ساعات وتدخل الجمهورية التركية في حالة من الصمت الانتخابي بعد أيام صاخبة من الدعاية الانتخابية بين مرشحي الهيئات المحلية، كان للرئيس التركي رجب طيب أردوغان حضوره البارز والمؤثر في أجندتها ومجرياتها، من خلال سلسلة من المهرجانات واللقاءات التليفزيونية التي وضع فيها الرئيس التركي ثقله الشعبي والجماهيري خلف مرشحي تحالف الشعب في مواجهة خصومه في تحالف الأمة، فلا يكاد يخلو أي محتوى دعائي من صورة وحضور الرئيس التركي.

فالانتخابات المحلية لم تأخذ طعم ورائحة الانتخابات البرلمانية فقط بل تعدتها لتكون أشبه بسباق رئاسي يقف فيه الرئيس أردوغان في مواجهة مرشحي الهيئات المحلية من أحزاب المعارضة الذين يتوجب عليهم ليس فقط منافسة أقرانهم من مرشحي الهيئات المحلية، بل ومنافسة صورة وحضور الرئيس التركي الذي جاب المحافظات والبلدات التركية.

المعارضة في مواجهة الرئيس.. 49 يومًا من الدعاية الانتخابية

بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جولته الانتخابية في 8 من فبراير الماضي بزيارة مدينة سيواس في الوسط التركي التي أقام فيها مهرجانه الانتخابي الأول، ليزور الرئيس التركي بعدها 57 محافظة و14 مقاطعة كان من ضمنها 11 محافظة من مناطق الشرق والجنوب الشرقي لتركيا التي تسكنها أغلبية كردية وينافس فيها حزب العدالة والتنمية حزب الشعوب الديمقراطية الكردي، إلى جانب ذلك شهدت مدينتي أزمير وإسطنبول وأنقرة مهرجانات انتخابية مركزية شارك فيها الرئيس التركي برفقة زعيم حزب الحركات القومية دولت بهشلي، إلى جوار ذلك شارك الرئيس في 9 مقابلات تليفزيونية ومثل هذا العدد في افتتاح مشاريع عامة، فيما اشترك حليف حزب العدالة والتنمية في تحالف الشعب زعيم حزب الحركات القومية دولت بهشلي في 12 مهرجانًا انتخابيًا في مدن تركية مختلفة.

صورة تجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع زعيم حزب الحركات القومية دولت بهشلي بالإضافة لمرشح مدينة إسطنبول عن تحالف الشعب بن علي يلدرم خلال المهرجان الانتخابي المركزي في مدينة إسطنبول 24 من مارس الماضي

وعلى صعيد تحالف الأمة بدأ زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كمال كليتشدار أوغلو حملته من مدينة باطمان في جنوب شرق تركيا حيث أقام مهرجانه الانتخابي الأول فيها في 27 من فبراير الماضي ليزور بعدها 25 محافظة، خمسة منهن برفقة زعيمة حزب الحسن ميرال أكشنار، في حين زار كليتشدار أوغلو مدينة إسطنبول 7 مرات، ومدينة أنقرة 4 مرات فيما زار مدينة بورصة 3 مرات، ومدينتي أنطاليا وهاتاي مرتين، وزارت حليفته في تحالف الأمة زعيمة حزب الحسن ميرال أكشنار 20 محافظة و55 مقاطعة.

 كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعوب الجمهوري برفقة ميرال أكشنار زعيمة حزب الحسن خلال مهرجان انتخابي مشترك لتحالف الأمة

قامت إستراتيجية الرئيس التركي في الدعاية الانتخابية على مستويين أساسيين: الأول دعم وإسناد مرشحي تحالف الشعب من خلال استخدام ثقله الشعبي والجماهيري في دعم مصداقية وصورة المرشحين، حيث شهدت مدينة أنقرة مشاركة فاعلة وقوية للرئيس التركي وذلك في ضوء خشية واضحة من خسارة المدينة حيث يظهر مرشح تحالف الأمة منصور يافاش تقدمًا في استطلاعات الرأي، الأمر الذي دفع الرئيس التركي وزعيم حزب الحركات القومية إلى تنظيم عدد من الفعاليات والأنشطة في العاصمة التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية منذ 16 عامًا، أما المستوى الثاني والأهم فهو العمل على توجيه الرأي العام وترتيب أولويات وأجندة السجال الانتخابي، فالحضور القوي والدائم لأعلى مستوى سياسي في البلاد ترك أثره على طبيعة الموضوعات التي تضمنها السجال الانتخابي ما بين الأحزاب التركية.

أثر الرئيس.. انتخابات محلية وقضايا وجودية

خلال الاجتماع الأول للرئيس التركي في مدينة سيواس في فبراير الماضي،  قام عدد من الحضور بالشكوى من ارتفاع مستوى الأسعار والبطالة، مطالبين الرئيس بإيجاد حلول لهذه الأزمة، رد الرئيس التركي على غير عادته بأسلوب عنيف مخاطبًا الجماهير قائلاً: "بينما نحن نحارب الإرهاب في جبال قنديل وجودي، تقولون لي أسعار الباذنجان والبطاطس، هل تدركون ما سعر الرصاصة الواحدة؟".

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقاء تليفزيوني

بهذه السردية واجه حزب العدالة والتنمية الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فعناوين مثل "قضية الوجود" و"محاربة الإرهاب" و"إقليم كردستان" و"من هو القومي" تمترس خلفها الرئيس التركي وتحالف الشعب في مواجهة سردية الأزمة الاقتصادية وآثارها التي عمل تحالف الأمة المعارض على إثارتها بشكل دائم ومهاجمة الرئيس وسياسته من هذا المنطلق.

وقامت إستراتيجية الرئيس التركي في تعامله مع "قضية الوجود" على مخاطبة فئتين أساسيتين: الأولى الشعب التركي عامة حيث يرى تحالف الشعب أن الدولة التركية تواجه تحديات وجودية تستهدف وحدتها وتماسكها، الأمر الذي يستلزم وجود قيادة قوية ومتماسكة تؤمن بالوطنية التركية لمواجهة هذه التحديات، وتقارب هذه السردية "الأزمة الاقتصادية" التي تمر بها البلاد كجهد مؤامراتي يستهدف إضعاف الدولة التركية، في حين ترى في تحالف وتقارب حزبي الشعب الجمهوري والحسن مع حزب الشعوب الديمقراطية الكردي تهديدًا لوحدة الدولة التركية.

لسنوات طويلة عانت الأحزاب التركية من آفة الشخصنة وارتباطها الوجودي بشخوص زعمائها ودوران حياتها بدورة حياتهم، بمعزل عن المؤسسات الحزبية

أما الفئة الثانية التي يخاطبها الرئيس التركي فهي ما كان يعرف بـ"الأتراك السود" التي تقوم بالدرجة الأساسية على سكان الأناضول المتدينين وسكان المدن التركية الكبرى من المهاجرين من مختلف مناطق الأناضول الذين عانوا لسنوات طويلة من تعسف الدولة التركية ونخبتها الحاكمة "الأتراك البيض"، وشكل هؤلاء الكتلة الحرجة التي ارتكز عليها حزب العدالة والتنمية في صعوده وبقائه في السلطة طيلة 16 سنة الماضية، التي استطاعت خلالها هذه الفئة تحقيق مكاسب ونقلات نوعية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أدت لتراجع سردية ومظلومية "الأتراك السود".

فقضايا مثل منع المحجبات من المشاركة والمساهمة في المجال العام ومنع مظاهر التدين العامة وسوء التوزيع والتنمية أصبحت في حكم الماضي لدى هذه الفئة، لكن الرئيس التركي لا يدخر جهدًا في تذكير هذه الشريحة بأن المكاسب التي حققتها في السنوات الأخيرة هي محط التهديد والخطر من قبل الشريحة الأخرى التي لم تتخل عن أفكارها الإقصائية والعدائية تجاه المعتقدات التي تحملها الفئات الأخرى، حيث استخدم حزب العدالة والتنمية عدد من الحوادث كمحاولة التشويش على صوت الأذن التي قامت بها مجموعة من المتظاهرات النسويات في ميدان تقسيم في ذكرى يوم المرأة، ومحاولة نزع حجاب سيدة تركية في مدينة أضنة وغيرها لتحشيد وتذكير هذه الفئة بالخطر الوجودي القائم عليها.

المظاهرة النسائية في ميدان تقسيم ومحاولة التشويش على صوت الأذان في مارس الماضي

ختامًا.. أزمة الحزب وحضور الشخص

تداول نشطاء أتراك مقطع فيديو لمسنة تركية قابلها مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في أثناء تجوله في أحد الأسواق الشعبية في منطقة سلطانبيلي في مدينة إسطنبول، بدأت المسنة بمهاجمة الأسعار المرتفعة والشكوى من حالة الغلاء، إلخ، إلى أن سألت إمام أوغلو إذا كان يتبع لأردوغان أم لا؟ وعندما أجابها بكونه من المعارضة، جاء رد المسنة بالاستهجان قائلة له إن لم تكن من حزب الطيب فسوف تخسر الأصوات، ليرد عليها: وماذا عن الغلاء الذي كنت تشكين منه قبل قليل؟ فقالت: هذا من الثلج وأردوغان ليس له أي علاقة!

جاءت تجربة حزب العدالة والتنمية في محاولة لتجاوز هذه الآفة في الحياة الحزبية التركية من خلال العمل على ترسيخ مؤسسات حزبية ذات قدرة وصول ونفاذ على المستوى السياسي والمجتمعي

لسنوات طويلة عانت الأحزاب التركية من آفة الشخصنة وارتباطها الوجودي بشخوص زعمائها ودوران حياتها بدورة حياتهم، بمعزل عن المؤسسات الحزبية التي دائمًا ما كانت في خدمة صورة هذا الزعيم وتعتاش على وجوده، فحزب الشعب الجمهوري فقد مكانته بعد وفاة زعيمه المؤسس مصطفى كمال أتاتورك (1938) رغم جهود بطل حرب الاستقلال عصمت إينونو لاستعادة دور الحزب، وتكرر الأمر ذاته مع الحزب الديمقراطي بعد إعدام قائده عدنان مندرس وإبعاد جلال بايار بعد انقلاب 1960، الأمر الذي أنهى حياة الحزب في السياسة التركية، وذات المصير لحق بحزب الوطن الأم بعد وفاة زعيمه تورجوت أوزال 1993.

وفي هذا الإطار جاءت تجربة حزب العدالة والتنمية في محاولة لتجاوز هذه الآفة في الحياة الحزبية التركية من خلال العمل على ترسيخ مؤسسات حزبية ذات قدرة وصول ونفاذ على المستوى السياسي والمجتمعي، لكن السنوات الأخيرة شهدت ابتعاد انسحاب عدد من القيادات التاريخية للحزب كعبد الله غول رئيس الجمهورية السابق ورئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو، بالإضافة إلى وزير الاقتصاد والخارجية السابق علي باباجان الذين بدأوا باتخاذ خطوات نحو تأسيس حزب سياسي جديد، في موازة ذلك شهد الحزب انزياح وتركز كبير للنفوذ والسلطة في يد الرئيس أردوغان الذي بات المتحكم الأول في قضايا الحزب والدولة خاصة بعد تعديل الدستور الأمر الذي أتاح للرئيس أن يكون رئيسًا للحزب والدولة في آن واحد، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب الأحزاب السياسية الأخرى.

من اليمين علي باباجان، عبد الله جول، أحمد داوود أوغلو

وعلى الصعيد العام أصبح من الطبيعي أن تفرق شرائح عديدة في المجتمع التركي بين الرئيس أردوغان كزعيم وطني، وحزب العدالة والتنمية بكوداره الحاكمة التي أصبحت محط انتقاد هذه الشرائح والفئات، فالحزب يقف أمام محك حقيقي يتعلق بقدرته على تقديم ما هو جديد للحياة السياسية التركية، فتجربة الحزب في الحكم والإدارة أصبحت مكثفة في صورة الرئيس أردوغان الذي يقترب من بلوغ سن 65، الأمر الذي يجعل من الاستحقاق الانتخابي الحاليّ والسنوات المقبلة النقطة الحرجة التي ستقدم  إجابة عن مستقبل الحزب الذي سيحكم تركيا لعام 2023.