نقابة الصحفيين المصرية

"وددت لو سألت من أعدوا لائحة جزاءات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ومن مرروها، وفيهم مع بالغ الأسف زملاء صحفيون مارسوا المهنة ونقيب صحفيين لأكثر من دورة، ما تصوركم لدور الصحفي أو الإعلامي في الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين؟" كان هذا آخر سؤال طرحه الكاتب الصحفي مجدي شندي، رئيس تحرير صحيفة "المشهد" قبل إصدار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرارًا بحجب موقع الصحيفة 6 أشهر وتغريمها 50 ألف جنيه.

المجلس في تبرير القرار أشار إلى أنه جاء "استنادًا إلى لائحة الجزاءات التي أقرها مؤخرًا، بناءً على مخالفات الموقع، وخوضه في (أعراض) إحدى الإعلاميات وعدد من الفنانات، ونشر الموقع لصور إباحية، إلى جانب سب وتحقير إحدى الفنانات"، دون أن يذكر تفاصيل قائمة الاتهامات المدرجة التي على أساسها اتخذ قراره.

القضية لم تقف عند "المشهد" فحسب، فبالأمس أصدر المجلس قرارًا جديدًا بحجب 6 مواقع أخرى "الأهرام الجديد الكندي وصدى مصر وحرية دوت نت والديار والثورة اليوم والساعة 25"، بدعوى أنها تورطت في نشر خبر قتل واغتصاب فتاة بجامعة الأزهر بأسيوط.

العديد من الصحفيين يرون أن موجة الحجب لن تقف عند تلك المواقع السبع وفقط، متوقعين المزيد من القرارات خلال الأيام القادمة، تزامنًا مع قرب عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية المزمعة التي تعبد الطريق أمام الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي للبقاء في الحكم حتى عام 2034.

نقلة نوعية

منذ مايو 2017 شهدت مصر سيلاً من حجب المواقع الإلكترونية تجاوزت الـ500 موقع، ما بين إعلامي وحقوقي، في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم، وهو ما أثار حفيظة الكثيرين من أنصار الحريات الإعلامية، داخل مصر وخارجها، خاصة في ظل ضبابية المشهد وعدم وجود معلومات كافية عن أسباب الحجب.

حالة من الجدل أثارتها تلك الموجة آنذاك لا سيما أن الفاعل ظل دومًا مجهولاً في ظل تنصل الجميع من الواقعة، وهو ما زاد الطين بلة، فليس من المعقول أن يكون الحجب بلا فاعل، وهو ما ساهم في تراجع مصر في مؤشر الحريات الصحفية والإعلامية للأعوام الماضية بصورة ملفتة للنظر.

شكلت تلك الإدانات صداعًا في رأس النظام، ومن ثم كان البحث عن مخرج لهذا المأزق خطوة غاية في الأهمية، وهنا بدأ البحث عن إطار قانوني يضفي الشرعية على مثل هذه التحركات، ومن ثم خرجت لائحة الجزاءات

جل الانتقادات التي وجهت لحملة حجب المواقع في هذا الوقت تمحورت حول غياب الإطار القانوني والتشريعي لمثل هذه الإجراءات التي تسيء لسمعة البلاد خارجيًا، وهو ما أدى بعد ذلك إلى وقف عمليات الحجب بعد أن تجاوز عدد المواقع المحجوبة المئات، وتشريد آلاف العاملين بها في الشارع، هذا بخلاف المرونة بعض الشيء في التعامل مع تلك المواقع، فحين يلغى الحجب وحين آخر يعود.

شكلت تلك الإدانات صداعًا في رأس النظام، ومن ثم كان البحث عن مخرج لهذا المأزق خطوة غاية في الأهمية، وهنا بدأ البحث عن إطار قانوني يضفي الشرعية على مثل هذه التحركات، ومن ثم خرجت لائحة الجزاءات التي أقرها "المجلس اﻷعلى لتنظيم اﻹعلام" في الـ19 من مارس الحاليّ.

لائحة كارثية

على مدار العامين الماضيين اكتظت الساحات النقابية والإعلامية بمناقشة قانون الصحافة الجديدة، هذا القانون الذي عزز الانقسام بين الأسرة الصحفية المصرية غير أنه وفي المقابل شهد إجماعًا من الكتلة الأكبر على رفضه لما يتضمنه من قنابل موقوتة من شأنها أن تقضي على ما تبقى من فتات الحريات الموجودة.

لكن وبينما ينشغل المهتمون بالإعلام بمناقشة القانون، إذ بمجلس تنظيم الإعلام برئاسة الصحفي المقرب من النظام، مكرم محمد أحمد، يصدر لائحة جزاءات، وصفت بـ"الكارثية" أقل ما يقال عنها إنها شهادة وفاة شرعية للصحافة والصحفيين.

ورغم تقدم المئات من الصحفيين بمذكرة رسمية لرفض مسودة تلك اللائحة التي تستهدف فرض حالة من الصمت وتكميم الأفواه على جميع وسائل الإعلام فإن أحدًا لم يسمع، بل وصل الأمر إلى وصف مكرم للأصوات المعترضة على اللائحة بأنها "جعجعة أونطة".

اللائحة المتعسفة تحاسب المؤسسات على النفس، وتحمل اتهامات فضفاضة من نوعية: التعصب والكراهية والفسق والفجور وإهانة مؤسسات الدولة وإهانة الأديان".. عمرو بدر عضو مجلس نقابة الصحفيين المصرية

اللائحة تضمنت نصوصًا غير مسبوقة في تاريخ الصحافة المصرية، جزاءات وعقوبات مغلطة، منها "معاقبة كل من استخدم أو سمح بألفاظ واضحة وصريحة، تشكل جريمة سب أو قذف، بأحد الجزاءات الآتية: إما معاقبة الوسيلة الإعلامية بغرامة لا تقل عن 25 ألف جنيه، ولا تزيد على 250 ألف جنيه، أو لفت النظر أو الإنذار، أو إحالة الصحافي أو الإعلامي للتحقيق بمعرفة النقابة، أو إلزام الوسيلة بتقديم اعتذار أو وقف بث البرامج المخالفة، أو حجب الموقع الإلكتروني لفترة مؤقتة، أو منع الصحافي أو الإعلامي من الكتابة".

كما نصت على أنه "يُعاقب كل من نشر أو بث شائعات، أو أخبارًا مجهولة المصدر، أو نقل عن مصادر إعلامية أخرى، أو استخدم منصات التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات دون التحقق من صحتها من مصادرها الأصلية، إما بلفت النظر أو الإنذار، أو توقيع غرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، ولا تزيد على 25 ألف جنيه، أو مضاعفة العقوبة، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، حال استخدام عبارات تشمل التخوين دون سند، ويجوز وقف بث البرامج، أو الباب أو الصفحة أو الموقع الإلكتروني لفترة مؤقتة، وتوقيع غرامة لا تقل عن 250 ألف جنيه، ولا تزيد على 500 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين".

مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام

إضافة إلى معاقبة "كل من استخدم أو سمح باستخدام عبارات، أو ألفاظ تدعو إلى التحريض على العنف، أو الحض على الكراهية، أو التمييز أو الدعوة للطائفية، أو العنصرية، أو يسيء لمؤسسات الدولة، أو الإضرار بمصالحها العامة، إما بمنع نشر أو بث أو حجب الصفحة، أو الباب، أو البرنامج، أو الموقع الإلكتروني لفترة محددة أو دائمة أو منع نشر أو بث الوسيلة لفترة محددة، أو توقيع غرامة لا تقل عن 250 ألف جنيه، ولا تزيد على 500 ألف جنيه".

كذلك "يُعاقب كل من خالف قواعد التغطية الصحافية، أو الإعلامية للعمليات الحربية، أو الأمنية أو الحوادث الإرهابية، إما بمنع النشر، أو البث، أو الحجب المؤقت للصفحة، أو الباب، أو البرنامج، أو الموقع الإلكتروني، ويجوز للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منع بث الوسيلة لفترة محددة حال جسامة المخالفة"، علاوة على معاقبة "كل من سمح ببث أو نشر صور أو فيديوهات لمتهمين من غير الشخصيات العامة في أثناء التحقيقات معهم، وقبل إحالتهم للمحاكمة، بلفت نظر، أو إلزام الوسيلة بتقديم اعتذار واضح، أو منع نشر أو بث أو حجب الصفحة أو الباب أو البرنامج أو الموقع الإلكتروني لفترة محددة، كما يُعاقب كل من سمح، أو قام بإجراء مناقشات، أو حوارات على حالات فردية باعتبارها ظاهرة عامة، أو خلط الرأي بالخبر، إما بلفت النظر أو غرامة مالية لا تقل عن 25 ألف جنيه، ولا تزيد على 50 ألف جنيه".

سياسة الترهيب لم تتوقف عند حاجز المواقع الإلكترونية والقنوات التليفزيونية فحسب، بل تجازوزت ذلك بكثير، ولعل تزامن استعادة موجة الحجب عافيتها مجددًا مع ما يتعرض له عدد من الفنانيين من عقوبات بسبب آرائهم السياسية يصب في هذا الاتجاه

شهادة وفاة للصحافة

"لائحة المجلس الأعلى للإعلام ستقضي على ما تبقى من مهنة الصحافة" هكذا علق عضو مجلس نقابة الصحفيين المصرية، عمرو بدر، مضيفًا "اللائحة المتعسفة تحاسب المؤسسات على النفس، وتحمل اتهامات فضفاضة من نوعية: التعصب والكراهية والفسق والفجور وإهانة مؤسسات الدولة وإهانة الأديان".

وأضاف أن اللائحة التي وصفتها بالمتعسفة "مكتوبة بروح عدائية ضد الصحافة وحريتها، وتفرض غرامات تصل إلى 250 ألف جنيه، فضلًا عن إجازتها غلق المؤسسات الصحافية بشكل مؤقت أو دائم!"، مستطردًا "إسقاط اللائحة واجب وفريضة، لأنها تجاهلت كل ملاحظات النقابة، وحالة الرفض الواسع من جانب الصحافيين".

أما الصحفي حازم حسني المرشح لعضوية مجلس النقابة في الانتخابات التي جرت قبل أيام، فاعتبر اللائحة تحديًا كبيرًا للجمعية العمومية للصحفيين لافتًا إلى أن إصدارها بشكل رسمي بعد إجراء انتخابات النقابة بأيام قليلة "لهو دليل على أن الدولة تتعجل إعلان وفاة الصحافة".

وتقدم حسني بمقترح طالب فيه باستغلال "سخونة الوضع العام بين الصحافيين بعد الانتخابات، والدعوة لعقد اجتماع عام لدراسة سبل المواجهة، ودعوة الصحف للاحتجاب أو على الأقل الاحتجاج بأي شكل يحدده المجلس، ومساندة المسلك القانوني للتعبئة والحشد ضد اللائحة ، والخروج ببيان يدين إصدار اللائحة، ويدعو للاجتماع والاحتجاج المبدئي (بشارة سوداء) لحين عقد الاجتماع، وتحديد شكل الاحتجاج".

لماذا في هذا التوقيت؟

بالطبع لم يكن توقيت إصدار اللائحة وبدء موجة الحجب مرة أخرى من قبيل المصادفة، فالحراك الشعبي الرافض للتعديلات الدستورية المقترح الاستفتاء عليها الشهر المقبل لا شك أنه يسبب صداعًا كبيرًا في رأس النظام، لا سيما أنها تأتي خصيصًا لخدمة شخص بعينه وهو ما يعيد البلاد إلى ما قبل ثورة يناير مرة أخرى.

النظام الحاليّ يسعى بكل السبل إلى فرض حالة من الترهيب قبيل عملية الاستفتاء تجنبًا لأي مفاجآت من شأنها أن تقلب الطاولة على الجميع، فاللجوء إلى حجب عدد من المواقع لأسباب واهية رسالة واضحة لبقية المواقع والصحف بعدم الخروج عن الخط المرسوم الداعم لفكرة تعديل الدستور بزعم المصلحة الوطنية.

العديد من الصحفيين يرون أن الموجة لن تقف عند المواقع السبع التي تم حجبها وفقط، بل ستطال العديد من المواقع الأخرى خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يعني احتمالية التزام الكثير منها الصمت تجنبًا لفرض غرامات ربما لا يقدر عليها أصحاب تلك المؤسسات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها غالبية الصحف خلال السنوات الأخيرة.

سياسة الترهيب لم تتوقف عند حاجز المواقع الإلكترونية والقنوات التليفزيونية فحسب، بل تجازوزت ذلك بكثير، ولعل تزامن استعادة موجة الحجب عافيتها مجددًا مع ما يتعرض له عدد من الفنانيين من عقوبات بسبب آرائهم السياسية يصب في هذا الاتجاه، وهو ما تناقلته وسائل الإعلام الغربية بشيء من السخرية.

ففي أقل من أسبوع واحد فقط مُنعت المطربة المصرية شيرين - وهي الداعمة بقوة للنظام الحاليّ - من الغناء بسبب تصريحات لها على هامش حفل غنائي في البحرين حين قالت إنها لو تحدثت في مصر ربما تسجن، وهو التصريح الذي اعتبرته نقابة الموسيقيين إساءة لسمعة بلادها، ما دفعهم لوقفها عن الغناء ومنع بث أغانيها على التليفزيون المصري.

الأمر ذاته تكرر مع الفنانين، خالد أبو النجا وعمرو واكد، حيث تم شطب عضويتهما من نقابة الممثلين المصرية بسبب اجتماع عقداه مع بعض مسؤولي الكونغرس للحديث عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، بل وصل الأمر إلى رفع دعوات قضائية ضدهم لوضعهم على قوائم ترقب الوصول والمطالبة بسحب الجنسية المصرية منهما.

وفي المجمل بات من المؤكد أن الأيام القادمة ستشهد حملات أخرى من تكميم الأفواه وتضييق الخناق على الإعلاميين حتى تمر عملية التعديلات الدستورية على أكمل وجه وبالشكل والنسبة التي يريدها النظام، وحتى هذا الوقت سيكون الجميع تحت مجهر المراقبة وعد الأنفاس عليه وملاحقته أينما كان.