في عام 2003 أطلق ستيف جوبز، مؤسس شركة آبل، برنامج آي تونز، الذي أصبح منبرًا عملاقًا قائمًا بذاته للموسيقى حتى الآن، وهو ما أحدث ثورة حينها في عالم الموسيقى والغناء، واليوم يبدوا أن ما يحدث للصحافة يشبه ماجرى منذ 16 عاما، حيث يسعى "فيس بوك" لأن يصبح آي تونز الصحافة والأخبار، وهو في طريقه لذلك بالفعل.

البداية كانت قبل أربعة أعوام حين أعلنت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، البدء في نشر محتواها على الفيس بوك بشكل مباشر، ليظهر الموضوع كاملًا ببساطة على شريط الأخبار الخاص بالمستخدم، هذه النقلة أثارت وقتها نقاشا جدليا حول دخول الشبكة الزرقاء عالم الصحافة وتداعيات ذلك على مستقبل الصحف.

وقبل عام تقريبًا أعلن مارك زوكربيرغ،  الرئيس التنفيذي لشركة فيس بوك، أن منصته ستحتوي على أخبار خاصة بها، دون أن يحدد تفاصيل ذلك، إلا أنه بالأمس صرًح وبشكل واضح أنه يريد إنشاء قسم في شبكته الاجتماعية مخصص حصريا “للأخبار عالية الجودة”، وأنه ربما يدفع للناشرين الذين يشاركون محتواهم فيه.

خطوة كهذه سيكون لها تداعيات كبيرة على مستقبل الصحف والمواقع الخبرية، خاصة وأن فيس بوك وحده يقوم بجلب حوالي ثلثي قراء المواقع الكبرى، حسبما قال جوستين سميث، المدير التنفيذي لشركة بلومبرج ميديا، الأمر الذي يشير إلى ارتدادات ربما تكون عكسية على المنصات الصحفية الأخرى حال دخول الشبكة الاجتماعية هذا المضمار بشكل رسمي.

قسم للأخبار عالية الجودة

في جلسة حوار جمعته مع ماثياس دوبفنر الرئيس التنفيذي لشركة “أكسل سبرينغر” أكبر دار نشر رقمي بأوروبا، أكد زوكربيرغ على تبني مقترح تدشين قسم خاص للأخبار يكون حصريا على فيس بوك فقط، ويتاح للمستخدمين عبر مختلف دول العالم، شريطة أن تتوفر في الأخبار المنشورة الجودة العالية والمصداقية الكبرى.

زوكربيرغ في شرحه للفيديو الذي نشره على صفحته الرسمية على فيس بوك كتب يقول “تحدثنا عن الدور الذي تلعبه الصحافة النوعية في بناء مجتمعات مُطلعة، والمبادئ التي ينبغي على فيسبوك استخدامها لبناء تبويب خاص للأخبار عالية الجودة، بما في ذلك نموذج الأعمال والنظام الإيكولوجي لدعمه”.

أما عن الميزة الجديدة المقرر منحها للشبكة المجتمعية أوضح “يمكن للمستخدمين الذين يريدون المزيد من محتوى الأخبار أن يفعلوا ذلك”، مضيفًا أن شركته يمكن أن تكون لها علاقة مباشرة مع الناشرين للتأكد من توفر المحتوى الخاص بهم، إذا كان محتوى عالي الجودة حقا”.

من الواضح أن فيسبوك يحاول البحث عن وسيلة ليصبح هو بشكل ما الصفحة للأم للإنترنت، أو بيتك الإلكتروني الذي تعيش فيه ثم تنطلق منه حيث شئت

وخاطب دوبفنر قائلا “هذا بالتأكيد أمر أعتقد أننا يجب أن نفكر فيه هنا، لأن العلاقة بيننا وبين الناشرين مختلفة من ناحية أننا نعرض المحتوى على اعتقاد منا بأنه محتوى عالي الجودة وجدير بالثقة”، فيما لم يذكر أي خطط لفرض رسوم على عملاء فيسبوك الذين يقرؤون القصص الأخبارية على الموقع، ويعتقد شخص على اطلاع على الموضوع بأن تبويب الأخبار سيكون مجانيا للمستخدمين، وقال في تصريح لموقع “ريكود” المعني بشؤون التقنية “ليس هذا مجال ربح بالنسبة لنا”.

وفي هذا الشأن أكد كذلك “نأتي إلى هذا من منظور مختلف تماما عما يعتقده بعض اللاعبين الآخرين في المجال الذين ينظرون إلى الأخبار باعتبارها وسيلة لزيادة عائداتهم.. هذه ليست بالضرورة الطريقة التي نفكر بها في هذا الأمر”.

يذكر أن إحدى استراتيجيات الفيس بوك مع ناشري الأخبار كانت تقوم على عدم دفع مقابل لهم نظير نشر المحتوى الخاص بهم، وبدلا من ذلك حاولت الشركة حث الناشرين على مشاركة محتواهم على الشبكة عبر زيادة حركة المرور على مواقعهم أو منحهم حصة من عائدات الإعلانات.

ويأتي مقترح زوكربيرغ في وقت يسعى فيه لتحسين صورته الخارجية لاسيما في أوروبا والولايات المتحدة بعد الانتقادات التي وجهت له بشأن بث مواد غير مناسبة وسرقة حسابات عملاء وبيعها لجهات ما، وكان مدير الشبكة الزرقاء طالب - في مقال سابق له-  قادة العالم بالمساعدة على إنشاء لوائح جديدة لتنظيم الإنترنت ومراقبة ما ينشر ويبث عليها من محتوى ضار.

الفيس بوك بديلا للصحف

المعمول به حاليا يقوم على نشر الصحف أجزاء من مقالاتها على فيس بوك، ثم تُحيل الزوار المهتمين إلى موقعها الأصلي، وسواء كان النشر بمقابل كمادة ممولة أو مجانا كمنشور عادي، فإن عمليات الدخول تذهب إلى موقع الصحيفة ومن ثم ترتفع مؤشرات القراءة وعليه تكون الإعلانات وأرباحها.

لكن النظام الجديد الذي يروج له زوكربيرغ سيكون بالكامل على فيس بوك، الخبر حصري على الشبكة، هي المالكة والمسوقة له، ومن ثم فلا دخول على المواقع الأخرى، وبالتالي سيؤدي لهبوط شديد في الإعلانات وتباعًا انخفاض في الأرباح، الأمر الذي ربما يدفع بعض المواقع للغلق أو تدشين اتفاقيات خاصة مع الشبكة الزرقاء لتزويدها بالأخبار الحصرية مقابل نسبة من الأرباح.

لا تستطيع الصحف الآن مقاومة فكرة جذب الملايين من زوار فيسبوك لتعزيز أعداد قرائها، ولكنها على المدى البعيد ستقلّص من استقلالية إدارة صُحُفها بشكل كبير لصالح فيسبوك

"من الواضح أن فيسبوك يحاول البحث عن وسيلة ليصبح هو بشكل ما الصفحة للأم للإنترنت، أو بيتك الإلكتروني الذي تعيش فيه ثم تنطلق منه حيث شئت، ولكن المشكلة للناشرين هي أنهم سيصبحون تحت رحمة إدارة فيسبوك مع الوقت، وكأنهم يستأجرون مكتبًا في مبنى يملكه مارك زوكربرج، كما أن كافة المعلومات ستكون بقبضة فيسبوك"، هكذا يقول ريتشارد سميث، مدير مركز الإعلام الرقمي في مدينة فانكوفر بكندا.

صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بدأت نشر محتواها على الفيس بوك بشكل مباشر قبل 4 أعوام

سيطرة الفيس بوك على الغالبية العظمى من قرًاء الصحف خلال السنوات الماضية، حتى وإن استغلته تلك الصحف قبل ذلك، إلا أنه اليوم بات سيفا على رقابها، ومن ثم وبعد الكشف عن القسم الجديد ذو الأخبار الحصرية عالية المصداقية بات مستقبل المواقع الصحفية في خطر.

بطبيعة الحال، لا تستطيع الصحف الآن مقاومة فكرة جذب الملايين من زوار فيسبوك لتعزيز أعداد قرائها، ولكنها على المدى البعيد ستقلّص من استقلالية إدارة صُحُفها بشكل كبير لصالح فيسبوك، وسيصبح فيسبوك لاعبًا جديدًا في عالم الصحافة بجانب لاعبين تقليديين كالساسة ورأس المال، كما سيُملي الموقع الحصة التي يرغب في الحصول عليها وسيضغط على الصحف بالطبع التي قد تعاني ماليًا.

ومن ثم فليس أمام تلك الصحف ألان سوى التعاطي مع هذا التطور بشيئ من الديناميكية، فإما أن تعزز من جمهورها عبر استراتيجيات جديدة عليها اتباعها تطور بها من مضامينها المقدمة بما يجذب المزيد من الزوار أو الانخراط في القسم الفيسبوكي الجديد بحيث تكون مزودا للأخبار مقابل الحصول على نسبة من الأرباح، خياران أحلاهما صعب.