النظام السوري يضع خطة تقنينية لاستخدام المنتجات النفطية "المحروقات" ويحدد مخصصات لسائقي السيارات.. وسط تدهور في الاقتصاد السوري

تزداد الأوضاع المعيشية سوءًا في مناطق سيطرة النظام السوري بشكل يومي، مع تدهور الاقتصاد السوري، وانهيار العملة السورية مقابل الدولار الأمريكي، منذ أشهر، على التوالي وذلك بعد فشل حكومة النظام في إيجاد الحلول للسكان الموالين، وفي ظل ارتفاع الأسعار، وتفاقم أزمة المحروقات وانقطاع الكهرباء مع الحديث عن حزمة عقوبات جديدة تفرضها واشنطن على النظام، بعد أن أسهمت العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران، في انخفاض دعمها للنظام عسكريًا ولوجستيًا، مما سبب جدلًا واسعًا، في الشارع السوري.

ارتفاع حاد بأسعار المنتجات النفطية "المحروقات" في مناطق النظام

تشتعل فتيلة الأزمة مجددًا في الشارع الموالي لنظام أسد، مع تدهور الأوضاع المعيشية، والفلتان الأمني المستمر، وتحكم الميليشيات في السكان، تكتسح أزمة المحروقات مناطق سيطرة النظام السوري، من خلال ندرتها في الكازيات أو المحال التجارية، مما أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، عن السعر المحلي سابقًا، ربما الذي يراعي مستوى دخل الفرد، ما قبل 2011.

وشهدت منازل السوريين في مناطق سيطرة النظام شتاء هذا العام ندرة مادة الغاز التي تستخدم لطهو الطعام، حيث وصل سعر الاسطوانة 10 ألاف ليرة سورية، في مراكز التوزيع الرسمية، وأكثر 18 ألف في المحال إذا توفرت، بينما يستخدم المازوت للتدفئة، والذي وصل سعر الليتر الواحد منه إلى 500 ليرة سورية في حال توفره. وخلفت ندرة المحروقات في مناطق سيطرة النظام غضباً في الشارع الموالي، سيما مع انتشار الأمراض المزمنة إضافة إلى وفاة العديد من أطفال العائلات التي لا تستطيع تأمين التدفئة لأطفالها، نظرًا لضعف دخلهم.

ورصد "نون بوست" صورًا انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لطوابير الغاز المصطفة أمام معتمدي توزيع الاسطوانات، ولكنها لم توزع بشكل متساوي على كافة طبقات المجتمع، إذ لم تحصل العائلات المحدودة الدخل على اسطوانة الغاز، إلا إذا ارتبطت بالميليشيات التي يرعاها التجار المحليين، المسيطرين على السوق، بينما حصل أمناء حزب البعث في مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام على كميات، ومرابح ضخمة من توزيع الغاز قبل أسابيع قليلة، لكن الطلب على مادة الغاز فاق المتوفر.

كما تابع "نون بوست" أزمة جديدة تجتاح مناطق سيطرة النظام السوري لتنضم إلى الأزمات المغلقة، وهي ندرة وجود مادة البنزين التي تستخدم لآليات النقل في المدن الكبرى، بشقيها العامة والخاصة، إذ رفعت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام سعر البنزين من نوع (أوكتان 95) إلى 600 ليرة سورية لليتر الواحد، في حال توفره في محطات الوقود.

ويضطر مئات من سائقي السيارات العامة والخاصة للوقوف عبر طوابير طويلة للغاية أمام محطات تزويد الوقود، في العاصمة دمشق، وفي محافظات حلب واللاذقية وحمص، حيث ينتظرون لساعات طويلة لتزويد آلياتهم بمادة البنزين أو المازوت، وخلال اليومين الماضيين شهدت شوارع المدن الرئيسية التي يسيطر عليها النظام انعدام النقل العام، حيث لا تغطي حافلات النقل الداخلي نسبة 25 % من الحاجة، بينما اقتصر النقل الخاص على المسؤولين في المدن، وفي مشهد غير مسبوق في المدن السورية التي كانت تعج في آليات النقل الداخلي. 

وفي إجراءات تقنينية، أصدرت وزارة النفط في حكومة النظام قرارًا يقضي بتحديد كمية عشرين ليتراً فقط للتزود بالوقود ضمن 48 ساعة لسائق التكسي العمومي، وعشرين ليتر للسيارة الخاصة خلال خمسة أيام وثلاثة ليتر للدراجة النارية في خمسة أيام، ويواجه السكان في مناطق سيطرة النظام ارتفاعًا في أسعار المنتجات النفطية وندرتها في السوق المحلية، مما أثر بشكل مباشر على حركة الناس في الأسواق، وحتى وصلت إلى مستوى السخرية من حكومة النظام التي لا تستطيع تأمين مادة الوقود.

كيف عبر الموالون عن غضبهم بخصوص أزمة البنزين؟

انهالت موجات سخرية كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي وانتشرت صورًا ومقاطع فيديو توضح مدى غضب الشارع الذي اتخذ من السخرية مكانًا لإفراغ غضبه، فيما اعتبر آخرون أن الحياة في سوريا لم تعد تطاق في ظل تراكم الأزمات التي تكتسح الاقتصاد السوري، بينما تقف الحكومة السورية عاجزة بأي شكل من الأشكال في تأمين احتياجات السكان.

وتداول ناشطون فيديو لأحد الموالين في مناطق الأسد كان قد نشره الثلاثاء 16 أبريل / نيسان، ويظهر الفيديو اصطفاف مئات السيارات أمام محطات الوقود واصفاً إياهم بأنهم أقرباء وكانوا مغتربين خارج البلاد وأن مناطق سيطرة نظام الأسد ليس فيها أزمة وعلق ساخراً: "هدول العالم واقفين مشان يسلموا على بعض بكونوا مشتاقين لبعض وهاد طابور يلي كانوا برات البلد".

فيما اعتبر الإعلام السوري أن العراضة الشامية خلال طوابير البنزين هي أحد جوانب الترفيه عن سائقي السيارات، وتحاول ويائل إعلام موالية اشغال الناس عن احتياجاتهم وتمييع الموضوع، وجعله أقرب إلى وضع اعتيادي، لكن الأزمة في أوج تطورها ويمكن أن تمتد لأشهر.

ونشر الفنان السوري شادي أسود على حسابه في فيسبوك، بوست أمس الأربعاء، مرفقًا بصورةً له قائلاً: "بخاطركن تتهنو فيها" في إشارة منه إلى الوضع المعيشي الذي وصلت إليه سوريا، بينما لم يوقع قانون قيصر إلى الآن، وبدأ تجار الأزمات بإخراج أموالهم نحو الخارج، وذكرت مصادر أهلية أن كبار عوائل ما يعرف بـ:الشبيحة" ورجال الأعمال والفنانين ورؤوس الأموال يغادرون مناطق سيطرة النظام تباعاً، ومنهم بدأ يخطط للخروج إلى الدول المجاورة.

"الخطاب الديني" يحل الأزمات لدى حكومة الأسد

إلى ذلك، أصدرت وزارة الاوقاف في حكومة الأسد تعميماً يوم 14 أبريل / نيسان وجهته لخطباء المساجد والمدرسين الدينيين ومدرسي الثانويات والمعاهد الشرعية، بضرورة التركيز على حث السكان في استخدام الماء والكهرباء والوقود، وجاء في التعميم بعد الاستدلال بآيات قرآنية وأحاديث نبوية: "باتت اليوم قضية ترشيد الاستهلاك لموارد الطاقة حاجة ملحة وضرورية لا تغفل، كما أنها واجب ديني وسلوك أخلاقي يسهم بهم الفرد".

طالب تعميم لوزارة الأوقاف بتذكير المواطنين بمكارم الأخلاق من خلال عدم التزاحم على محطات الوقود، وعدم تعبئته لغير الحاجة، والتحلي بالصبر والإيثار!

وطالب التعميم تذكير المواطنين بمكارم الأخلاق من خلال عدم التزاحم على محطات الوقود، وعدم تعبئته لغير الحاجة، والتحلي بالصبر والإيثار، وذلك بعد وقوع مشادات كلامية وصلت للاقتتال بين السكان في طوابير محطات الوقود، ولا يعد استخدام النظام للمنابر الدينية جديداً، إذ لطالما اتخذ من رجال الدين ووزارة الاوقاف أداة حتى اعتبرها سوريون جزءاً من مؤسساته العسكرية التي تخدم قراراته ومشاريعه.

عقوبات تغيّب النفط الإيراني

وقال رئيس حكومة النظام عماد خميس خلال مؤتمر صحفي الإثنين 16 أبريل نيسان الجاري: "إن واشنطن أوعزت لمصر بمنع مرور أي ناقلة نفط إيرانية، من قناة السويس، ما أدى إلى حدوث أزمة طاقة في البلاد"، وأوضح خميس أنه توقف تدفق مليوني برميل نفط شهريًا إلى سورية، ضمن خط الائتمان الايراني، ولفت إلى "أن كل الاتصالات مع الحكومة المصرية فشلت في إقناعها بتمرير ناقلات النفط الإيرانية". من جانبها نفت الحكومة المصرية ادعاءات خميس حول منع عبور ناقلات النفط الإيرانية المتجهة إلى سوريا من قناة السويس.

ورأى خميس، أنه مما زاد من سوء الأزمة، إعلان الولايات المتحدة أن كل ناقلة نفط متجهة إلى سورية، هي هدف لنيران قواتها، إضافة إلى المراقبة الشديدة التي فرضتها على الأفراد والطواقم والسفن، والتشدد في منع التحويلات، وغيرها من الإجراءات التي جعلت استيراد دمشق للنفط ومشتقاته أمرًا صعبًا جدًا.

وقالت الخارجية الأمريكية، الأربعاء 17 أبريل / نيسان في تغريدة لها على تويتر: إن نظام الأسد يواصل تبديد موارده القليلة لتمويل الميليشيات التي تقتل السوريين بينما تثري مستفيدي الحرب". وأضافت: "في الوقت نفسه، يعاني السوريون العاديون من نقص يومي في الوقود والضروريات الأساسية الأخرى، حان الوقت كي تتوقف الحكومة السورية عن قتل وتجويع السوريين".

الخارجية الأمريكية: "نظام الأسد يواصل تبديد موارده القليلة لتمويل الميليشيات التي تقتل السوريين بينما تثري مستفيدي الحرب".

وكان قد أقر الاتحاد الأوربي عقوبات جديدة على النظام، بعد العقوبات السابقة التي طالت شخصيات وكيانات عديدة مقربة من النظام، شملت سبعة وزراء في حكومة النظام، كما تشمل القائمة 277 شخصًا يخضعون لحظر السفر وتجميد الأصول. وشملت العقوبات وزراء الداخلية والسياحة والتعليم والأشغال العامة والإسكان والاتصالات والتكنولوجيا والصناعة، بعد تعيينهم في تشرين الثاني الماضي.

وتفاقم أزمة الطاقة من صعوبة حياة السوريين في مناطق سيطرة النظام، بشكل تتابعي بدءاً من الكهرباء مروراً بالغاز، وليس انتهاء -فيما يبدو- بالبنزين والمازوت،  إلى جانب أزمات كثيرة أخرى أنتجتها الحرب الدامية التي خاضها الأسد ومن جلبهم من روس وإيرانيين ضد شعبه، والذين أزاقهم من ويلات الحصار إلى أن وصلت إلى مناطق سيطرته، دون أي قدرة لحلفاءه لا سيما الإيرانيين، على تقديم أي شكل من الدعم، فيما لا يجد الإعلام الرسمي إلا الحديث عن "النصر على المؤامرة" لإسكات المتذمرين والغاضبين من غياب الاحتياجات والخدمات الأساسية التي لا تقوم الحياة اليوم، بدونها.