قبل نحو عشرة أيام، بدأ اللواء المتقاعد خليفة حفتر بإيعاز من دول عربية وإقليمية عملية عسكرية، بهدف ما سماه تحرير طرابلس من الجماعات الإرهابية، حملة عسكرية كشف خلالها الدور الفرنسي "المشبوه" في ليبيا ودعمها المتواصل لقوات الكرامة المتهمة بارتكاب جرائم حرب والتسبب بأزمة إنسانية خانقة في العاصمة طرابلس، رغم نفي باريس ذلك في أكثر من مرة وادعائها الحياد.

السترات الصفراء في طرابلس

الدعم الفرنسي لحفتر، جعل مئات الليبيين يخرجون في مظاهرة، في العاصمة طرابلس وهم يرتدون السترات الصفراء، للتنديد بـ"الدعم" الفرنسي لقوات خليفة حفتر الذي يقود عمليات عسكرية ضد العاصمة الليبية.

وجاء اختيار ارتداء السترات الصفراء تأسيًا بحركة "السترات الصفراء" في فرنسا التي تخوض احتجاجات ضد السياسة المالية والاجتماعية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منذ نهاية السنة الماضية في العديد من المدن الفرنسية على رأسها العاصمة باريس.

كشفت الحملة العسكرية لحفتر ضد طرابلس التي بدأت في الـ4 من أبريل/نيسان الحاليّ، حجم الدعم الفرنسي الكبير لحفتر الذي لا يعترف بشرعية حكومة الوفاق الوطني

رفع المتظاهرون الذين تجمعوا في "ساحة الجزائر" بقلب العاصمة طرابلس لافتات كتب عليها: "يجب أن تتوقف فرنسا عن دعم متمردي حفتر في ليبيا" و"فرنسا توفر الأسلحة للمتمردين من أجل النفط"، وشعارات أخرى، كما دعوا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي تدعم العدوان، في إشارة إلى هجوم حفتر.

مؤشرات ميدانية

خروج الليبيين إلى الشوارع رفضًا للسياسة الفرنسية في بلادهم، جاء بعد تأكدهم من الدور المشبوه لباريس في ليبيا، والدعم الكبير الذي تقدمه السلطات الفرنسية للواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يسعى إلى احتلال العاصمة طرابلس وباقي الغرب الليبي لخدمة أجندته وأجندة الدول الداعمة له.

وكشفت الحملة العسكرية لحفتر ضد طرابلس التي بدأت في الـ4 من أبريل/نيسان الحاليّ، حجم الدعم الفرنسي الكبير لحفتر الذي لا يعترف بشرعية حكومة الوفاق الوطني، ويدعو إلى استبعاده من العمل السياسي في البلاد ووضع البلاد تحت إمرته.

وفي آخر مؤشر على هذا الدعم، مصادرة السلطات التونسية أسلحة وذخائر ينقلها أوروبيون بينهم فرنسيون على الحدود بين ليبيا وتونس، وفق وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي، وأوضح الزبيدي في تصريحات صحافية أن مجموعة أولى من 11 شخصًا آتين من ليبيا بجوازات سفر دبلوماسية، حاولت دخول تونس عن طريق البحر على متن زورقين، ورصدها الجيش التونسي ولاحقها وصولاً إلى سواحل جربة (جنوب شرق).

ولفت عبد الكريم الزبيدي، في تصريح، إلى ضبط أسلحة وذخائر أخرى بين أيدي مجموعة ثانية من 13 فرنسيًا كانوا يتنقلون "تحت غطاء دبلوماسي" على متن ست سيارات رباعية الدفع عبر الحدود البرية التونسية الليبية، وتمت عملية الضبط عند معبر رأس جدير (أبرز نقاط العبور بين البلدين)، فيما قالت السفارة الفرنسية في تونس إن الأفراد الفرنسيين الذين جرى اعتقالهم هم عناصر فريق أمني كان مكلفًا بتأمين السفارة الفرنسية في ليبيا.

معبر رأس الجدير الحدودي بين تونس وليبيا

قبل أيام قليلة، كشف موقع عربي 21، وفق مصدر عسكري، وجود مستشارين فرنسيين قرب العاصمة الليبية طرابلس، وبحسب المصدر، فإن مجموعة من المستشارين الفرنسيين موجودون في مدينة غريان التي تبعد عن العاصمة طرابلس 75 كيلومترًا. وعن مهمتهم، أوضح أنهم موجودون لتقديم المشورة لقوات حفتر التي تشن حملة عسكرية على العاصمة، مضيفًا أنهم يستعينون بطائرات درونز لتقييم الأوضاع الميدانية.

وربط ليبيون، المسلحين الذين اجتازوا الحدود التونسية مؤخرًا، بالفريق العسكري الفرنسي الذي يدعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر انطلاقًا من مدينة غريان، خاصة أن السفارة مغلقة والسفيرة الفرنسية لدى ليبيا تمارس نشاطها من تونس، وأكد هؤلاء أن فرنسا تسعى إلى إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة غريان مدعومة بأجهزة حديثة، حتى تتمكن ميدانيًا وتفرض وجودها هناك، بغض النظر عن دعمها لحفتر من عدمه.

تقول صحفية تليغراف البريطانية في تقرير لها، إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أقر سرًا حملة عسكرية للإطاحة بالحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس عشية مؤتمر السلام الدولي، وأوضحت الصحيفة في تقريرها أن الرئيس الفرنسي يعمل بفاعلية في تحالف مع روسيا والسعودية ضد الإجماع الدولي، متحديًا بذلك الأمم المتحدة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.

تسعى باريس من خلال الدعم السخي لحفتر إلى فرض نظام عسكري في ليبيا يمكنها من استعادة مكانتها هناك

قبل ذلك، عرقلت فرنسا بيانًا للاتحاد الأوروبي يدعو خليفة حفتر إلى وقف الهجوم على طرابلس، وكانت مسودة البيان ستنص على أن الهجوم العسكري بقيادة حفتر على طرابلس "يعرض للخطر السكان المدنيين ويعرقل العملية السياسية ويهدد بمزيد من التصعيد الذي ستكون له عواقب وخيمة على ليبيا والمنطقة بما في ذلك التهديد الإرهابي".

جاء ذلك، مع تأكيد وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، أن "الحكومة الإيطالية، تدرس ما إذا كانت فرنسا متورطة في المواجهات الجديدة التي تشهدها ليبيا، وتدعم بعض الأطراف في البلد"، وحذر سالفيني في مقابلة إذاعية، من أن هناك من يمارس لعبة الحرب من أجل مصالح اقتصادية وأنانية وطنية، مضيفًا "حين يكون هناك حديث عن صواريخ وقصف على مطارات، فهذا يعني أن هناك خطرًا على الإيطاليين الذين يعملون هناك".

وعند سؤاله فيما إذا كان يشير إلى فرنسا، أجاب سالفينى الذي يشغل منصب نائب رئيس الوزراء "يبدو واضحًا لي أن من لديه مصلحة في زعزعة استقرار المنطقة، وقام بذلك بالفعل في السنوات الماضية من أجل المصالح الاقتصادية وليس من أجل حقوق الإنسان، هو خارج حدود إيطاليا".

دعم متواصل

الدعم الفرنسي لحفتر لم يبدأ خلال العملية العسكرية الأخيرة، إنما انطلق منذ عودة حفتر من المنفى سنة 2011، ودعمه سنة 2014 عند إعلانه الانقلاب على المؤسسات الشرعية في البلاد، وسبق أن تحدثت تقارير إعلامية واستخباراتية عدة عن دور فرنسي مشبوه في دعم قوات حفتر، والمشاركة في عمليات عسكرية ضد فرقاء ليبيين، الأمر الذي ساهم حسب مراقبين في تأجيج الأزمة السياسية في ليبيا، وخلق حالة من التباعد بين شركاء الوطن الواحد.

منذ عودته، لم تدخر السلطات الفرنسية جهدًا لدعم حفتر في جميع الخطوات التي قام بها رغم يقينها التام بتهديده للاستقرار في ليبيا، فكلما تراجعت مكانة حفتر في البلاد، وجد الدعم من "صديقه" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يدعي لعب دور الوسيط المحايد في الأزمة الليبية.

ولا تخفي باريس دعمها اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي تتهم قواته بارتكاب جرائم حرب، على حساب رئيس الوزراء المعترف به أمميًا فايز السراج الذي تسيطر قواته على العاصمة الليبية طرابلس وعلى غرب البلاد، رغم ادعائها الحياد ووقوفها على مسافة واحدة بين جميع الفرقاء الليبيين.

وسبق أن كشفت العديد من التقارير الإعلامية والاستخباراتية الدولية، مشاركة جنود فرنسيين وطائرات فرنسية مقاتلة إلى جانب قوات الكرامة التي يقودها حفتر في العديد من المعارك التي قادتها في ليبيا، من ذلك معركة درنة ومعارك الجنوب، ما جعل الكفة تميل إليه.

تدعي فرنسا الحياد

رغم يقينها بعدم شرعية تدخلها في ليبيا، فقد عملت باريس منذ سنوات على تقديم الدعم السخي لحفتر والقوات الموالية له، ما ساهم في تعقيد العملية السياسية في هذا البلد العربي الذي يشكو من فوضى السلاح والإرهاب وتجارة البشر.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول زعيم غربي يدعو حفتر إلى أوروبا في سياق محادثات سلام، وتصر السلطات الفرنسية على وجود حفتر، وهو الذي يفتقد لأي شرعية، في الاجتماعات التي الإقليمية لبحث سبل إيجاد حل للأزمة الليبية المتواصلة منذ سنوات.

هذا الدعم السخي لحفتر، تسعى من خلاله باريس إلى فرض نظام عسكري في ليبيا يمكنها من استعادة مكانتها هناك، وضمان موطئ قدم واضح وثابت على مستوى الملف الليبي، كما أن باريس تسعى من خلال الملف الليبي إلى العودة لشمال إفريقيا والإمساك بزمام الأمور هناك.

كما ترى فرنسا التي تمتلك أصولاً نفطية كبيرة في شرق ليبيا تجريها شركة "توتال" أن من شأن فوز حفتر في معاركه ضد الحكومة الشرعية أن يضمن لها النصيب الأكبر من السوق الليبية وتأمين أسواق مستقبلية لإصلاح اقتصادها المتردي، في ظل المنافسة مع العديد من القوى الإقليمية هناك خاصة بمجال النفط.