لم يظهر اهتمام التكنولوجيا في صحة المرأة سوى في السنوات الأخيرة، حين بدأت رؤوس الأموال الاستثمارية بضخ أموالها في التطبيقات الإلكترونية المصممة لتتبع صحة المرأة ولياقتها البدنية، وتحديدًا كل ما يخص مرحلة الحيض والحمل والولادة والحياة الجنسية، ما أدى إلى ظهور مصطلح "Femtech" في عام 2016 لوصف جميع هذه المنتجات التقنية.

قبل 5 سنوات تقريبًا، لم يتعدى تمويل هذه الصناعة أكثر من 100 مليون دولار، وبحلول عام 2016 لم تتوقف الاستثمارات والصفقات التجارية عن توجيه أموالها إلى الشركات والمشاريع الناشئة المهتمة بهذا القطاع، فمع تمثيل النساء حوالي 49.5% من سكان العالم وتوليها نفقات الرعاية الصحية المنزلية بنسبة 80%، لم تترك هذه الإحصائيات أي شك لرواد الأعمال بالفشل أو الخسارة، ولكن بالرغم من انتشارها إلا أنها لم تحقق الفائدة التي تنتظرها النساء.

حين أصبحت الصحة الجنسية والإنجابية للمرأة فرصة تجارية كبيرة

على مر التاريخ، كانت صحة المرأة الجزء المهمل في الأبحاث والعلاجات الطبية حتى عام 1993 عندما بدأت المرأة في المشاركة والإنتاج بقوة في هذا المجال، ولكن حضورها لم يكن بالقدر الكافي، فعلى الرغم من التوقعات التي تشير إلى أن حجم سوق التطبيقات النسائية سوف يصل إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2025 إلا أنه ليس من الصعب التخمين بأن مصممي ومبرمجي هذه المنصات هم الرجال.

إذ يبدو ذلك جليًا من خلال الرموز والأيقونات والخلفيات الوردية المستخدمة وغيرها من الأشكال التي تعزز المفاهيم السلبية حول طبيعة المرأة البيولوجية مثل استخدام مصطلح "مشهد الجريمة" لدلالة على بدء فترة الحيض أو من خلال استخدام عبارات قاسية مع المستخدمات اللواتي واجهن مشاكل في إكمال مرحلة الحمل، إذ تقول إحدى المستخدمات أنها استلمت بريد إلكتروني بعنوان "طفل لن يكون لديكِ أبدًا"، بعد أسابيع من خسارتها لجنينها، ما يعني أن هذه التطبيقات غالبًا ما تتعامل بشكل آلي مع مستخدميها دون أن تراعي الحالة أو الظرف النفسي الذي يمرون به والذي يكون مرتبطًا إما بفترة اكتئاب أو قلق.

تطبيقات الخصوبة والدورة الشهرية هي من الأكثر الأدوات الرقمية تزايدًا، ففي عام 2017 زاد عددها بنسبة 25% وكان هناك حوالي 325 ألف تطبيقًا

بالجانب إلى هذه التعبيرات السلبية، كشفت بعض التطبيقات عن نقص معرفتها بطبيعة المرأة واحتياجاتها التي تمر بها في كل مرحلة من مراحل حياتها وتركيزها على الخصوبة، كما حدث مع تطبيق "جلو" الذي تم تأسيسه في عام 2013 وركز في خصائصه على مرحلة الحمل، إذ كانت خياراته هي تجنب الحمل أو محاولة الحمل أو علاجات الخصوبة، والتي افترضت أن المستخدمة تتعب دورتها الشهرية إما للحمل أو لتجنب حدوثه، وهذه الافتراضات مزعجة جدًا، فهي تخبر النساء المصابات بالعقم أو غير المهتمات بالإنجاب أو غير النشيطات جنسيًا بطريقة غير مباشرة بأنهن لسن نساء.

أدى ذلك إلى إضفاء شعور بعدم الراحة بالنسبة للنساء اللواتي لا يرغبن الإنجاب وإنما يرغبن في تعقب فترات الدورة الشهرية غير المنتظمة وما يصاحبها من حالات مزاجية وتغيرات مختلفة، مع العلم أن تطبيقات الخصوبة والدورة الشهرية هي من الأكثر الأدوات الرقمية تزايدًا، ففي عام 2017 زاد عددها بنسبة 25% وكان هناك حوالي 325 ألف تطبيقًا، ومن المتوقع أن يبلغ حجم سوق التطبيقات الصحية النسائية بشكل عام 50 مليار دولار بحلول عام 2025، ويُقال أن هذا النوع من التطبيقات هو الرابع من ناحية الشعبية بين البالغات والثاني بين المراهقات.

الفجوة الرقمية بين المرأة والرجل

وفي المقابل، تتجاهل تطبيقات تتبع اللياقة البدنية موضوع الحمل واحتمالية أن تكون مستخدماتها مقبلين على هذه المرحلة أو يمرون فيها أو مروا فيها مسبقًا، بمعنى أنها لا تراعي التغيرات الجسدية المتعلقة بالنشاط والوزن والعوامل الأخرى في هذه المرحلة، كما أنها لا تضيف مقاييس الذكاء الخاصة بالإجهاض وأسبابه. وبطبيعة الحال لا يمكن توقع خدمة أفضل دون تمثيل أكبر للمرأة في قطاع التكنولوجيا.

تشكل النساء نسبة 20% أو أقل من الموظفين في شركات التكنولوجيا، كما أن وجود المرأة في المراكز المهنية الإدارية أو التنفيذية قليل جدًا، إضافة إلى قلة التمويل التي تمنح للنساء للاستثمار في مجال التكنولوجيا.

فبحسب مركز "ماكينزي"، تشغل النساء 11% فقط من المناصب التنفيذية في شركات وادي سيليكون ويملكن 5% من الشركات الناشئة، كما تلقت النساء أقل من 3% من إجمالي التمويل للمشاريع الناشئة. وفي استطلاع آخر، تم البحث في أكثر من 6 آلاف شركة و180 ألف موظفًا و15 ألف مؤسسًا، ووجد أن إجمالي الرجال يمتلكون 91% من أسهم الموظفين والمؤسسين في الوادي، ما يترك للمرأة نسبة لا تزيد عن 9%، وهي نسب ضئيلة جدًا وتبرر لنا لم فشلت التكنولوجيا الصحية في سد احتياجات المرأة بشكل شامل.

مؤشر آخر على قلة عدد النساء في مجال التكنولوجيا، في مقال نشره موقع "يو إس إيه توداي" يقول إن 7 من كل 10 موظفين في شركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل وفيسبوك من الرجال، وتشكل النساء نسبة 20% أو أقل من الموظفين، كما أن وجود المرأة في المراكز المهنية الإدارية أو التنفيذية قليل جدًا، إضافة إلى قلة التمويل التي تمنح للنساء للاستثمار في مجال التكنولوجيا.

في الخاتمة، إذا أردنا أن ننظر إلى نصف الكأس الممتلئ، فلقد ساعدت هذه التطبيقات النساء على تقليل الشعور بالحرج وجعلتهن أقل خجلًا وأكثر قوة في مشاركة المحرمات الاجتماعية حول جسدها وصحتها، من الحيض إلى اكتئاب ما بعد الولادة والرضاعة، لكنها تحتاج إلى تعديل نظرتها الاجتماعية للمرأة والحد من تحيزاتها الجنسانية حتى لا يتم حصر المرأة في الصحة الإنجابية والجنسية المشحونة بالكثير من العواطف والتعقيدات التي تتطلب نظرة أوسع وأدق للفروق الفردية والظروف الشخصية والاختلافات البيولوجية.