كشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان، عن نجاة أسامة أحمد مراد، المعتقل في سجن طرة العمومي، من محاولة انتحار قام بها ظهر أول أمس الأحد، وذلك بعد تدخل طبيب من المعتقلين معه، لإسعافه، عقب ذبح نفسه باستخدام قطعة بلاستيكية، نتيجة أزمة نفسية يمر بها، تسببت بها ظروف الاحتجاز السيئة والإهمال الطبي.

أشار المركز في بيان نشره على صفحته الرسمية على "فيسبوك" إلى أن المعتقل أصيب بأزمة نفسية نتيجة الضغوط التي تمارس عليه من إدارة السجن المتمثلة في التفتيش المفاجئ في أوقات متأخرة من الليل ومبكرة نهارًا في شكل هجمات تصيب المساجين بالذعر والاضطرابات بالإضافة للمنع من الزيارة لفترات كبيرة.

لم تكن حالة أسامة الوحيدة داخل السجون والمعتقلات المصرية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة حملات ممنهجة لتعذيب المعتقلين بشتى الأنواع المحرمة دوليًا، هذا بجانب الإهمال الطبي الذي أودى بحياة العشرات رغم الانتقادات الحقوقية، الإقليمية والدولية، التي لم تحرك ساكنًا في السلطات القائمة.

وفاة 825 معتقلاً

تجاوز عدد المتوفين داخل السجون والمعتقلات المصرية خلال السنوات الستة الماضية 825 حالة، من بينها 60 حالة جراء الإهمال الطبي، حسبما أفاد المدير التنفيذي لمنظمة "كوميتي فور جستس" أحمد مفرح، على صفحته الشخصية عبر موقع "تويتر" فبراير الماضي تعقيبًا على وفاة المعتقل شعبان الأسود (55 عامًا) داخل سجن 430 بمنطقة سجون وادي النطرون.

المنظمة في تقريرها السنوي 2018 عن مراقبة مراكز الاحتجاز المصرية الذي حمل عنوان "اوقفوا الانتهاكات فورًا"، قالت إن فريق مراقبة الاحتجاز في المنظمة تمكن من رصد 2521 حالة انتهاك في مراكز الاحتجاز خلال عام 2018، تصدرها الإخفاء القسري بإجمالي 1302 حالة، بنسبة 51.64% من جملة الانتهاكات المرصودة خلال العام الماضي.

إستراتيجية التعذيب في السجون المصرية تدل على أنها عملية ممنهجة لها قواعدها وأوضاعها التي تُعمم على المعتقلين السياسيين لاستنطاقهم باعترافات ترغب بها الجهات الأمنية أو لكسر المعتقل نفسيًا

كما أشارت إلى رصد 507 حالات اعتقال تعسفي بنسبة 20.11% من إجمالي الانتهاكات، ثم الإهمال الطبي في المرتبة الثالثة كأعلى انتهاك بعدد 347 حالة بنسبة 13.76%، يليه القتل خارج إطار القانون والوفاة في أثناء الاحتجاز بعدد 245 حالة بنسبة 9.7%، وأخيرًا التعذيب بعدد 120 حالة بنسبة 4.76%.

أما عن الانتهاكات الموثقة فكشف التقرير أن النصف الأول من عام 2018 شهد توثيقًا على أعلى درجات التحقق من فريق المنظمة بواقع 110 حوادث اﻧﺗﮭﺎك ﺿد 88 ﻣﻌﺗﻘﻼً، وﻗﻌت ﻓﻲ 29 مركز احتجاز معلوم بمختلف أﻧﺣﺎء ﻣﺻر، في حين وثق الفريق في النصف الثاني من العام 185 ﺣﺎدﺛﺔ اﻧﺗﮭﺎك ﺿد 158 ﻣﻌﺗﻘﻼً، وﻗﻌت ﻓﻲ 54 مركز احتجاز معلوم بمختلف أﻧﺣﺎء ﻣﺻر.

وفي السياق ذاته وثقت 119 حالة إخفاء قسري و81 واقعة اعتقال تعسفي و55 حالة إهمال طبي و14 حادثة تعذيب و11 حالة منع من الزيارات و7 حالات سوء معاملة و5 حالات وفاة في أثناء الاحتجاز و5 وقائع قتل خارج إطار القانون، كما تم رصد 189 حالة قتل خارج إطار القانون على مدار 2018، و49 حالة وفاة بسبب الإهمال الطبي في السجون بمختلف أنحاء مصر، إلى جانب 6 حالات وفاة بسبب التعذيب، و5 حالات وفاة لأسباب غير معلومة، بإجمالي 60 حالة خلال العام الماضي.

منهجية التعذيب

منظمة "هيومان رايتس مونيتور" في تقرير لها بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب الذي يوافق 26 من يونيو/حزيران من كل عام، ألقت الضوء على أبرز صور التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون داخل السجون المصرية وفق شهادات حية ممن تعرضوا لمثل هذه الأنواع التي وصفتها المنظمة بـ"القاتلة".

وبحسب حقوقيين فإن أبرز صور التعذيب تمحورت بالتالي، أولاً: التعليق كالذبيحة، الرأس لأسفل والقدمين لأعلى معلقتان في حبل، ويبدأ الصعق بالعصا الكهربائية في كل الجسد وبخاصة الأعضاء التناسلية (الذكر - الخصيتين - الثديين)، أو بربط سلك في الجسد يتم توصيله بجهاز كهربائي وصعق الجسد، والضرب بالعصي وأسلاك الكهرباء، ثانيًا: عصر الخصيتين باليد بشدة وقرص الثديين كذلك.

أما النوع الثالث فتمثل في كل أشكال الصلب: فرد الذراع الأيمن وربطه في باب حديدي كبير (مشبك) أو على تصميم خشبي يُعرف (بالعروسة)، وكذلك الحال مع الذراع الأيسر، وربط القدمين مع فتحهما بشدة وإبعادهما عن بعضهما، أو ربط اليدين مقيدتين من الخلف في باب حديدي، أو ربطهما مقيدتان لأعلى، ثم الصعق بالصدمات الكهربائية والضرب بالعصي وأسلاك الكهرباء.

أسرة الطالب أفادت أنّ ظروف الاحتجاز والإهمال الطبي داخل مركز الشرطة قد يؤثر عليه ويودي بحياته، خاصة أنه يعاني من حالة نفسية واكتئاب شديد يؤدي إلى فقدانه الوعي ويصاب بتشنجات فور إفاقته ويتم حقنه بمواد مخدرة لتنويمه

كذلك التمدد على الأرض مقيد اليدين من الخلف، وكذلك القدمين والتعذيب والصعق بالكهرباء في كل أنحاء الجسد، إضافة إلى التمدد على مرتبة مبللة بالماء ومتصلة بجهاز كهربائي، وهو مقيد اليدين من الخلف، وكذلك القدمين، ويجلس شخص بكرسي بين كتفي المعتقل، وشخص آخر بكرسي بين قدميه المقيدتين، والسبب في ذلك شدة الكهرباء التي تقفز بالإنسان إلى الأعلى في أثناء التعذيب.

هذا بخلاف الضرب بكف اليد اليمنى واليسرى على الوجه، وكذلك الضرب بقبضة اليدين، كذلك بات التعذيب بالكهرباء للأعضاء التناسلية منهجيًا داخل أروقة سجون الأمن الوطني في مصر، حيث يتم توصيل أسلاك كهربائية بأعضاء المعتقل التناسلية، وصعقه مرارًا حتى يغشى عليه.

المنظمة أوضحت أن إستراتيجية التعذيب في السجون المصرية تدلّ على أنها عملية ممنهجة لها قواعدها وأوضاعها التي تُعمم على المعتقلين السياسيين لاستنطاقهم باعترافات ترغب بها الجهات الأمنية أو لكسر المعتقل نفسيًا، وأعنف تلك الانتهاكات هي الاعتداء الجنسي على المعتقلين لإجبارهم على تقديم اعترافات.

الإهمال الطبي كلمة السر

يتصدر الإهمال الطبي المتعمد قائمة الأساليب المستخدمة لتعذيب المعتقلين، الأمر الذي يقتل السجين بالبطيء، وهو ما حدث مع ما يقرب من 60 حالة أفضى الإهمال إلى وفاتها خلال السنوات الماضية وفق التقارير الحقوقية الموثقة.

المنظمة الأممية رصدت بعض الحالات التي عانت من هذا الإهمال وكادت تفقد حياتها ثمنًا له، منها محمد إبراهيم عبد الفتاح البطراوي الذي يبلغ من العمر 56 عامًا، وعمل وكيلاً لمدرسة عبد المنعم رياض الإعدادية، ويقيم بمحافظة السويس، واعتقل في أثناء وجوده بمكان عمله بالمدرسة في 11 من نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

وبعد تدهور الحالة الصحية للمعتقل، حيث عانى من إعياء بالكبد والدوالي واحتاج إلى إجراء منظار طبي، نقل من سجن وادي النطرون، لمشفى لومان طُرة، في 17 من مايو/آيار 2016، لكن طبيب المشفى أخبرهم أن تلك الإمكانات الطبية غير مُتاحة، بالإضافة إلى أنّ هناك تعنتًا في إدخال المستلزمات الخاصة والأغطية والملابس والطعام والأدوية وغيرها من المُستلزمات الشخصية.

كذلك مُعاذ مصطفى مجاهد غريب الذي يبلغ من العمر 20 عامًا، طالب بكلية لغة عربية قسم تاريخ وحضارة جامعة الأزهر فرع الزقازيق، ويقيم بـ"ديرب نجم - شرقية"، اُعتقل من منزله يوم 27 من يناير/كانون الثاني 2016.

أسرة الطالب أفادت أنّ ظروف الاحتجاز والإهمال الطبي داخل مركز الشرطة قد يؤثر عليه ويودي بحياته، خاصة أنه يعاني من حالة نفسية واكتئاب شديد يؤدي إلى فقدانه الوعي ويصاب بتشنجات فور إفاقته ويتم حقنه بمواد مخدرة لتنويمه ولا تستطيع الأسرة زيارته لأنه في حالة غياب عن الوعي دائمًا.

فريد إسماعيل (يمين) وعصام دربالة قياديان معارضان ماتا بالسجن نتيجة الإهمال الطبي

وفي المقابل هناك من فقد حياته بالفعل بسبب الإهمال، آخرهم المعتقل بسجن وادي النطرون شعبان الأسود فبراير الماضي، وحسب حقوقيين مصريين، فإن الأسود عمل محاسبًا قبل اعتقاله، وحكم عليه بالسجن لمدة 3 سنوات، محملين إدارة سجن وادي النطرون مسؤولية وفاة المعتقل نتيجة الإهمال الطبي، إذ كانت زوجته وأبناؤه الخمس ينتظرون خروجه بعد استكمال مدة عقوبته خلال الأشهر الثلاث القادمة.

وفي نوفمبر 2018 توفي المعتقل سامي محمد أبو جبل (62 عامًا) في سجن طنطا (شمال القاهرة) بعد تدهور حالته الصحية بسبب الإهمال الطبي، وحمّل مركز الشهاب لحقوق الإنسان إدارة سجن طنطا ومصلحة السجون مسؤولية وفاة المعتقل بسبب الإهمال الطبي المتعمد، مطالبًا النيابة العامة بالتحقيق في تلك الواقعة والوقائع المشابهة، وإحالة المتورطين فيها للمحاسبة.

يبدو أن حالة أسامة مراد لن تكون الأخيرة في ظل الاستمرار على منهجية التعذيب والإهمال داخل السجون، الأمر الذي يكسر المعتقل نفسيًا ويدفعه إلى التفكير في التخلص من حياته بشتى السبل

الشهاب وفي تقرير رصدي له أكد أنه خلال الربع الأول من عام 2019، بلغت عدد الوفيات داخل السجون، نتيجة الإهمال الطبي 14 حالة وفاة، محملاً إدارة السجون مسؤولية هذه الجرائم التي تتعارض بشكل واضح مع أبجديات مبادئ حقوق الإنسان في الداخل والخارج.

مركز عدالة للحقوق والحريات (مستقل) كشف بدوره عبر تقرير له مسؤولية الإهمال الطبي في وفاة العديد من الحالات، توفي معظمها بسبب عدم توافر الرعاية الصحية اللازمة وتعنت إدارات السجون في نقل المرضى لمستشفيات السجن أو حتى المستشفيات العامة لتلقي العلاج اللازم، وبحسب رصد الباحثين بالمركز فإن سجن المنيا يليه سجن طرة يحتلان النصيب الأكبر في عدد الوفيات نتيجة الإهمال الطبي لأمراض مثل السرطان والفشل الكلوي.

الأمر ذاته يتكرر مع الصحفي المعتقل معتز ودنان الذي ألقي القبض عليه على خلفية حوار صحفي أجراه مع رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق المستشار هشام جنينة المعتقل هو الآخر، قبل أكثر من عام، حيث تشير أسرته إلى تعرضه للإهمال الطبي وتعذيبه نفسيًا وجسديًا ومنع أهله من الزيارة طيلة العام الماضي، الأمر الذي يعرض حياته للخطر.

على الأرجح يبدو أن حالة أسامة مراد لن تكون الأخيرة في ظل استمرار منهجية التعذيب والإهمال داخل السجون، الأمر الذي يكسر المعتقل نفسيًا ويدفعه إلى التفكير في التخلص من حياته بشتى السبل هربًا من المعاناة النفسية التي يتعرض لها ليل نهار، وبينما تواصل المنظمات الحقوقية انتقاداتها المتواصلة تصر السلطات المصرية على السير في طريقها.