تعدّ القراءة بصوتٍ عالٍ مع طفلك أو رضيعك شكلًا من أشكال المحادثة التي تساعد على تحسين التواصل بينكما

العديد من الأطفال في يومنا هذا ينظرون للكتب وكأنها مخصّصة للمدارس والامتحانات فقط على الرغم من أنّ العديد من الدراسات المتتالية قد أثبتت بالفعل أنّ القراءة هي مهارة أساسية في الحياة لا ينبغي أبدًا التقليل من أهمّيتها في نموّ وتطوّر الطفل على المستويات المعرفية والإدراكية طوال مراحل حياته.

يجهل الكثير من الآباء أنّ واحدة من أهمّ الأشياء التي يمكنهم القيام بها وتقديمها لأطفالهم هي القراءة معهم بصوتٍ عالٍ بدءًا من مراحلهم الأولى عندما يكونون حديثي الولادة وغير قادرين على التحدّث والكلام، استمرارًا إلى ما بعد السنين التي يصبحون فيها قادرين على القراءة بأنفسهم. وبشكلٍ عام، تُخبرنا الدراسات أنّ القراءة المبكّرة مع الأطفال تساعدهم على تطوير القدرة على الكلام والتفاعل والتواصل مع من حولهم، إضافةً إلى القدرة على القراءة المبكّرة مقارنةً بالأطفال الذين لا يقرأون أبدًا.

فجوة المليون كلمة

واحدة من الدراسات الحديثة التي نُشرت قبل أيّام في مجلّة طبّ الأطفال التنموية والسلوكية كشفت أنّ الأطفال الصغار الذين يقرأ آباؤهم لهم خمسة كتب في اليوم سيدخلون الحضانة أو رياض الأطفال بعد أنْ سمعوا  1.4 مليون كلمة أكثر من الأطفال الذين لم يُقرَأ لهم قط. وقد وصفت جيسيكا لوغان، المساعدة الرئيسية في الدراسة، هذا الفرق بين عدد الكلمات بفجوة المليون كلمة، التي يمكن أنْ تكون مفتاحًا في تفسير العديد من الاختلافات في تطوير مهارات الطفل الإدراكية في القراءة والمفردات.

كشفت دراسة أنّ الأطفال الصغار الذين يقرأ آباؤهم لهم يوميًّا سيدخلون الحضانة أو رياض الأطفال بعد أنْ سمعوا 1.4 مليون كلمة أكثر من الأطفال الذين لم يُقرَأ لهم قط.

وفي السياق نفسه، فإنّ الأطفال الذين يقرأون كتابًا واحدًا فقط في اليوم فسوف يسمعون حواليْ 290 كلمة إضافية بحلول عامهم الخامس مقارنةً بالأطفال الذين لا يقرأون بانتظام مع والديْهم أو أيٍّ من البالغين في العائلة. وبحسب الدراسة، فإنّ سماع الأطفال لهذا القدر من الكلمات في مرحلةٍ مبكّرة يمكن أنْ يساعدهم في اكتساب مهارات القراءة بسرعة وسهولة أكبر.

اختار القائمون على الدراسة عددًا من الكتب العشوائية والمصوّرة التي تحتوي على 140 كلمة في المتوسط، وعددًا آخر من الكتب المصوّرة التي تحتوي على 228 كلمة. ثمّ قام الباحثون بحساب عدد الكلمات التي يمكن للطفل أن يسمعها منذ ولادته وحتى عيد ميلاده الخامس على افتراض أنّ الأطفال سيقرؤون النوع الأول من الكتب خلال سنواتهم الثلاث الأولى والكتب المصوّرة في العامين التاليين، وأنّ كل جلسة قراءة  سوف تشمل كتابًا واحدًا.

استنادًا إلى تلك المعطيات، يكون الطفل الذي لم يقرأ أيًّا من الكتب قد استمع 4662 كلمة في الوقت الذي يصل فيه إلى عامه الخامس. الطفل الذي يقرأ مرةً واحدة أسبوعيًا يسمع 29660 كلمة. فيما يستمع الطفل الذي يقرأ مرتين أسبوعيًا إلى 63570 كلمة. والطفل الذي يقرأ ما بين ثلاث لخمس مرّات في الأسبوع يسمع 169.520 كلمة. أمّا أولئك الذين يقرأون خمسة كتب في اليوم فيستمعون لأكثر من مليون و400 ألف كلمة.

تُحدث القراءة تغييرات فعلية في دماغ الطفل تستمرّ لبضعة أيّام، لا سيّما في منطقة القشرة الحسية الجسدية والتي تعمل بدورها على تعزيز الخيال والإبداع.

أكثر من مجرّد حصيلة مفردات

تركّز معظم الدراسات على أنّ قراءة الوالديْن مع أطفالهم تؤدي للعديد من الآثار الإيجابية في تحسين القدرات اللغوية والإدراكية والسلوكية، إلا أنّ القليل منها يركّز على أثر القراءة على الدماغ. توصّلت إحداها إلى أنه عندما نقرأ مع أطفالنا بصوتٍ عالٍ، يتمّ تنشيط مناطق الدماغ في جانبه الأيسر والمرتبطة بالمعالجة الدلالية والفهم السرديّ.

القراءة بصوتٍ عالٍ للرضيع أو الطفل تنشّط مناطق الدماغ المرتبطة بالمعالجة الدلالية والفهم السرديّ للكلمات والمفردات

والمعالجة الدلالية هي ترميز الكلمة بعد سماعها من خلال استخراج معناها وربطها بكلمات أخرى ذات معاني متشابهة أو متضادّة. وبمجرّد سماع الكلمة وإدراكها، يتمّ تمثيلها عقليًّا ووضعها في سياق يسمح بمعالجتها بشكلٍ أكثر عمقًا. كما تساعد المعالجة الدلالية على تنشيط الذاكرة وتحسين قدراتها.

ومن هنا، نستطيع فهم الأثر الذي تحدثه "فجوة الكلمات" التي توصّلت إليها الدراسة التي ذكرناها سابقًا. كما تساعد القراءة في تعزيز خيال الطفل وفتح عقله أمام إمكانيّات وأفكار جديد تساعده على تجربة العالم وتحليله من منظورات مختلفة ومتنوّعة. وقد توصّلت دراسة إلى أنّ القراءة للطفل تحسّن من وظائف الدماغ والتواصل بين أجزائه. فقد أظهرت واحدة من الدراسات التي أجرتها جامعة إيموري أنّ القراءة تُحدث تغييرات فعلية في الدماغ تستمرّ لبضعة أيّام، لا سيّما في منطقة القشرة الحسية الجسدية والتي تعمل بدورها على تعزيز الخيال والإبداع.

لماذا يعدّ التبكير بالقراءة مهمًّا لهذه الدرجة؟

تمكّن القراءة الأطفال الرضّع والصغار من استيعاب الكلمات المألوفة بسرعة أكبر ومن ثمّ تركيز اهتمامٍ أكبر على الكلمات التالية في الجمل التي يسمعونها سواء أثناء القراءة أو الحديث. بمعنى آخر، يستفيد الأطفال من كلّ تجربة لفظية يسمعونها، فهي تعزّز لديهم المفردات والذاكرة العاملة والتفكير المنطقي واستخدامهم للخيال، ما يجعلهم أكثر استعدادًا لتلقّي الجمل أو الكلمات التالية وترميزها وفهمها.

وقبل كلّ شيء، تعدّ القراءة بصوتٍ عالٍ مع طفلك أو رضيعك شكلًا من أشكال المحادثة والحوار التي تساعد على تحسين التواصل بين الوالديّن وطفلهما وتعزيز الثقة بينهم، لا سيّما في الوقت الذي يقضي فيه الوالدان معظم يومهما في العمل وخارج المنزل، ما يجعل من قراءة كتاب أو قصة قصيرة مصوّرة لطفليهما نهاية اليوم فعاليةً جيّدة تعود بالنفع على الطفل وتطوّره المعرفيّ والإدراكيّ من جهة، وعلى علاقته بوالديْه وتواصله معهما من جهةٍ ثانية.