يمسك الجيش الجزائري بحكم البلاد منذ الاستقلال

يتحكم الجيش الوطني الشعبي الجزائري وريث جيش التحرير الوطني، في معظم مجالات الحياة في الجزائر (اجتماعية واقتصادية وسياسية...)، وذلك منذ خروج المستعمر الفرنسي من البلاد سنة 1962، سيطرة مطلقة طيلة عقود عدة، جعلت من الجيش رقمًا صعبًا في هذا البلد الغني بالنفط، حتى إن اختار في بعض المراحل العمل في الظل لإبعاد الشبهات عنه، كما حصل سنة 1999 عند صعود عبد العزيز بوتفليقة لسدة الحكم.

العمل في الظل والخفاء ومن تحت الستار، جعل الجيش يزداد نفوذًا في الدولة وشعبية لدى الشعب، فقد أفلح لدرجة ما في محو الصورة السلبية التي أخذت عنه عقب سنوات العشرية السوداء، لكن الحراك الشعبي الأخير أعاد الجيش إلى واجهة الأحداث مجددًا.

من التهديد إلى التغني بـ"وطنية" المتظاهرين

في الـ16 من شهر فبراير/شباط الماضي، خرج المئات من المتظاهرين في مدينة خراطة بمحافظة بجاية شرقي الجزائر (تعد معقلاً لأحزاب معارضة)، رافعين أعلامًا سوداء، تعبر عن الألم ورفضهم الكبير لإصرار السلطات الحاكمة فرض عبد العزيز بوتفليقة "القعيد" لخمس سنوات أخرى على كرسي الرئاسة.

ارتفعت حدة التظاهرات وانتشرت في مختلف مدن وقرى البلاد، خرج الطلبة والأساتذة، المحامون والقضاة، الموظفون والعاطلون عن العمل، وكل فئات الشعب الجزائري في الشوارع والميادين والجامعات والملاعب الرياضية، رافعين شعارات تطالب بالتغيير وتندد بالنظام وتدعوه إلى الرحيل.

ما يسجل في هذا الحراك الشعبي، أن الجيش لم يتدخل إلى فضه ولم يستعمل القوة للحد من انتشاره كما كان متوقعًا منذ البداية

مر اليوم الأول فالثاني والثالث، ولم يتكلم الجيش ولم تصدر قياداته أي تعليق عما يحصل في البلاد سلبًا ولا إيجابًا، كأن الأمر باغتهم أو أنهم ينتظرون الفرصة السانحة أو الأوامر العليا، إلى أن جاء اليوم العاشر، فخرج قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح للشعب.

في أول تعليق له على الاحتجاجات الرافضة لترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، وصف نائب وزير الدفاع الوطني، قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، دعوات الخروج إلى الشارع بـ"النداءات المشبوهة ظاهرها التغني بالديمقراطية".

وتساءل قائد أركان الجيش في كلمة توجيهية مع إطارات وأفراد الناحية العسكرية السادسة بتمنراست: "هل يعقل أن يتم دفع بعض الجزائريين نحو المجهول من خلال نداءات مشبوهة ظاهرها التغني بالديمقراطية وباطنها جر هؤلاء المغرر بهم إلى مسالك غير آمنة بل غير مؤمنة العواقب، مسالك لا تؤدي لخدمة مصلحة الجزائر ولا تحقيق مستقبلها المزدهر؟".

وفُهم من حديث قايد صالح حينها، وجود مباركة من الجيش للرئيس بوتفليقة ونيته الترشح لولاية رئاسية خامسة تمكن النظام القائم من الاستمرار لفترة أخرى، في الوقت الذي كان فيه الشعب ينتظر من الجيش أن يصطف إلى صفه أو يختار الحياد.

في الـ5 من مارس/آذار، رجع قايد صالح للغة التهديد مجددًا، محذِرًا من وجود "أطراف تريد أن تعيد الجزائر إلى سنوات الألم والجمر"، مضيفًا أن على الجزائريين أن يعرفوا كيف يتعاملون مع ظروف وطنهم وشعبهم وأن يكونوا حصنًا منيعًا لصد كل ما من شأنه تعريض الجزائر لأخطار غير محسوبة العواقب.

قال قايد صالح في خطاب أدلى به في الأكاديمية العسكرية في شرشال: "بعض الأطراف (...) يزعجهم أن يروا الجزائر آمنة ومستقرة، بل يريدون أن يعودوا بها إلى سنوات الألم وسنوات الجمر التي عايش خلالها الشعب الجزائري كل أشكال المعاناة، وقدم خلالها ثمنًا غاليًا"، في إشارة إلى العشرية السوداء في الجزائر (1992).

بعد يوم، أصدرت وزارة الدفاع الجزائرية بيانًا، أبزرت فيه تأكيد قائد الأركان على أن "الجيش سيعرف كيف يكون في مستوى المسؤولية المطالب بها في الظروف كافة"، مؤكدًا "الجزائر قوية بشعبها وآمنة بجيشها"، وهو ما اعتبر محاولة لتدارك ما بدر من قايد صالح في سابق الأيام.

عاد الجيش إلى الصمت مجددًا، في ظل تواصل المظاهرات وارتفاع حدتها وانضمام أطراف أخرى لها، حتى جاء يوم 18 من مارس/آذار الذي خرج فيه الفريق قايد صالح ممتدحًا "حس الوطنية" و"المواطَنة" لدى الشعب الجزائري، من دون أن يذكر الرئيس بوتفليقة بالاسم.

لعب على الحبلين

ما يسجل في هذا الحراك الشعبي، أن الجيش لم يتدخل إلى فضه ولم يستعمل القوة للحد من انتشاره كما كان متوقعًا منذ البداية، ما جعل المتظاهرين يتغنون بالجيش ويرفعون شعارات داعمة له، رغم أنه جزء أساسي من النظام أو لنقل أنه المتحكم الأول في النظام الحاكم في البلاد منذ عقود عدة.

وتصدر شعار "جيش.. شعب خوا ( إخوة)" الشعارات التي رفعها المتظاهرون في العديد من تحركاتهم الاحتجاجية، خاصة في العاصمة التي يمنع فيها التظاهر منذ العام 2001، ودعا المحتجون الجيش إلى حماية حراكهم.

محاولة الشعب استيعاب الجيش وضمنه إلى صفهم، أتاحت لقيادات الجيش اللعب على الحبلين، فهي من جهة داعمة كبرى لنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومساندة لتواصله، ومن جهة أخرى الحامي لحراك الجزائريين.

ترصد الفرصة المواتية

الحظوة التي وجدها الجيش لدى قطاع واسع من المتظاهرين من شأنها أن تعيده إلى واجهة الحكم بعد سنوات من العمل في الخفاء، فبعد أن تقلد بوتفليقة مقاليد الحكم ضعفت مكانة الجيش قليلاً لصالح المدنيين، فقد تمت إحالة العديد من الجنرالات إلى التقاعد، وفرض عليهم "الصمت".

وساهم الصراع بين أطراف الجيش - قيادة الأركان بقيادة قايد صالح والمخابرات القديمة بقيادة الجنرال توفيق - في تحجيم دور الجيش لفترة طويلة، ما جعل العديد من المدنيين خاصة من رجال الأعمال يصعدون ويتصدرون الساحة.

منذ استقلال الجزائر والجيش يحكم قبضته الحديدية على مقاليد الحكم هناك، يتحكم في الاقتصاد وينتج الحكام ويطيح بهم متى أراد وبالطريقة التي يريد أيضًا

رغم بقائه بعيدًا عن الأنظار، فإن فكرة تصدر الساحة مجددًا لم تغادره بتاتًا، حيث كان الجيش يترصد الفرصة لا أكثر، إلى سالف عهده، ويعتبر الجيش الوطني الشعبي الجزائري وريث جيش التحرير الوطني، الجناح العسكري لجبهة التحرير الوطني، ذلك التنظيم الذي قاد حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وأجبر حكومة فرنسا على التفاوض من أجل تقرير مصير الجزائر.

وكان الجيش الجزائري قد أوقف مسار الانتخابات التشريعية سنة 1991، تلك الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد مطلع 1992 الذي كان عاقدًا العزم على التعايش مع الإسلاميين ولو شكلوا الأغلبية البرلمانية، وانقلب على نتائجها.

أبرز المستفيدين

انطلاقًا مما قلنا، نرى أن الجيش أبرز المستفيدين من حراك الشعب الجزائري الذي انطلق منذ أكثر من شهر ضد ولاية جديدة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة أولاً، ثم طلبًا لرحيل النظام بأكمله والتغيير الشامل ثانيًا، فالجميع يطلب رضاه.

ويرى العديد من المتابعين للوضع في الجزائر، أن الفرصة سانحة للمؤسسة العسكرية للعودة إلى واجهة الأحداث للإمساك بزمام الحكم مجددًا، بعد أن ساهم بوتفليقة في تقليم أظافرهم ولو كان ذلك علانية فقط، فدورهم الخفي لم ينته يومًا.

تتواصل المظاهرات منذ أكثر من شهر في الجزائر

تتهم أوساط جزائرية الجيش بالسيطرة على الحياة العامة في البلاد والتغلغل داخل مؤسسات الدولة وسحق إرادة الشعب، نظرًا لعمله خارج حدود وظيفته، ووجوده كعامل رئيسي ومرجح في أي انتخابات في البلاد أو أي حدث أو مجال آخر.

ويعتبر الجيش الجزائري صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في البلاد، ومنذ استقلال الجزائر والجيش يحكم قبضته الحديدية على مقاليد الحكم هناك، فيتحكم في الاقتصاد وينتج الحكام ويطيح بهم متى أراد وبالطريقة التي يريد أيضًا.

رغم محاولته المتكررة بالخروج عن الصور المعهودة، والظهور في ثوب المحايد المحافظ على أمن وسلامة البلاد فقط، فإن العديد من المؤشرات تؤكد أن الجيش الجزائري، في طريقه إلى تصدر المشهد مجددًا والتحكم في البلاد بعيدًا عن المدنيين الذين أفقدوه بعض صلاحيته.