في العقود الأخيرة، أصبح العالم أكثر تعقيدًا مع تأثيرات العولمة والثورة الرقمية والضغوط البيئية المتزايدة على جميع المناطق الحضرية التي يرتفع فيها معدل النمو السكاني والهجرة الداخلية والخارجية، وتحديدًا المدن الكبرى والعالمية التي تزداد اتساعًا بشكل مستمر، ما يجعلها بحاجة إلى إدارة متكيفة مع هذه التغيرات لاحتواء عواقب هذا النمو السريع الذي يمكن أن ينذر بحدوث أزمات مرهقة إذا تم إهمالها أو تجاهل التحديات والعقبات الجديدة التي تنتظر مدن العالم في المستقبل.

ومع وقوف العالم على أعتاب تحول اقتصادي عالمي، تحاول الحكومات إضافة واستثناء العديد من السياسات والمبادرات التي من شأنها أن تدفع مجتمعاتها نحو مستقبل أفضل، ولا سيما أن المدن في وقتنا الحالي تحولت إلى مراكز لاستعراض القوة الاقتصادية وأصبحت مقياسًا لتقدم العلمي والحضاري بين دول العالم الأخرى، وبالتالي ازدادت الضغوط على دوائر الحكم التي تهتم بتطوير البنية التحتية.

ليس بهدف تحسين نوعية حياة المواطنين فيها فحسب، بل لضروريات اقتصادية أيضًا، إذ لا تستطيع هذه المدن أن تزيد سعتها وقوتها الاقتصادية دون أن تجذب التدفقات العالمية (السلع والخدمات والأصول والأفراد) إليها. فعلى سبيل المثال، تعد المدن العالمية -دبي ولندن ونيويورك وسنغافورة وطوكيو- التي ألغت العولمة حدودها الجغرافية نقاط رئيسية لهذه التدفقات، ما زاد لديها فرص العمل ومعدلات الإنتاج الاقتصادي ولكنه في نفس الوقت خلق لديها تحديات أكثر حدة وجدية من أي وقت أو مكان آخر.

أولويات المدن المستقبلية وتحدياتها

خلال الحقبة الصناعية، نمت المدن بسرعة وأصبحت مراكزًا للإنتاج الاقتصادي، ما دفع سكان المجتمعات الريفية إلى الهجرة للمناطق الحضرية بحثًا عن فرص العمل والتعليم أيضًا، ففي البداية كان هناك 3% من سكان العالم فقط يعيشون في المدن، لكن هذه النسبة ارتفعت بشكل ملحوظ، وأصبح  أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في المدن الحضرية. علمًا أنه من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 68% بحلول عام 2050، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

ساهم التوسع الحضري السريع في خلق تهديدات بيئية لبنيتها التحتية الأساسية وهو ما أدى بشكل أو بآخر إلى خسائر مادية وغير مادية، ما تطلب اهتمامًا عاجلًا لحل مشاكل تقلص المساحات الخضراء والمياه العذبة وتفاقم رداءة نوعية الهواء

ولا شك أن هذا النمو السريع جلب العديد من المشاكل والتحديات، فعلى الرغم من فكرة الفرص المربحة في مجالات التعليم والتوظيف والترفيه التي ارتبطت بفكرة الانتقال إلى المدن، إلا أن الحياة فيها لم تخلو من الصعوبات والمتاعب اليومية التي زادت من ثقل المسؤولية على الإدارة الحاكمة لهذه المناطق، وما جعلها تفكر وتخطط بشكل يتناسب ليس فقط مع احتياجات السكان وإنما مع المتغيرات المستقبلية التي تتطلب استجابة سريعة.

فعلى سبيل المثال، ساهم التوسع الحضري السريع في خلق تهديدات بيئية لبنيتها التحتية الأساسية وهو ما أدى بشكل أو بآخر إلى خسائر مادية وغير مادية، ما تطلب اهتمامًا عاجلًا لحل مشاكل تقلص المساحات الخضراء والمياه العذبة وتفاقم رداءة نوعية الهواء، ومشاكل أخرى لها علاقة بمسألة التخلص من النفايات وارتفاع مستويات استهلاك الطاقة، ما جعل مسؤولية إدارة المدن عملية معقدة، فهي لا تحاول فقط تحديد وتحقيق توقعات السكان وإنما تجتهد أيضًا في المحافظة على التوازن البيئي من هذه المتطلبات.

المواطن والبلديات جنبًا إلى جنب في إدارة المدن المستقبلية

يقول أحد المنظمين والمنسقين في معهد ULI للتعليم والأبحاث المتخصصة في الاستخدام المسؤول للأرض، أندرو كينسلا، "لقد نمت مدننا التي يعود تاريخها إلى العصور الوسطى وتطورت على مدار مئات السنين ولم تصمم على الإطلاق لتلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين"، مشيرًا إلى أهمية العثور على حلول مبتكرة لم يتم التفكير فيها قبل 50 أو حتى 20 عامًا، حتى تستعيد المدن قدرتها على استيعاب التدفق السكاني المستمر.

يقول رئيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كارلو راتي، بأن مشاركة المجتمع في القرارات المصيرية لمدن المستقبل ستكون حاسمة ويرى أن هناك معركة قادمة بين الحكومات وأصحاب المصلحة الخارجيين وما يحتاجه المواطنون بالفعل

وتبعًا لذلك، يرى الخبراء أنه بفضل التكنولوجيا وأدواتها كالحوسبة السحابية والهواتف الذكية والشبكات عالية السرعة، سيتم إدارة المدن بالشكل المطلوب للتقليل من الازدحام المروري ومكافحة الجرائم والحد من الغازات الدفيئة وتعزيز التنمية الاقتصادية وتوفير المرافق الصحية والعامة الآمنة، فضلًا عن قدرتها في توفير خيارات نقل آمنة وبأسعار ميسورة. لكن الآلة وحدها وذكائها لن يستطيعان تنفيذ المهمة على أكمل وجه، دون إشراك المواطن وتبادل الأفكار معه حول تحقيق هذه الرؤية.

ونظرًا لذلك لن يتم إدارة وتنفيذ هذه الاستراتيجيات والأهداف من قبل مجلس المدينة أو البلدية فقط، وإنما سيكون المواطنون اللاعب الأكثر نشاطًا وفعالية في تحديد المبادرات وتقديم المداخلات التي تساعد المدن على التحسين من جودتها وصلاحيتها، استنادًا إلى احتياجاته وتطلعاته، وبناءً على أولوياته، وهو أمر أشبه بثورة ثقافية، فمن المتوقع أن يؤدي دمج المواطنين في الإدارة إلى تعزيز مفهوم الثقة والشفافية بين الإدارة المحلية والمواطن.

ولا شك أن هذه الأفكار قد تقابل بالاعتراض والمقاومة، على اعتبار أنها مضيعة للوقت ولا يوجد طاقم عمل لبذل المزيد من الجهد أو حتى خوفًا من تصادم مصالح الحكومات وتطلعات المواطنين، إلا أن الخبراء يرون أن مشاركة المواطن بجميع الإجراءات وبيانات النفقات، سيساعد البلدية على التخفيف من أعباء الأخطاء والمسؤوليات وسيفتح عينيها على خيارات أوسع لمعرفة أي الخطط الأفضل ملائمة لتوقعات واحتياجات المواطن، وذلك دون المخاطرة بالموارد المالية أو الطبيعية.

سيتم الاستغناء -إلى حد كبير- عن الاجتماعات العامة التقليدية وذلك لعدة أسباب، أهمها الوصول إلى المجموعات المستهدفة بشكل أسهل وأقل تكلفة

في الجهة المقابلة، يعتقد البعض أن مسألة المشاركة محسومة، إذ يقول رئيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كارلو راتي، بأن مشاركة المجتمع في القرارات المصيرية لمدن المستقبل ستكون حاسمة ويرى أن هناك معركة قادمة بين الحكومات وأصحاب المصلحة الخارجيين وما يحتاجه المواطنون بالفعل، ويقول: "إن المدن الذكية لن تشبه فوج الجيش الذي يسير على قدم وساق وفقًا لأوامر القائد"، وإنما ستكون أشبه بأسراب الطيور التي تستجيب للإشارات الاجتماعية للمضي في طريقها.

ما يعني أنه لن يتم إبقاء المواطن "في الظلام" أو إقصائه وتجاهل آرائه وتفضيلاته التي ستوفر الكثير من العناء والجهد، على اعتبار أنه أكثر العارفين بمشكلات بيئته والأقدر على تحديدها، ولذلك تعتبر مسألة المشاركة وحق التعبير أولوية في إدارة المدن في المستقبل، فهي أيضًا تؤكد على مبدأ المصلحة العامة. ولذلك، نجد أن الإدارات الحديثة ستستخدم المواطنين كمستشعرين أو مزودين للمعلومات من أجل تطوير نظام بيئي واجتماعي يرتكز بالأساس على تجربة الفرد الشخصية فيه.

ويؤكد ذلك كتاب "إدارة المدن بمشاركة سكانها، للكاتبة "كاترين فوريه"، فإن المؤلفة تشير إلى ضرورة تطبيق "ثقافة المشاركة" في إدارة المجتمعات العمرانية لتحقيق الشعور بالمسؤولية والانتماء إلى المكان، وإضفاء الطابع الديمقراطي على المدينة.

كيف سيشارك المواطن في إدارة المدن في المستقبل؟

ترى الرئيسة المشاركة في لجنة الفكر العالمي بجامعة كولومبيا والخبيرة في المدن الذكية، ساسكيا ساسين، أن طبيعة المدن وظروفها ترتبط عادةً بشكل وثيق بسلوك المواطنين ولا يمكن الاستغناء عن مشاركتهم في مجالس البلديات في المستقبل لسد الفجوات التي لطالما عانى منها سكان المناطق الحضرية بسبب غياب أصواتهم ورؤيتهم عن قرارات البلديات.

هناك العديد من الأشخاص الذين يشعرون بعدم الارتياح عند التحدث أمام العامة ويمكن أن تكون الرسائل النصية عبر هذه الوسائل الافتراضية بديلًا جيدًا لهم

ومن أجل تحقيق ذلك بميزانيات أصغر وموارد أقل، ستعتمد المدن في إدارتها على ما يسمى بـ"المواطنة الرقمية" التي تعني تبادل المعلومات والمشاركات الإلكترونية مع أفراد المجتمع عبر المناقشات العامة حول الاحتياجات المجتمعية، بما يتناسب مع الإمكانيات المالية والمتطلبات العصرية، ولتحقيق ذلك ستكون وسائل التواصل الاجتماعي أكثر الأدوات الرقمية شعبيةً واستخدامًا بين المواطنين الذين سيدعمون الحكومات المحلية بقراراتهم.

بمعنى آخر، سيتم الاستغناء -إلى حد كبير- عن الاجتماعات العامة التقليدية وذلك لعدة أسباب، أهمها الوصول إلى المجموعات المستهدفة بشكل أسهل وأقل تكلفة، إضافة إلى أن هذه المنصات عملية وسريعة مقارنة بغيرها، فمن خلالها يمكن تبادل المعلومات وإرسال الشكاوي والإبلاغ عن أنشطة ومشاريع البلدية الجديدة بصورة منتظمة ومسجلة، ما يقلل فرص ضياعها أو إهمالها.

عدا عن ذلك، فهناك العديد من الأشخاص الذين يشعرون بعدم الارتياح عند التحدث أمام العامة ويمكن أن تكون الرسائل النصية عبر هذه الوسائل الافتراضية بديلًا جيدًا لهم. كما أن عملية المراقبة والمحاسبة تكون أيضًا أكثر وضوحًا بين المواطنين، فمن خلال عرض أعمال البلدية يمكن للناس أن يستخدموا هذه المنصات كأداة للتقييم والمتابعة. بالجانب إلى مميزات أخرى، مثل استخدامها كأداة لتجميع المقترحات أو التصويت.

على سبيل المثال، إذا أرادت مدينة "سين" بدء مشروع جديد، يمكن للبلدية أن تطلب آراء مواطنيها قبل البدء لتفادي المشاكل المحتملة في المستقبل ومناقشة الجوانب المخفية، إذ تتمتع غالبية مواقع التواصل الاجتماعية بهذه الخاصية التي تسمح للمستخدمين بالتعبير عن آرائهم كتابةً أو ترجمتها إلى نسب مئوية.

ومن أجل تشجيع المواطنين على المشاركة والانضمام إلى المناقشات التي تتعلق بالخدمات التي يتلقونها، يرى الخبراء أن أفضل أسلوب هو تقديم حوافز للمواطنين الذين يتم تنفيذ أفكارهم، مثل تقديم تصاريح مجانية لأماكن وقوف السيارات أو تقديم خدمات مجانية لفترة معينة.

إن لم تستطع التكنولوجيا وأدواتها الوصول إلى الفئات المستهدفة من المجتمع -وهذا شبه مستحيل- فإن العديد من رؤساء البلديات حول العالم وموظفين الدوائر المحلية سيذهبون إلى باب المواطن لسؤاله عن رأيه

وبهذا الشكل، لن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي في إدارة المدن مجرد أداة اتصال، وإنما أداة صنع القرارات السريعة والفعالة والتي ستعتمد بشكل أساسي على أصوات جميع أعضاء المجتمع. وبالفعل، بدأت العديد من الدول في تقديم سلسلة من البرامج التدريبية لسكانها حتى يتمكنوا من فهم عملية التخطيط للأحياء الخاصة بهم وتحديد المشكلات وتشجيعهم على حلها على أساس أنهم أصحاب القرار تجاه كل ما يسير حولهم.

بالنهاية، وإن لم تستطع التكنولوجيا وأدواتها الوصول إلى الفئات المستهدفة من المجتمع -وهذا شبه مستحيل- فإن العديد من رؤساء البلديات حول العالم وموظفين الدوائر المحلية سيذهبون إلى باب المواطن لسؤاله عن رأيه، بدايةً حول مشاريع التنمية ومرورًا بنوعية الهواء وطرق تسليم القمامة، فاعتماد المدن على التكنولوجيا في تصميمها وإدارتها في المستقبل، لن يكون أكثر أهمية من إشراك المواطن في خططها المستقبلية.