يختلف مفهوم السعادة من دولة لأخرى

حدد الأديب الروسي العالمي ليف نيكولايافيتش تولستوي (1928-1910) ثلاثة محاور لتحديد معنى السعادة، فأشار أنها "‏تكمن في تملّك‏  ‏شيء‏ ‏تعمله‏ ‏وآخر‏ ‏تحبه‏ ‏وثالث‏ ‏تطمح‏ ‏إليه" ومن أقواله المأثورة كذلك "إننا نبحث عن السعادة غالبًا وهي قريبة منّا، كما نبحث في كثير من الأحيان عن النظارة وهي فوق عيوننا".

ومن هذا المنطلق حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها   A/RES/66/281 المؤرخ في 12 من يوليو/تموز 2012، يوم 20 من مارس/آذار بوصفه اليوم الدولي للسعادة، اعترافًا منها بأهمية السعادة والرفاهية بوصفهما قيمتين عالميتين مما يتطلع إليه البشر في كل أنحاء العالم.

وكانت الأمم المتحدة قد دشنت 17 هدفًا للتنمية المستدامة يُراد منها إنهاء الفقر وخفض درجات التفاوت والتباين وحماية الكوكب وهذه تمثل في مجملها جوانب رئيسية يمكنها أن تؤدي إلى السعادة، ومن ثم كان هذا الهدف أحد أبرز المحاور التي تسعى المنظمة الأممية وفروعها المختلفة تحقيقه بصورة أو بأخرى.

وبينما يحتفل العالم اليوم بهذه المناسبة هناك خمسة أسئلة تطل برأسها تبحث عن إجابة: ماذا تعني السعادة؟ هل هي حالة واحدة لدى كل الشعوب أم أنها تختلف من شعب لآخر ومن زمن لغيره؟ ما المعايير التي على أساسها يمكن تحديد نسبة السعادة في دولة ما؟ كيف يمكن تحقيقها؟ وفي النهاية: أين موقع السعادة من الشعوب العربية؟

مفهوم السعادة

يتباين مفهوم السعادة من عالم لآخر ومن فرد لآخر ومن مجتمع لغيره، حيث وضعت العديد من العلوم مفاهيمًا عدة للسعادة، كل يختلف عن الآخر في الوسيلة والتفاصيل وإن كان جميعها يهدف إلى تحقيق عامل الرضا والقناعة والأريحية والبعد عن الألم والعصبية والضيق.

قديمًا.. عرف أفلاطون السعادة أنها عبارة عن فضائل الأخلاق والنفس كالحكمة والشجاعة والعدالة والعفة، كما أضاف أفلاطون بأن سعادة الفرد لا تكتمل إلا بمآل روحه إلى العالم الآخر، أما أرسطو فاعتبرها هبة من الله وقسمها إلى خمسة أبعاد، وهي: الصحة البدنية والحصول على الثروة وحسن تدبيرها واستثمارها وتحقيق الأهداف والنجاحات العملية وسلامة العقل والعقيدة والسمعة الحسنة والسيرة الطيبة بين الناس.

تصدرت الإمارات الدول العربية كأكثر الشعوب العربية سعادة،  في المرتبة العشرين عالميًا، تليها قطر في المرتبة الـ32 عالميًا والثانية عربيًا، ثم المملكة العربية السعودية 33 والبحرين 43 والكويت 45، فيما جاءت مصر في المرتبة الـ15 عربيًا والـ120 عالميًا

أما علماء المسلمين فقد أشاروا إلى أنها وصول الفرد إلى حالة من تحقيق التوازن بين ما يتطلّبه الجسم والروح، وبين متطلبات الفرد ذاته ومتطلبات المجتمع الذي يعيش به، وبين الحياة الدنيوية للفرد وآخرته وعمله لها، لافتين إلى أن السعادة الدنيوية هي سعادة آنيّة وناقصة، والسعادة الحقيقية هي السعادة الخالدة في الدار الآخرة والظفر في الدخول إلى الجنة.

علم النفس بدوره كان حاضرًا في سباق تلك التعريفات، حيث أولى اهتمامًا خاصًا بدراسة السعادة وأثرها على النفس البشرية من خلال فرع من فروعه، وهو ما يُطلَق عليه علم النفس الإيجابي، حيث يعمل هذا الفرع على رفع مستوى أداء الفرد الوظيفي النفسي بشكل أعمق وأبعد من معنى الصحة النفسية.

وعليه فقد عرّف السعادة من الجانب الانفعالي على أنّها الإحساس باعتدال المزاج والحالة النفسية، ومن الجانب التأمُّلي المعرفي فهي الوصول إلى مرحلة الشعور والإحساس بالرضا، مقسمًا إياها إلى قسمين يعتمدان على مستوى المؤثرات المحفزة لها، فهناك السعادة قصيرة المدى وهي التي تستمر لفترات وجيزة من الزمن، وهناك السعادة طويلة المدى وهي عبارة عن سلسلة من بواعث ومحفزات السعادة قصيرة المدى وهي عادةً في تجدد دائم لتؤدي دورها في التجديد والتحفيز المستمر للسعادة لتستمر بذلك مدى الحياة.

دعوة أممية لنشر السعادة بين الشعوب

فنلندا الأول عالميًا

تصدر الفنلنديون قائمة أكثر شعوب العالم سعادة وفق تقرير السعادة العالمية لهذا العام، الذي يصدر سنويًا عن شبكة تنمية الحلول المستدامة التابعة للأمانة العامة للأمم المتحدة، تلاهم النرويجيون ثم الدنماركيون وبعدهم الإيلسنديون والسويسريون.

التقرير الذي يضم 156 دولة حول العالم يعتمد على استطلاع شركة جالوب العالمية الذي يستند على سؤال واحد يقيم سعادة الأشخاص من خلال اختيار أحد السلالم للتعبير عن مدى رضاهم وسعادتهم (أعلى سلم يعبر عن الشعور بالسعادة وأدنى سلم يعبر عن الشعور عن عدم السعادة)، ومن خلال هذا، يقوم الناس بتقييم جودة حياتهم الحاليّة على مقياس من 0 إلى 10 (متوسط ثلاث سنوات لكل دولة).

المقاييس التي استند إليها المؤشر العام تفتقد في كثير من مضمونها إلى عناصر الدقة والمصداقية، خاصة أنه لم يذكر شيئًا عن العيّنات التي خضعت للقياس في كل دولة

عربيًا تصدرت الإمارات الدول العربية كأكثر الشعوب العربية سعادة، في المرتبة العشرين عالميًا، تليها قطر في المرتبة الـ32 عالميًا والثانية عربيًا، ثم المملكة العربية السعودية 33 والبحرين 43 والكويت 45 فيما جاءت مصر في المرتبة الـ15 عربيًا والـ120 عالميًا، ثم السودان الـ17 عربيًا والـ133 عالميًا بينما تذيلت سوريا القائمة العربية والعالمية على حد سواء 20 عربيًا والـ156 عالميًا.

ما المعايير؟

بجانب ما أرساه الروائي الروسي ليو تولستوي بأن السعادة‏ ‏تكمن في تملّك‏ ‏ثلاثة‏ ‏أشياء،‏ ‏شيء‏ ‏تعمله‏ ‏وآخر‏ ‏تحبه‏ ‏وثالث‏ ‏تطمح‏ ‏إليه، إلا أن الأمم المتحدة في تعريفاتها ذكرت أن تحديد مؤشر السعادة في ترتيب شعوب العالم بالقائمة السنوية يعتمد على قياس مجموعة من المؤشرات، منها متوسط الدخل الحقيقي للفرد ودرجة الحرية السياسية التي يتمتع بها ومستوى الدعم الاجتماعي في بلده مثل التعليم والصحة وغياب الفساد وانتشار العدل، بالإضافة إلى معايير أخرى كالصحة الجيدة والأمن الوظيفي والأسرة المستقرة.

إلا أن تلك المؤشرات ليست وحدها من تحدد حجم سعادة الشعوب، ففي دراسة أجريت في جامعة هارفارد الأمريكية لبحث ما يعتقد أنه أهم أسباب السعادة، استغرقت نحو 80 عامًا، توصلت إلى أن "الأصدقاء الجيدين" أكثر مدعاة للشعور بالسعادة، مقارنة بالمال والنجاح.

الدراسة التي بدأت عام 1938، في ذروة الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم وعرفت باسم "الكساد الكبير"، أثبتت وجود رابط قوي بين العلاقات بالأصدقاء والسعادة، وما يترتب على ذلك من تحسن الحالة الصحية، وحسب صحيفة "هارفارد غازيت"، فإن الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي، ورئيس تحرير صحيفة "واشنطن بوست" بن برادلي كانا بين المبحوثين.

الباحثون شملوا الدراسة بعدد من الأسئلة عن الحياة العامة، بما في ذلك الحالة الصحية والمسيرة المهنية والزواج، وتوصلوا إلى أن الأصدقاء الجيدين لعبوا دورًا في حماية الناس من التدهور العقلي والجسدي، مقارنة بالطبقة الاجتماعية ومستوى الذكاء، فيما قال روبرت والدينغر، الطبيب النفسي في مستشفى ماساشوستس، ومدير البحث: "الاكتشاف المفاجئ هو أن علاقاتنا وسعادتنا بها لديها ثأثير قوي على صحتنا أيضًا، الاعتناء بالجسد مهم، لكن الاعتناء بالعلاقات نوع من الاهتمام بالنفس أيضًا".

السعادة العربية.. علامات استفهام

وفق المعايير السابقة تبقى السعادة بين الشعوب العربية حبيسة الدول ذات الدخول المرتفعة، التي في الغالب لا تخرج عن منطقة الخليج، ومع ذلك فإن المقاييس التي استند إليها المؤشر العام تفتقد في كثير من مضمونها إلى عناصر الدقة والمصداقية، خاصة أنه لم يذكر شيئًا عن العيّنات التي خضعت للقياس في كل دولة، سواء عن الأماكن التي تعيش فيها (مدن أو قرى) ومستويات تعليمهم ودخولهم.. إلخ، وهو ما قد يدفع البعض للتشكيك في مصداقيته.

ترتيب الدول في المؤشر قوبل بتشكيك من بعض الباحثين، على رأسهم أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس جمال سلامة، الذي اعتبره مجافيًا للحقيقة، خاصة فيما يتعلق بالترتيب المتأخر لدولة مثل مصر، وتقدم دول أخرى تشهد صراعات دموية مثل العراق وليبيا والصومال، متعجّبًا "كيف يضع التقرير دولاً لا يجد مواطنوها شربة ماء ولا وجبة غذاء في تصنيف متقدم عند ترتيب الدول السعيدة".

كيف لشعب يقبع أكثر من نصف عدده تحت خط الفقر وتزيد معدلات الانتحار بين شبابه بصورة كبيرة، ويفتقد ما يزيد على ثلثة لأبجديات القراءة والكتابة، أن تحدثه عن السعادة

سلامة في تصريحات له لفت إلى أن غياب المعلومات عن العيّنات التي اعتمد عليها ممثلو المنظمة يوصمها بالقصور، فمن الممكن أن يكونوا قد التقوا مواطنين يعيشون في مناطق نائية ليس فيها خدمات على مستوى مثالي، إلا أنه في الوقت ذاته لم ينف وجود أسباب حقيقية لتراجع معظم الدول العربية في مؤشر السعادة مقارنة بالسنوات السابقة أو بالدول الأوروبية، أبرزها تدني أداء اقتصاداتها.

أستاذ العلاقات السياسية لم يفرق بين الدول العربية بعضها البعض فيما يتعلق بمسؤولية تدني المستوى الاقتصادي عن تراجع الترتيب في المؤشر العام للسعادة، فالدول العربية لا سيما التي شهدت ربيعًا عربيًا عانت ولا تزال من تقلّبات سياسية واقتصادية أدت إلى غياب الاستثمارات وتوقف العديد من القطاعات الإنتاجية، نتيجة غياب الأمن وانتشار ظاهرة الإرهاب، وتعطل أكثر من قطاع اقتصادي حيوي، بينما الخليجية فقد تأثرت اقتصاداتها بالتراجع المخيف في أسعار النفط خلال الشهور الأخيرة.

نفس الموقف ذهبت إليه الدكتورة سعاد عبد الرحمن، أستاذ علم الاجتماع، التي أشارت إلى أن المال ليس وحده مؤشر السعادة، فهناك العديد من المعايير الأخرى التي يتفنن قطاع كبير من العرب في خلقها للهروب من واقعهم المؤلم، لافتة أن الشعب المصري على سبيل المثال من أكثر شعوب العالم مقاومة للكآبة.

عبد الرحمن لـ"نون بوست" كشفت أن العديد من الحالات تهدف إلى خلق أجواء من السعادة الوهمية بدلاً من الولوج في مستنقع الواقع البائس، فالظروف التي تمر بها شعوب دول كمصر والسودان واليمن وسوريا وغيرها من الشعوب التي تعاني من أزمات اقتصادية وضيق أفق سياسي وكبت حقوقي وتضييق في الحريات لو لم تلجأ إلى الأبواب الخلفية للهروب من واقعها ربما لكان الوضع أكثر كارثية، ولعل هذا ما يفسر زيادة نسب المرضى النفسيين ومعدلات الانتحار في تلك الدول.

الخليج أكثر شعوب العرب سعادة

واقع يدعو للسخرية

بينما تعزف بعض الحكومات العربية على رأسها الإمارات وقطر على أوتار السعادة وفق النجاحات التي تحققها بشأن معايير القياس المحددة في هذا الشأن، إلا أن شعوب أخرى تتعامل مع مثل هذه المؤشرات بشيء من التندر والسخرية، وهو ما تكشف بصورة كبيرة في تعاطي العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع مؤشر السعادة هذا العام.

تقى محمود، الصحفية بجريدة "البيان" المصرية تساءلت عن شعور المصريين بالسعادة في ظل حالة غير مسبوقة من الكبت السياسي والإعلامي وتدني المستوى المعيشي إلى معدلات لم يشهدها من قبل، هذا فضلاً عن حالة الكآبة واليأس التي تخيم على قطاع كبير من المصريين طيلة السنوات السبعة الماضية.

الصحفية المصرية كشفت أن الحديث عن السعادة في الظروف الحاليّة حديث لا يتجاوز سقف التندر والسخرية لا مناقشة وتحليل ما جاء في المؤشر السنوي، فكيف لشعب يقبع أكثر من نصف عدده تحت خط الفقر وتزيد معدلات الانتحار بين شبابه بصورة كبيرة، ويفتقد ما يزيد على ثلثه لأبجديات القراءة والكتابة، أن تحدثه عن السعادة، ففي بعض الأوقات لقمة العيش تجب ما قبلها وما بعدها من مقومات الحياة الأخرى، هكذا أضافت.

وهكذا... بينما تحتفل شعوب العالم بهذا اليوم الذي يأتي منسجمًا مع ما يتمتعون به من مقومات تضفي على حياتهم البهجة والسعادة، هناك فريق آخر يكابد من أجل البقاء، فريق ربما تتلخص السعادة عنده في لقمة يسد بها رمقه أو شعور بالأمن يطيح بشبح الخوف أو لحظة اطمئنان تقلل من قلق الغد، لتبقى السعادة كلمة مجردة، نسبية المعنى والواقع.