ترجمة وتحرير: نون بوست

هل الإنترنت الأخلاقي أمر ممكن؟ باختصار نعم، ولكن من سيحدّد "الصواب" من "الخطأ"؟ التاريخ مليء بمن أطلق عليهم أفلاطون "الملوك الفلاسفة" الذين تسببت حكمتهم في إلحاق ضرر أكبر مما انجر عنها من نفع. وكما يقول المثل: "الطريق إلى الجحيم محفوف بالنوايا الحسنة".

في حال اتفقنا جميعًا على وجود بعض المعايير الأخلاقية للإنترنت، فعلينا النظر إلى التاريخ من أجل البحث عن مصادر للإلهام والتعلم من الأخطاء السابقة. وفي هذا التقرير، سنكتشف ما هو المقصود بالأخلاق وكيف يقع تطبيقها في عالم الإنترنت.

لا نعدكم بتقديم إجابة قاطعة عن هذه الأسئلة، ولا يستطيع أي شخص القيام بذلك. وفي الحقيقة، لطالما كافح الإنسان مع مسألة الأخلاق لآلاف السنين.

ما هو الفرق بين الأخلاق والآداب؟

من الممكن استخدام هذين المصطلحين على سبيل الترادف، ولكن هناك اختلاف واضح ودقيق. فمن جهة، تعرّف الآداب بشكل عام على أنها "المبادئ المتعلقة بالتمييز بين السلوك الصائب والخطأ أو الجيد والسيئ"، وفقًا لقاموس أكسفورد الإنكليزي. وقد اُستُمدت كلمة الآداب من المعنى اللاتيني لهذه الكلمة التي تعني "الأسلوب والشخصية والسلوك الصحيح". من جهة أخرى، تُعرّف الأخلاق بشكل عام على أنها "المبادئ الأخلاقية التي تحكم سلوك الشخص أو القيام بنشاط ما"، حسب قاموس أوكسفورد الإنكليزي أيضًا. وقد اشتقّت كلمة الأخلاق من كلمة "أثيكوس" اليونانية و/أو "أثوس" التي تعني العرف أو الشخصية.

من هذا المنطلق، لا يعتبر من السهل التمييز بين هذين المصطلحين. وعمومًا، يعتبر معظم الناس أن الآداب هي مجموعة قيم شخصية تحدّد "الجيد" "والسيء"، في حين تميل الأخلاق إلى التركيز على مجموعة قيم خارجية تحدّد "الصواب" من "الخطأ". لكن، قد يعرّف البعض كلا هذين المصطلحين على أنها "قيم". في المقابل، قد يعكس الآخرون التعريفين السابقين، عن طريق تعريف "الأخلاق" على أنها مجموعة قيم شخصية، والآداب باعتبارها قيمًا يحددها المجتمع.

إن أقل ما يمكن قوله إن هذا الأمر مثير للإحباط. وتضم العديد من المواقع مناقشات مثيرة للاهتمام حول هذه المسألة بالذات. وتعتبر موسوعة "بريتانيكا" مثالًا جيدًا على ذلك. وفي حال كنت منتميًا لهيئة مهنية في مكان عملك، فمن المحتمل أنك تعرّضت إلى "قواعد الأخلاقيات" التي ينبغي عليك الالتزام بها. وتميل المبادئ الأخلاقية أيضًا إلى أن تكون محور سير العمل الموجودة في عديد الاختصاصات، على غرار القانون والطب وما إلى ذلك. وعادة ما يناقش الأعضاء هذه المبادئ ويقع تنقيحها عند اللزوم.

مع ذلك، ليس من الضروري أن تكون المبادئ مُقنّنة، ناهيك عن إمكانية أن تكون بمثابة فلسفة شخصية. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يُحدّد دينك أخلاقك (أو انعدامه)، فضلًا عن تجربتك الشخصية ومعرفتك بالفلسفة أو السلوك الشائع المتفق عليه في المجتمع. لكن، لا يمكن اعتبار هذا تمييزًا واضحًا بينهما أيضًا. وتضع مجموعة من الأفراد "مُدوّنة أخلاقية"، حيث أن كل فرد يملك مجموعة خاصة به من المبادئ أو القيم التي تكون نتاج تربيته وجنسيته ومجتمعه المحلي. وسيكون الأمر ضربًا من التضليل الفكري إذا اعتقدنا أن "المبادئ" الخاصة بهؤلاء الأفراد لا تؤثر على وجهات نظرهم إزاء "الأخلاق".

إن هذان المصطلحين مرتبطان بشكل غير ملموس، ويمكن القول إن أي محاولة للتمييز بينهما ستكون عديمة الجدوى. وسواء أسميتها "أخلاقًا" أو "مبادئ"، فمن المرجح أنها ستكون غير مهمة طالما أن النتيجة هي السعي إلى بذل المزيد من الجهود "الجيدة" وتجنب القيام بالأعمال "السيئة". ويُعتبر هذا المفهوم عميقًا للغاية وقد مثّل محور الفلسفة (والثقافة) الغربية منذ العصور القديمة، لكنّه جاء بنتائج مختلطة وغير متوقعة. فمن جهة، ساهم في إلغاء العبودية، لكنه أدى في المقابل إلى تبرير العديد من الفظائع التي حدثت على امتداد القرن العشرين تحت ذريعة "المساواة".

ما هي أخلاق الإنترنت؟

لطالما كان لشبكة الإنترنت تأثير عميق على المجتمع منذ وقع اعتمادها بشكل واسع قبل عقود عديدة. وكغيرها من الاختراعات الجديدة في مجال التواصل، كشفت الإنترنت الجوانب المشرقة والمظلمة في الطبيعة البشرية. ومن الناحية الإيجابية، لم يكن من السهل أبدًا الولوج إلى المعلومات أو إنشاء صداقات. لكن من ناحية أخرى، قد تكون شبكة الإنترنت سببًا لتقسيم المجتمعات أكثر من توحيدها. وقد ثبُتت صحة هذا الأمر، لا سيما في ظلّ تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت المستخدمين يعتريهم شعور متزايد بالاكتئاب والعزلة والتوجه نحو التطرّف خاصة فيما يتعلق بالمواضيع السياسية.

تعد حقوق الملكية الفكرية (حقوق النشر والمجال العام والاستعمال العادل وتراخيص المشاع الإبداعي، وما إلى ذلك) أحد المجالات التي يقع فيها تعريف المبادئ الأخلاقية بشكل واضح وإساءة استخدامها على نطاق واسع. فضلًا عن ذلك، غالبًا ما يكون من الصعب التمييز بين السرقة الأدبية وانتهاك حقوق النشر والتشهير والكشف عن المعلومات الخاصة والمساهمات الخارجية المقدّمة لموقعك الإلكتروني والمسائل القانونية المتعلّقة بالتعاون عبر الإنترنت.

في هذا السياق، عندما يتعلّق الأمر ببعض المعايير الأساسية، ينبغي علينا استخدام مصطلح "المبادئ". فخلال الخطابات العامة، اتضح أن هذا الأمر موضع خلاف على شبكة الإنترنت. وتتحمّل وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما عدة مواقع على غرار تويتر، مسؤولية كبيرة في انهيار النُظم التي تحدّد "السلوك المقبول" عادةً في الخطاب على شبكة الإنترنت.

في الحقيقة، وقع التخلّي عن مفاهيم مثل الآداب العامة "والآداب" تحت مسمى "أن تكون على صواب" عوضًا عن الاستماع إلى وجهة نظر الطرف الآخر. ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه المشكلة متفشية في المجتمع عمومًا أو بسبب شبكة الإنترنت بحد ذاتها. وغالبًا ما يجد مستخدمو الإنترنت أنفسهم في "فقاعات" حيث أنهم قد يحصلون على جانب واحد فقط من القصة. وتعتبر هذه المشكلة فريدة من نوعها في شبكة الإنترنت، حيث ستتعرض في الحياة الواقعية لوجهات نظر مختلفة أينما ذهبت.

لكن، هل هذه مشكلة تحتاج إلى حل؟ هل نحن بحاجة إلى نوع من أخلاق الإنترنت المقننة؟ سيكون الأمر منوطا بك لتقررّ.

ماذا يعني أن تكون أخلاقيا على شبكة الإنترنت؟

ينبغي أن تتحلى بالأخلاق على شبكة الإنترنت وفي حياتك على حدّ السواء. ويجب أن تُسيّر المبادئ الأخلاقية حياتك اليومية وطريقة تصرفك في الحياة الرقمية أيضا. وتعتبر هذه المسألة شخصية للغاية كغيرها من المسائل الحساسة المتعلّقة بهذا الموضوع. مع ذلك، يحتوي التاريخ على بعض المبادرات التي ربما ينبغي تطبيقها على عالم الإنترنت، على غرار "وثيقة حقوق الولايات المتحدة". وقد كانت هذه الوثيقة نتاجًا لتطور فلسفة تسمى "الليبرالية"، التي تطورت منذ القرن السابع عشر وما بعده. وفي صميمها، تحدد الدور المناسب للسلطات، على غرار الحكومات، وتعتبر أن الحرية الشخصية ذات أهمية بالغة.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن هذه الوثيقة ساهمت في تطوير فكرة "مبدأ عدم الاعتداء". ويعتقد العديد من المفكرين البارزين على شبكة الإنترنت أن الوقت قد حان لتشريع "وثيقة حقوق الإنترنت" التي من شأنها تقنين معايير لتسيير العديد من المواضيع المتعلقة بحقوق الملكية وحرية التعبير للجميع. وتكتسي حرية التعبير أهمية بالغة للحصول على خطاب سليم، ولا ينبغي منحها لمجموعة دون سواها وتقييد حريّة المجموعات الأخرى. والأهم من ذلك، كما ذُكر سابقا، أنه يمكن أن تختلف الأخلاق والمبادئ الشخصية بشكل كبير من شخص إلى آخر في المجتمع.

فأي طرف سيكون على حق؟ إن الطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي السماح للخطاب المفتوح بالتحقيق في وجهات نظر بعضنا البعض، ونأمل، في نهاية المطاف، أن نجد أرضية مشتركة بيننا.

عندما يتعلق الأمر بحقوق الملكية، على غرار حقوق النشر، يعتبر من الصعب تعريف القضايا الأخلاقية، إذ أن هذه المسألة محلّ نزاع وتتطور باستمرار خاصة مع تنامي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. فهل الإنترنت الأخلاقي ممكن؟ نعم، ولكن أخلاق من سيقع اتباعها؟

المصدر: انترستنغ انجينيرينغ