اختار قياديو حركة "تحيا تونس" الفتية تأجيل فعاليات حفل اختتام المؤتمر التأسيسي للحركة الذي كان مبرمجًا أن يتم أول أمس الأحد، مرجعين خيارهم إلى "فاجعة السبالة" التي أسفرت عن وفاة 12 شخصًا بينهم عاملات في الفلاحة، إلا أن العديد من المراقبين يرون أن السبب الحقيقي وراء التأجيل هو الخلافات التي بدأت تدبّ داخل هذا الحزب الذي يسعى لخلافة نداء تونس، خاصة أن التأجيل تزامن مع تهديد أحد قياديي الحزب بالاستقالة دفاعًا عن حرية تفكيره.

تأسيس "مشوّه"

في الـ27 من شهر فبراير/شباط الماضي، أعلن العشرات من نواب البرلمان التونسي والوزراء، تشكيل حزب جديد يحمل اسم "تحيا تونس"، يكون القوة التي يرتكز عليها رئيس الحكومة الحاليّ يوسف الشاهد في تنفيذ خططه السياسية للوقت الحاضر والمستقبل أيضًا.

جاء هذا الحزب من رحم الحزب الأم "نداء تونس"، فأغلب المنتمين إليه منشقين عن الحركة التي أسسها الرئيس الحاليّ للبلاد الباجي قائد السبسي، صيف 2012، لينضاف بذلك إلى قائمة الأحزاب التي ولدت من رحم هذه الحركة التي تصدرت المشهد السياسي في البلاد لفترة وجيزة ثم دبت فيها الخلافات فانقسمت واضمحلت.

لم تكن هذه بداية الانشقاق في الحزب الوليد، فقد سبق أن انسحبت قيادات عديدة في الصفّ الثاني والثالث خلال المؤتمرات الجهوية التي نظمها

المتأمل في مسار التأسيس وخاصة يوم إعلان الحزب، يرى سيطرة فئة معينة على الحركة الناشئة، نفس الفئة التي كانت مسيطرة على نداء تونس، فالصفوف الأولى لهذا الحزب هي ذاتها الصفوف الأولى لحزب نداء تونس مع بعض الوجوه من آفاق تونس التي اختارت الانسلاخ من حزبها بحثًا عن تجربة سياسية جديدة.

حتى اختيار اسم الحزب "تحيا تونس"، مستمد من "النداء"، فقد كان شعار حملة الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، ما جعل العديد من التونسيين يؤكدون أن لا فرق بين الأول والثاني.

ويسعى القائمون على هذا الحزب إلى تعبيد الطريق أمامهم للفوز بأغلبية مقاعد البرلمان وضمان فوز يوسف الشاهد بمنصب رئيس البلاد، خلال الانتخابات الرئاسية التي من المنتظر أن تشهدها تونس، في الشهر الأخير لهذه السنة.

يأمل الحزب في الفوز بالانتخابات القادمة

فضلاً عن اشتراكه مع نداء تونس في أسماء المنخرطين والقيادات والأنصار، تشترك حركة "تحيا تونس" مع "النداء" في دوافع التأسيس، فهي نفسها التي تأسس من أجلها نداء تونس سنة 2012 وكذلك الأهداف والطموحات التي تأسس من أجلها.

الاختلاف بشأن "التجمعيين"

من يوم إعلان التأسيس، عكف قياديو هذا الحزب الجديد على الترويج لمؤتمرهم التأسيسي الذي سيفرز قيادة الحزب الشرعية، ولمّ شمل العائلة الديمقراطية استعدادًا للانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقب إجراؤها في خريف هذه السنة، لكن لم يحصل ذلك، فختام المؤتمر تأجل.

يقول القائمون على الحزب إن تأجيل فعاليات حفل اختتام المؤتمر التأسيسي المقرر اليوم الأحد، بطلب من رئيس الحكومة يوسف الشاهد، لتزامن المؤتمر مع فاجعة السبالة التي أدت إلى وفاة 12 امرأة عاملة في الفلاحة بعد انقلاب الشاحنة التي كن على متنها.

هذا ظاهر الأمر، أما ما خفي فهو غير ذلك، فقرار التأجيل جاء نتيجة بروز خلافات كبيرة بين قيادات الحركة، في خصوص شخصيات انتمت سابقًا للتجمع الدستوري المنحل (الحزب الحاكم في عهد بن علي)، وعملت كثيرًا مع نظام المخلوع، للقيادة المركزية للحزب ونسب وجودهم ضمنها.

يتزعّم القسم الأول المنسق العام لحركة تحيا تونس سليم العزابي الذي كان يشغل منصب مدير الديوان الرئاسي لدى الباجي قائد السبسي، ويرى العزابي ضرورة وجود الشخصيات التجمعية في هياكل الحزب المركزية، لأهميتها في الانتخابات القادمة.

هذا التجمّع لن يدوم طويلاً فالانقسامات والانشقاقات بدأت تدبّ داخل جسم الحزب الذي يدعي تمثيله لما يوصف بالعائلة الديمقراطية في البلاد، ما يجعل مصيره شبيهًا بمصير الحزب الأم نداء تونس

فيما يرفض الشق الثاني الذي يتزعمه رئيس الكتلة البرلمانية "الائتلاف الوطني" والقيادي مصطفى بن أحمد، ضم الشخصيات التجمعية التي عملت صلب حزب التجمع ونظام بن علي إلى الهياكل المركزية لحركة "تحيا تونس".

وكدليل على احتدام الخلاف بين الطرفين، كتب مصطفى بن أحمد، تدوينة على صفحته الرسمية بموقع الفيسبوك عبر فيها عن تمسكه بفكره ومبادئه، وأورد بن أحمد في تدوينته ما يلي: "إنني مستعد لأدفع حياتي من أجل حرية تفكيري وإبداء رأيي".

لم تكن هذه بداية الانشقاق في الحزب الوليد، فقد سبق أن انسحبت قيادات عديدة في الصف الثاني والثالث خلال المؤتمرات الجهوية التي نظمها الحزب، غضبًا من الحركة السياسية التي انشق جل مكونها عن حركة نداء تونس.

بداية الانقسام

بداية حزب يوسف الشاهد المتعثّرة توحي للعديد من التونسيين بالمصير الذي ينتظر هذا الحزب الذي يطمح في الاستحواذ على الخزان الانتخابي  لحركة نداء تونس وخلافته في حكم تونس، مصير لن يختلف كثيرًا عن مصير نداء تونس والأحزاب التي انبثقت من رحمه.

الجميع يتذكر كيف جمع الباجي قائد السبسي صيف 2012، اليساريين والدستوريين والتجمعيين وفئات من المستقلين حوله، وضمهم لحزب نداء تونس، لكن لم يمر وقت طويل حتى بدأت الانقسامات؛ نداء تونس، فمشروع تونس لمحسن مرزوق، فحزب أو تيار المستقبل للطاهر بن حسين ثم تيار الأمل لفوزي اللومي وحركة بني وطني لسعيد العايدي ثم حركة تونس أولاً لرضا بالحاج، وصولاً إلى "تحيا تونس".

نفس الأمر يتكرر بالنسبة لتحيا تونس، فمنذ إعلان التأسيس ضم الحزب في صفوفه العديد من الوجوه سواء التي كانت في النداء أم غيرها من الأحزاب، أملاً في الوصول إلى السلطة والتمكّن قدر المستطاع من خيرات البلاد، وإن كانت قليلة.

هذا التجمّع لم يدم طويلاً، فالانقسامات والانشقاقات بدأت تدب داخل جسم الحزب الذي يدعي تمثيله لما يوصف بالعائلة الديمقراطية في البلاد، ما يجعل مصيره شبيهًا بمصير الحزب الأم نداء تونس، فلا برنامج ولا هوية مشتركة تجمع المنضوين ضمن "تحيا تونس"، وما يجمعهم حب السلطة والجاه فقط.

كان هؤلاء في النداء وفي مشروع تونس لصاحبه محسن مرزوق المنشق عن "النداء"، لكنهم لم يجدوا حظهم هناك، فاتجهوا إلى حزب الشاهد بحثًا عن ملاذ وسقف يضمهم ويضمن مصلحتهم، خاصة أن يوسف الشاهد يرأس الحكومة حاليًّا، وحظوظه كبيرة للفوز في الانتخابات القادمة، وما إن يحسوا بخيبة أمل سينفضون مباشرة من الحزب.