "باك ستوب"، الإجراء الوارد في اتفاق بريكست بهدف تفادي عودة الحدود فعليًا بين جمهورية أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي ومقاطعة أيرلندا الشمالية البريطانية، ويشكل هذا البند العقبة الرئيسية منذ رفض اتفاق الانسحاب في البرلمان البريطاني في يناير/كانون الثاني الماضي.

فيما تدق عقارب الساعة معلنة اقتراب موعد "الطلاق" المفترض، فإن شكل الاقتصاد والمجتمع في المملكة المتحدة ما زال موضع تساؤل وترقب

وقبل تصويت الثلاثاء، نشر المدعي العام البريطاني جيفري كوكس الاستشارة القانونية للحكومة، وقال إنه لم يحدث تغيير جوهري في المخاطر القانونية لبقاء بريطانيا مقيدة بشبكة الأمان، وقد كان لمشورته القانونية هذه أثر كبير في اتجاه التصويت.

ويزيد من تعقيد المشهد تصريحات رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك أن بريطانيا تقترب أكثر من احتمال الخروج من الاتحاد دون صفقة، وهو ما يضاعف من الضغوط على المملكة المتحدة، ويزيد المخاوف من حجم الآثار السلبية السياسية والاقتصادية التي ستترتب عليها في حال الانتهاء لهذا الخيار.    

وفيما تدق عقارب الساعة معلنة اقتراب موعد "الطلاق" المفترض، فإن شكل الاقتصاد والمجتمع في المملكة المتحدة ما زال موضع تساؤل وترقب بعدما وصل البرلمان إلى طريق مسدود نتيجة لغياب الزعامة وقتل الديمقراطية بمزيد من الديمقراطية.