بعد أن أُغلقت صناديق الاقتراع وفرزت أصوات الناخبين الإسرائيليين، التي أظهرت قوة معسكر اليمين المتطرف برئاسة بينيامين نتنياهو، باتت ملامح المشهد السياسي أكثر تعقيدًا وغموضًا، وقُلبت الكثير من الأوراق التي سيدفع الفلسطينيون ثمنها غاليًا.

الحكومة التي ينوي نتنياهو تشكيلها وسترى النور خلال أيام قليلة ستكون متطرفة بامتياز، لاعتماده المطلق على الأحزاب المتطرفة التي دائمًا ما كانت تدعو لقتل الفلسطينيين، وتهويد الأقصى والسيطرة المطلقة على القدس والضفة المحتلين، وتشريع القوانين العنصرية.

السؤال الكبير الذي يُسيطر على المشهد، كيف سيقود نتنياهو "إسرائيل"؟، وإلى أين سيوصلها؟، في ظل الملفات الحساسة المطروحة في الساحة وأبزرها التطبيع مع الدول العربية، والقدس والضفة، ومصير قطاع غزة، وقد يكون الملف الأبرز "صفقة القرن" الأمريكية.

النتائج أظهرت أن معسكر اليمين بقيادة نتنياهو، يحصل على 65 مقعداً من أصل 120 مقعداً، مقابل 55 مقعداً للمعسكر المضاد؛ منها 10 مقاعد للقائمتين العربيتين

وحسمت نتائج الانتخابات الإسرائيلية بعد ليلة من التضارب واكتسح اليمين المتطرف الكنيست، وبعد توزيع مقاعدها على الخريطة الحزبية، يتضح أن نتنياهو، يتجه لتشكيل حكومته الخامسة، ليصبح صاحب أطول فترة حكم في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، وحصد حزب "الليكود" برئاسة نتنياهو، في الانتخابات البرلمانية، الثلاثاء، 35 مقعداً، فيما خسر معسكر اليمين بقيادة خصمه الجنرال بني غانتس، الفرصة لبناء كتلة مانعة من 61 مقعداً، تحول دون تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة القادمة.

المرحلة الأخطر على الفلسطينيين

النتائج أظهرت أن معسكر اليمين بقيادة نتنياهو، يحصل على 65 مقعداً من أصل 120 مقعداً، مقابل 55 مقعداً للمعسكر المضاد؛ منها 10 مقاعد للقائمتين العربيتين: الجبهة والعربية للتغيير وتحالف التجمع والقائمة العربية الموحدة، واللتين لا تحسبان في معسكر الوسط، وتعتبران خارج أي كتلة حاسمة ضد نتنياهو.

ويعتبر نجاح اليمين نتيجة طبيعية لتطرف المجتمع الإسرائيلي، خاصة أن نتنياهو استطاع أن يستميل كتلا اجتماعية مهمة ويستفيد منها في كسب المزيد من الأصوات مثل المتدينين، الشرقيين، المهاجرين الروس، والمستوطنين.

سياسيون ومختصون بالشأن الإسرائيلي، أجمعوا أن القادم في ظل حكومة نتنياهو المتطرفة الجديدة سيكون أكثر قسوة وخطورة ودموية على الفلسطينيين وتقويض فرص "حل الدولتين" وإجهاض عملية السلام، وفي المقابل ستُفتح الأبواب وتوزع عليها الورود لدخول الدول العربية التي تلهث خلف التطبيع وتوطيد علاقاتها مع "إسرائيل".

نتنياهو تغلب على منافسيه

أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية،صائب عريقات، قال إن الرئيس محمود عباس سيعقد خلال الأيام المقبلة عدة اجتماعات مع القيادة، وسيتركز جدول أعمالها حول تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي، وتحديدا فيما يتعلق بتحديد العلاقات مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي.

وأكد أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، أظهرت بوضوح أن الناخب الإسرائيلي صوت لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه وصوت لاستمرار الاحتلال، والتفرقة العنصرية، والتنافس من خلال من هو الطرف الإسرائيلي الذي يستطيع الاستمرار بالوضع القائم، لكن بكلفة أقل.

فيما اعتبر بسام الصالحي، أمين عام حزب الشعب الفلسطيني، تقدم نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية هو نتاجٌ للتطرف والعنصرية والفساد لدى دولة الاحتلال، موضحًا أن نتنياهو سيكمل المشروع الذي بدأه بإنهاء الدولة الفلسطينية وضم الضفة والأغوار ومحاصرة غزة، ناهيك عن السعي لتكريس الانفصال بين شقي الوطن؛ مُستفيداً من الانحياز الأمريكي له ولسياساته بُغية إنهاء منظمة التحرير كمثل شرعي ووحيد لشعبنا وتصفية القضية الفلسطينية.

بيد أن حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، أشارت إلى أن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، تتطلب صياغة استراتيجيات ووضع خطط ترتقي إلى مستوى الخطر الذي يهدد القضية الفلسطينية برمتها، تقوم على تمكين الشعب الفلسطيني واستمراره في مواجهة هذه التحديات والبقاء والصمود على أرضه، أولها وأهمها إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية ومنع الفصل النهائي لقطاع غزة عن الضفة الغربية.

نظرة تحليله أكثر عمقًا وقربًا من الواقع يؤكد المختص في الشؤون الإسرائيلية د.عدنان أبو عامر، أن التأثيرات المتوقعة لهذه النتائج، على الوضع الفلسطيني، لن تشهد تغييرات جذرية، بل هو استكمال للسياسات القائمة حاليًا

قالت إن "نتائج الانتخابات الإسرائيلية أكدت على الإمعان في تفشي العنصرية والتطرف، وان الناخب الإسرائيلي اختار السياسة الراهنة القائمة على القتل والضم والسرقة واضطهاد الشعب الفلسطيني وانتهاك حقوقه ومقدراته".

وأضافت  نتنياهو سيواصل أجندته المتطرفة والعسكرية مستندا إلى الدعم الأعمى من قبل الإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب الذي لم يتوانَ عن مساندة حليفه وتمكينه من الفوز على حساب الحقوق الفلسطينية باتخاذه قرارات مجحفة وغير مسئولة.

تأثير الانتخابات الإسرائيلية

وبنظرة تحليله أكثر عمقًا وقربًا من الواقع يؤكد المختص في الشؤون الإسرائيلية د.عدنان أبو عامر، أن التأثيرات المتوقعة لهذه النتائج، على الوضع الفلسطيني، لن تشهد تغييرات جذرية، بل هو استكمال للسياسات القائمة حاليًا، مع بعض التفاصيل.

وأردف أبو عامر "الضفة الغربية ستشهد مزيدا من فتح شهية إسرائيل على مزيد من الضم والقضم، ولن يكون هناك تواصل جغرافي لإقامة دولة فلسطينية"، مشيرًا إلى أن الوضع في قطاع غزة سيبقى على ما هو قائم عليه حتى إشعار آخر مع استمرار التفاهمات الإنسانية الحالية، أو بعض العمليات الموضعية، دون إحداث انقلاب في المشهد.

وحول قراءته لنتائج الانتخابات، أكد المختص في الشأن الإسرائيلي مأمون ناصر، أن "هناك تحديات خطيرة توجه الموضوع الفلسطيني تقوم على عدة محاور"، موضحًا أن "نتنياهو سيسعى إلى تثبيت نظرية أن الموضوع الفلسطيني ليس الأهم بالنسبة للعرب، وأن بإمكانه المضي قدما في التطبيع مع الدول العربية وإقامة علاقات رسمية معهم دون حل القضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية".

الناخبين الإسرائيليين قالوا نعم للعنف ولا للسلام

وهذا يعني -بحسب ناصر-، أن "حلم الدولة الفلسطينية سيتبخر مع إعلان نتنياهو البدء بضم المستوطنات في الضفة، وربما يذهب أبعد من ذلك بضم مناطق "C" التي تبلغ مساحتها نحو 60 بالمائة من الضفة الغربية المحتلة، وهذا يعني من الناحية العملية إنهاء إمكانية إقامة دولة للفلسطينيين في الضفة".

وذكر أنه "مع وجود كتلة يمنية صلبة، سيكون من الصعب التفكير بتقديم تنازلات في الضفة الغربية بشكل عام وفي القدس بشكل خاص".

الانتخابات كانت استفتاء من قبل الإسرائيليين على العنصرية والتطرف والقتل والتصعيد الذي منح لنتنياهو، وتبقى الأيام المقبلة تحمل الكثير من الخفايا في تفاصيلها للفلسطينيين

وأما بشأن قطاع غزة، نوه المختص أنها "ستترك وتكون تحت ضغط الحاجة، بعد الإجراءات الاقتصادية التي فرضتها السلطة بهدف إضعاف حركة حماس، والتي أدت في المحصلة إلى تعزيز التوجه نحو  فصل غزة عن الضفة، وهو ما أقر به نتنياهو شخصيا".

وقدّر أن "الأوضاع ستكون صعبة، وسيلعب نتنياهو لعبة تفتيت الجبهات من خلال التلويح بغزة، عبر رفع العقوبات عن طريق التسهيلات وفي نفس الوقت سيمارس سياسة الضم في الضفة الغربية المحتلة".

الانتخابات كانت استفتاء من قبل الإسرائيليين على العنصرية والتطرف والقتل والتصعيد الذي منح لنتنياهو، وتبقى الأيام المقبلة تحمل الكثير من الخفايا في تفاصيلها للفلسطينيين.. ويبقى السؤال الأكبر إلى أين سيقود نتنياهو دولته المتطرفة؟ وماهي المفاجئة التي يخبئها للفلسطينيين والعرب؟