تمت التهدئة بعد جولة تصعيد شرسة هي الأصعب في سابقاتها بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، من ناحية كثافة النيران ودقة عمليات المقاومة، وعلى مستوى الخسائر الفلسطينية ومواكبتها للخسائر في صفوف الاحتلال الإسرائيلي.

التهدئة التي تمت بوساطة مصرية أممية قطرية تدخل في إطار مهلة لمدة أسبوع لتطبيق التفاهمات السابقة من الاحتلال الإسرائيلي، والتي تشمل إدخال الأموال القطرية بقيمة 40 مليون دولار، وزيادة مساحة الصيد وفتح المعابر وإدخال البضائع، والبدء بمشاريع البنية التحتية الخاصة بالكهرباء، كلها ضمن إطار فك الحصار بالقوة عن غزة، والتزام الاحتلال بها يعني إذعاناً لشروط المقاومة بالقوة، ويُنتظر زيارة مرتقبة خلال أيام للسفير القطري محمد العمادي إلى قطاع غزة.

الحصيلة النهائية للتصعيد 27 شهيداً، وإصابة 154 مواطناً فلسطينياُ بجراح، وتدمير 130 وحدة سكنية بشكل كامل، مع 700 وحدة بشكل جزئي، وقد هاجمت طائرات الاحتلال 350 هدفاً في قطاع غزة.

أما في صفوف الاحتلال الإسرائيلي فقد هاجمت المقاومة مستوطنات غلاف غزة والمدن الفلسطينية المحتلة أهمها عسقلان واسدود ب700قذيفة صاروخية أسقطت القبة الحديدية منها 173 صاروخاً فقط، إضافة لإصابة أهداف عسكرية بالأسلحة المضادة للدروع المتطورة، ومحاولات تنفيذ عمليات للمقاومة بطائرات مسيرة، وقد أخلى الاحتلال الإسرائيلي 35%من سكان غلاف المستوطنات، وأوقف التعليم وخطوط السكك الحديدية، ما يعني شلل الحركة بشكل كبير بانعكاساته الاقتصادية والسياسية والأمنية والنفسية على سكان غلاف مستوطنات قطاع غزة.

ردود الأفعال الإسرائيلية

تعددت ردود الأفعال الإسرائيلية لكنها أجمعت أن الجولة التي انتهت بتهدئة هي لصالح حماس والجهاد الإسلامي في غزة، وفي الوقت الذي صرح فيه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلاً: "المعركة لم تنته، وتتطلب منا الصبر والحكمة الصحيحة"، في حين قال المحلل العسكري عاموس هرائيل لصحيفة هآرتس أن "جولة التصعيد الأخيرة كانت مدمرة أكثر من سابقاتها، هناك احتمالية أن يقوم الجيش بحملة عسكرية في قطاع غزة"

أما عضو الكنيست رئيس حزب كاحول لفان المعارض الأقوى لنتنياهو علق على وقف إطلاق النار قائلاً: "إن ما يقرب من 700عملية إطلاق صواريخ صوب الأراضي الإسرائيلية، والعديد من الجرحى والقتلى، وجميع ذلك نتيجة فقدان الردع، فالجولة انتهت باستسلام إضافي لابتزاز حماس"، فيما أعلنت صحيفة هآرتس العبرية أنه قبل أسبوع ونصف من مسابقة الأغنية الأوروبية، لم تبع التذاكر بعد، ووفقاً للتقديرات سيحضر 5000 سائح فقط لهذا الحدث.

أنهى الفلسطينيون هذه الجولة بنجاح، مطالبهم المشروعة لاقت تأييد الأمم المتحدة أولاً، والتي حذرت وتحذر بشكل دائم من الوضع الكارثي في قطاع غزة

في حين قال الوزير الليكودي جدعون ساعر أن "وقف النار لا يشمل إنجازات لإسرائيل، فلم يتم منع الحرب ولكن تم تأجيلها فقط"، وقال الجنرال الأسبق في جيش الاحتلال الإسرائيلي تال روسو: "لقد حولنا حماس والجهاد إلى شركاء في الحوار، وأضعفنا السلطة، وعدنا بعد وقف إطلاق النار إلى نقطة البداية".

وتعتبر هذه المرة الأكثر انتقاداً لنتنياهو حتى داخل حزبه الليكود، فقد تحدث أعضاء كثر في الحزب أن نتيناهو "وقع في مصيدة استراتيجية أدت لارتكاب أخطاء تكتيكية"، والاستراتيجية هنا أن الاحتلال الإسرائيلي لا يريد إعادة احتلال غزة أو تحمل مسؤولياتها، وتظل خيارات الاستجابة لشروط المقاومة الفلسطينية في غزة أقل تكلفة للاحتلال الإسرائيلي.

الفلسطينيون في انتظار تطبيق التفاهمات

أنهى الفلسطينيون هذه الجولة بنجاح، مطالبهم المشروعة لاقت تأييد الأمم المتحدة أولاً، والتي حذرت وتحذر بشكل دائم من الوضع الكارثي في قطاع غزة، ونجح الوسطاء في وقف إطلاق النار للبدء بتطبيق التفاهمات.

انتزاع الحقوق بالقوة وفق سياسة التصعيد المتدرج، وكثافة النيران، والرسائل التي حملتها كل عملية للمقاومة في غزة فبعد استهداف الأبراج والمباني السكنية في غزة، كثفت المقاومة نيرانها لإثبات قدرتها على تهجير مدن بالكامل.

يبقى أن موافقة الاحتلال الإسرائيلي على تطبيق التفاهمات السابقة مع بقاء حالة التطور العسكري لفصائل المقاومة التي أدت دوراً بطولياً عبر غرفة الفصائل المشتركة، هو انتقال لجولة جديدة من المفاوضات عبر وسطاء بين الطرفين

وكان استهداف السيارة العسكرية الاستخباراتية الإسرائيلية وناقلة الجند دليل أن المقاومة تعمل وفق معلومات استخباراتية دقيقة، مما أدى للتصعيد من قبل الاحتلال الإسرائيلي في العودة لسياسة الاغتيالات.

ويجب الإشارة لتخوف كان حاضراً فلسطينياً من سوء التقدير للقرار السياسي في الاحتلال الإسرائيلي فقد ترك غادي ايزنكوت رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي السابق ملفات ثقيلة لم تحل "الوضع في غزة، والوضع في الشمال..." وتفاقمت هذه المشاكل حتى أصبح الوضع في غزة يستوجب حلاً سياسياً أو عسكرياً في ظل تولي أفيف كوخافي رئاسة الأركان الجديدة، ولكن التصعيد بشكله الذي سار عليه أعطى حتى رسالة للسياسيين والعسكريين داخل الاحتلال الإسرائيلي أن "الحرب ليست لعبة"، قد يضطر جيش الاحتلال للنزول إلى الأرض لحسم المعركة وهو ما يكبده خسائر كبيرة لحاجته إلى الهدوء في ظل تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، وانعقاد مهرجان "الأغنبية الأوروبية".

يبقى أن موافقة الاحتلال الإسرائيلي على تطبيق التفاهمات السابقة مع بقاء حالة التطور العسكري لفصائل المقاومة التي أدت دوراً بطولياً عبر غرفة الفصائل المشتركة، هو انتقال لجولة جديدة من المفاوضات عبر وسطاء بين الطرفين، عنوانها لن يشعر الجميع بالأمن، وليس هناك ما تخسره المقاومة أمام حقوق الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة، والحل تطبيق التفاهمات السابقة والجديدة عبر الوسطاء، وشرط التصعيد هو شرط الالتزام.