تعد منطقة الشرق الأوسط مهد الديانة المسيحية وتحديدًا بلاد الشام التي شهدت على ولادتها وانتشار تعاليمها وممارساتها خلال فترة الإمبراطورية الرومانية، وذلك بالجانب إلى مصر -بالطبع- التي تحتفظ بأكبر عدد من السكان المسيحيين في المنطقة العربية، ومع ذلك تشير التقديرات الأخيرة إلى أن المسيحيون الذين كانوا يشكلون نحو 20% من سكان العالم العربي، لا يمثلون الآن سوى 5%، وهو تراجع مثير للأسى، فلا يمكن تصور العالم العربي دون الوجود المسيحي وثقافته.

فلقد انخفضت نسب وجودهم في الأردن ليبلغ عددهم نحو 3% فقط، والأمر نفسه في لبنان الذي يشكل فيه المسيحيون الأغلبية إلا أن أعدادهم انخفضت من 50% إلى 40% تقريبًا. مع العلم أن هذه الأرقام ليست جميعها رسمية أو دقيقة أو حديثة، فهي نسب تقريبية أو تقديرية ليس إلا. جدير بالذكر أن تضائل أعدادهم يعود إلى مجموعة من الأسباب وأهمها الهجرة مثلما حدث مع مسيحي فلسطين وانخفاض معدل المواليد وتعرضهم للعنف والاضطهاد والملاحقة كما هو الحال بالنسبة لمسيحي العراق الذين تراجع عددهم من 1.5 مليون نسمة قبل الغزو الأمريكي إلى 400 ألف فقط.

بالرغم من هذه الأوضاع الراهنة، تبقى المعالم المسيحية الآثرية شاهدة على تاريخ وثقافة الديانة المسيحية التي تسعى بعض الدول إلى تنشيط حركة السياحة الدينية إليها بشكل منظم خلال موسم الأعياد والمناسبات الدينية للمشاركة في الشعائر الدينية والتمتع بالأجواء الاحتفالية والروحانية، ومن أهم وجهات السياحة المسيحية في الوطن العربي:

فلسطين

تعد فلسطين وتحديدًا مدينة بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية، واحدة من أهم المدن السياحية بالنسبة للمسيحين، فمع بدء احتفالات أعياد الميلاد المجيدة، تفيض هذه المدينة بزوارها الذين يتوجهون بكثافة إلى كنيسة المهد التي أقيمت فوق مغارة، يُعتقد أن السيدة مريم بنت عمران، وضعت طفلها المسيح عيسى فيها، وهي كنيسة بيزنطية قامت ببنائها القديس هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، من أجل إحياء ذكرى ولادة يسوع المسيح. تعرضت الكنيسة للتدمير في عام 529 ميلادي ثم أعيد بناؤها في عهد الإمبراطور جوستنيان.

يحيط بهذه الكنيسة الأثرية معالم أخرى هامة مثل مغارة الحليب التي أرضع فيها المسيح عندما كانت مريم العذراء مختبئة من جنود هيرودس قبل الهروب إلى مصر، وما أضاف لهذا الموقع رمزية دينية كبيرة هو سقوط قطرات من حليب العذراء على إحدى الصخور التي تحول لونها إلى اللون الأبيض، ولذلك تعرف هذه الصخور بقدرتها على الشفاء وزيادة غزارة الحليب لدى النساء المرضعات.يضاف إلى هذه المواقع، دير القديس ثيودوسيوس ودير مار سابا وكنيسة القيامة وطريق الحجاج، حيث تجري حولها مجموعة من الأنشطة والفعاليات الدينية التقليدية.

علمًا أن الكثير من المواقع الأثرية تخضع لسيطرة السلطات الإسرائيلية، ما يعني أنها عرضة للسرقة والتجارة، وهذا ما أشارت إليه وزارة السياحة الفلسطينية عدة مرات خوفًا من تهديد الموروث الثقافي والتاريخي الفلسطيني، عدا عن ذلك يعاني مسيحي الضفة الغربية وقطاع غزة من تقييدات الحركة والسفر لأماكن الصلاة والعبادة والاحتفال، والأسوأ من ذلك أن دولة الاحتلال تستغل موسم السياحة المسيحية في الأعياد الدينية من خلال استحداث وجهات سياحية بالمستوطنات وبالتالي شرعنة سرقة المزيد من الأراضي الفلسطينية.

وذلك مثل مستوطنة "تل شيلوه" التي زارها نحو 120 ألف شخصًا خلال عقد من الزمن لتجميل صورتهم من الجرائم والانتهاكات، وبالرغم من ازدهار السياحة في هذا الوقت إلا أن مسيحيو فلسطين الأصليون يرفضون هذه الزيارات ويرون أنها تهدد السلام ومسيحي الشرق.

لبنان

على مر العقود الماضية، تميز لبنان بتنوعه العقائدي والطائفي، ولذلك استطاع الاستفادة بشكل كبير من السياحة الدينية ولا سيما أنه يحتوي على عدد كبير من المعالم والآثار التي تخاطب العواطف الدينية لدى الطوائف المسيحية، وأبرزها معبد سيدة لبنان حاريصا الذي يزوره أكثر من مليون ومئتي ألف شخص سنويًا، وما جعل هذه المنارة من أهم المراكز الروحية في العالم بالنسبة للمسيحيين.

يقع المزار في منطقة حاريصا المطلة على خليج جونية ويتكون من تمثال ضخم للسيدة مريم العذراء يعلو الكنيسة ويتواجد في محيطه تمثال صغير، ويُقال بأن البطريرك الماروني قرر إنشاء أثر ديني وتم بناؤه على عدة مراحل وسنوات بشكل متقطع بسبب الأزمات المالية، وحين سمحت الظروف بإنشائه، كان نصب تمثال بهذا الحجم بحاجة إلى مرسوم يتضمن موافقة الدولة العثمانية، ولذلك أرسل أحدهم برقية يطالب فيها بالموافقة، وعندما وصلت الموافقة تم إنجاز المعبد وقاعدة التمثال، ثم نُصب التمثال في 1908، وأصبح مقصدًا للموارنة واللبنانيون من جميع جهات العالم.

إن أحوال مسيحي لبنان الأفضل بين عموم مسيحي الوطن العربي، ولا سيما ما إذا قارنهم مع مسيحي العراق، فهو البلد الشرق أوسطي الوحيد الذي فيه يشكل المسيحيون الأغلبية السكانية ويحتفظون بقوة سياسية كبيرة

يضاف إلى ذلك، ضريح القديس شربل الذي يستقبل أكثر من 700 ألف شخص كل سنة، ومعبد سيدة المنطرة التي يحج إليها المسيحيين في كل عام من الثامن من أيلول في ذكرى مولد السيدة العذراء، وغيرها من المعالم مثل كنيسة مار نيقولاس والكنيسة اللاتينية وكاتدرائية مار نقولا وموقع قانا الجليل، جدير بالذكر أن لكل طائفة مسيحية في لبنان كنيستها الخاصة ومطرانيتها سواء كانت أرثوذكسية أو كاثوليكية أو مارونية.

وبشكل عام فإن أحوال مسيحي لبنان الأفضل بين عموم مسيحي الوطن العربي، ولا سيما ما إذا قارنهم مع مسيحي العراق، فهو البلد الشرق أوسطي الوحيد الذي فيه يشكل المسيحيون الأغلبية السكانية ويحتفظون بقوة سياسية كبيرة، فعلى سبيل المثال ينص القانون اللبناني على أن يكون رئيس الجمهورية من الطائفة المسيحية حصرًا.

مصر

تحتفظ الجمهورية بأكبر عدد من المسيحيين في العالم العربي، لكن التعدادات السكانية متضاربة بين ما يصرح به بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، الأنبا تواضروس، بأن عدد الأقباط المسيحيين في مصر يبلغ 15 مليون نسمة بالداخل ومليونين في الخارج، أي أنهم يشكلون 17% من سكان مصر، وبين ما تشير إليه التقديرات الأخرى التي تؤكد أن الطوائف المسيحية تمثل 6-9% من الشعب المصري.

غالبية السياحة الدينية تتركز في دير سانت كاترين بجنوب سيناء وتمثل نحو 3% من إجمالي حركة السياحة الدينية في مصر.

وبعيدًا عن الأرقام، تسعى مصر بمباركة بابا الفاتيكان فرانسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى استقطاب أكبر عدد من المسيحيين لزيارة المعالم الدينية ولتحقيق ذلك أعلنت عن أيقونة رحلة العائلة المقدسة كصورة رمزية أثرية تعتمد مصر كمقر مركزي للحج، وتبدأ هذه الرحلة خطواتها من فلسطين إلى مصر، عبر طريق العريش ومرورًا بمنطقة بابليون أو مصر القديمة، ووصولًا إلى منطقة الصعيد، ثم تعود إلى الشمال مرورًا بمنطقة وادي النطرون، إلى أن تختم 13 محطة وتصل إلى منطقة سيناء.

ولكل منطقة مزاراتها وآثارها التي تحتفظ بقصة أو حادثة دينية معينة، مثل كنيسة الزيتون في القاهرة وجبل المقطم وجبل النبي موسى وحصن بابليون أو قصر الشمع ودير مار جرجس للراهبات وغيرها من الكنائس مثل القديسة بربارة ومار جرجس ومار جرجس للروم وأبو سرجة والكنيسة المعلقة، وبالرغم من كثرة الوجهات السياحية، إلا أن غالبيتها تتركز في دير سانت كاترين بجنوب سيناء وتمثل نحو 3% من إجمالي حركة السياحة الدينية في مصر.

إذ يُقال أنها أكبر أديرة العالم وتضم رفات القديسة كاترين التي قضت معظم سنوات حياتها في الإسكندرية، وتحتوي على هدايا قيمة وقديمة من ملوك وأمراء الحضارات والعصور السابقة، كما يعتبرها المؤرخون تحفة فنية تجمع بين الفسيفساء العربية والأيقونات الروسية واليونانية، عدا عن اللوحات الجدارية الزيتية والنقوش الشمعية، والأهم من ذلك احتوائها على ثاني أكبر مكتبة للمخطوطات بعد مكتبة الفاتيكان.

منطقة الخليج

تتعامل هذه الدول بشكل مختلف مع الجاليات المسيحية التي تعتبر جديدة نسبيًا على هذه المجتمعات، إذ تشير بعض الأبحاث إلى أن التواجد المسيحي في المنطقة الخليجية ظل محصور إما على شكل جاليات أجنبية أو سكان محليين، وتوجد الأكثرية في الكويت والبحرين وسلطنة عمان، وهي الدول الوحيدة التي يوجد بعض من مواطنيها ممن يعتنق المسيحية ولديهم كنائسهم الخاصة، وذلك بحسب الكاتب، محمد الساعد الذي أشار إلى الوجود المسيحي في المنطقة ما قبل مجيء الإسلام.

في ذات السياق، لفت الكاتب إلى وجود 10 كنائس في الكويت التي يعيش فيها نحو 400 مسيحي مواطن، بالإضافة إلى قطر التي أسست أكبر كنيسة في الشرق الأوسط عام 2008 بالرغم من أن عدد المسيحيين فيها لا يتعدى الـ200 ألف من الوافدين إلا أنها أرادت أن تدعم المجتمع المسيحي، ولذلك نجد أنها افتتحت 4 كنائس أخريات في العاصمة الدوحة.

أما بالنسبة إلى البحرين، فلديها أقدم كنيسة حديثة في منطقة الخليج والتي أسسها الإنجيليون الأمريكيون عام 1906، وتضم عدة كنائس أخرى، إذ يقدر عدد المسيحيين الحاملين للجنسية البحرينية بنحو ألف شخص، وذلك على العكس من الإمارات التي بنت 7 كنائس إلا أن مواطنيها احتفظوا بديانتهم الإسلامية. علمًا أن الأقلية المسيحية في هذه المجتمعات تستطيع بناء الكنائس وممارسة شعائرهم بحرية، ولكن يمنعوا في بعض الأحيان من إظهار الصلبان على سقوف الكنائس وعادةً ما تبنى معابدهم في الضواحي وبعيدًا عن مراكز المدن، وعلى أية حال، لا يمكن اعتبارها واحدة من الوجهات السياحية الدينية مقارنة مع الدول المذكورة بالأعلى.