واجهة ضريح الإمام علي في النجف

ترجمة حفصة جودة

يسعى القادة الدينيون في إيران إلى توسيع نفوذهم على المؤسسات الشيعية في العراق المجاور، في مغامرة تهدف إلى كسب السيطرة على أكبر جماعة دينية في العراق. وتظهر الحملة الإيرانية بوضوح في مدينة النجف المقدّسة التي تعدّ موطنًا للقادة الدينيين في العراق وبوابة واسعة للسكان الشيعة الذين يمثّلون نحو ثلثي سكان العراق.

وفي مدينة النجف المكتظّة بالسكان موّلت إيران المدارس والجمعيات الخيرية وبنت المساجد وقوّت روابطها مع علماء الدين في محاولة لتقويض رجال الدين المحلّيين الذين كانوا مستقلّين بشدّة لفترة طويلة.

يقول نشطاء عراقيون إن رجال الدين المرتبطين بإيران يروّجون لنوع معيّن من اللاهوت الديني الشيعي ترعاه الدولة في معاهد المدينة، وتقوم بالمناورة لمحاولة تثبيت أحدهم كمرجعية دينية عراقية أو سلطة دينية عليا. ولا تزال ملصقات الشيخ محمود الهاشمي الشاهرودي - السياسي الإيراني البارز الذي كانت تدعمه إيران حتى وفاته - موجودة على جدران النجف.

يقول غالب الشهبندر المحلل العراقي والسياسي الإسلامي السابق: "ترغب إيران في الاستيلاء على النجف وتسعى لنشر مرجعيتها في العراق والتحكم في الحركات الدينية"، لكن التقدم الديني الإيراني في النجف واجه مقاومة شديدة وأثار غضب الشخصيات الدينية البارزة في المدينة، وقد يؤدي في النهاية إلى تأجيج غضب الشيعة العراقيين، فقد سئم الكثير من العراقيين بالفعل مما اعتبروه تدخلاً إيرانيًا كبيرًا في العراق.

صورة الشيخ الراحل الشاهرودي الذي كان ممثلًا لإيران في مدينة النجف

تعد مبادرة إيران لتوسيع نفوذها الديني تكملة لزيادة جهودها لإبراز قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية في العراق، حيث تتنافس إيران وواشنطن لبسط نفوذهما هناك، وأصبحت إيران أقوى بشكل خاص بعد أن تمكنت القوات المدعومة من طهران القيام بدور بارز في التغلب على الدولة الإسلامية وهزيمتها - التي احتلت مساحة شاسعة من شمال العراق - وما زالت القوات التي تعمل لإيران بالوكالة محتفظة بسيطرتها على مساحة كبيرة من الأراضي العراقية.

لقد كان لحلفاء إيران ومن بينهم قادة عسكريين سابقين دور مؤثر في البرلمان العراقي، وعادة ما يتوسط المسؤولون الإيرانيون في النزاعات بين الفصائل العسكرية والسياسية، كما أن العديد من وسائل الإعلام تعتمد على التمويل الإيراني، وتمتلئ السوق المحلية بواردات إيران مثل مستحضرات التجميل والبيض والصلب، وإضافة إلى ذلك فإن الكثير من مدن العراق تحصل على إمدادات الطاقة من إيران لتبقى مضيئة، وفي النجف، لا يمكن إغفال الحضور الإيراني.

يسافر مئات آلاف الإيرانيين إلى النجف كل عام لزيارة ضريح الإمام علي - ابن عم النبي وصهره الذي يقدسه المسلمون الشيعة - ذي القبة الذهبية، وكانت إيران قد مولت وساعدت على تنظيم مشروع طموح لتوسيع الضريح وإنشاء متحف ومكتبة وقاعات دراسة لطلاب الدين في ملحق منفصل، وتشارك شركة "خاتم الأنبياء" الهندسية المملوكة للحرس الثوري الإيراني الإسلامي في هذا المشروع.

ينفق السياح الإيرانيون مبالغ طائلة في أسواق النجف، كما نجد أن لافتات المتاجر والمطاعم غالبًا ما تكون بالفارسية، وتمتلئ رفوف المكتبات المحلية بالنصوص والكتيبات الدينية الإيرانية، كما تساعد إيران في الدفع لتوفير وسائل الراحة للسياح مثل توفير عيادات طبية في مستشفى الإمام علي في النجف وتقدم الدعم لخدمات الحجاج، حتى إن إحدى الشركات الإيرانية لديها عقد لجمع القمامة.

إحدى المصليات تقبل باب ضريح الإمام علي في النجف

وفي الوقت نفسه تدفع إيران رواتب الطلاب الدينيين من خلال مكاتب يديرها رجال دين إيرانيون أو حلفاؤهم، وفي بعض الأحيان تستخدم تلك الروابط لتجنيد العراقيين للقتال من أجل الميلشيات الموالية لإيران.

لكن الإيرانيين ليسوا موضع ترحيب في النجف، فرجال الدين في العراق لديهم مخاوف بشأن جهود إيران لكي يحصل مرشحها على منصب المرجع الأعلى الديني القادم، يشغل هذا المنصب الآن آية الله العظمى علي السيستاني الذي حقق استقلال العراق ووقف في وجه التدخل الإيراني.

وُلد السيستاني - 88 عامًا - في إيران لكنه كان معارضًا للمذهب الشيعي المعروف باسم "ولاية الفقيه" الذي يدعمه النظام الحكومي، وينادي هذا المذهب - الذي ما زال يختلف عليه العلماء الشيعة - بوجود قائد ديني وسياسي أعلى يفصل في جميع أمور الدولة، وأثار المذهب نقاشات طويلة المدى بين طلاب المعاهد الدينية في النجف، لكن السيستاني يدعم قيام رجال الدين بدور استشاري أكبر.

لقد كان للسيستاني نفوذ مؤثر في النجف وغيرها، فقد ألهمت قراراته ملايين العراقيين للقيام بعدة أنشطة مثل المشاركة في الانتخابات وحمل السلاح لمواجهة مقاتلي الدولة الإسلامية، كما أشاد المراقبون العراقيون بدوره في تعزيز استقلال النجف والمساهمة في تهدئة بعض أعمال العنف الطائفية في البلاد، لكن آية الله أصبح كبيرًا في السن وليس معروفًا ما قد يحدث بعد رحيله.

يقول عماد الشرع - طالب ديني سابق وباحث في معهد تقارير الحرب والسلام في العراق: "إذا مات السيستاني سنواجه صعوبة كبيرة في استبداله وسط وجود هذا العدد من رجال الدين المرتبطين بإيران، فإيران تحاول بسط نفوذها في النجف بخلق علاقات قوية مع كبار رجال الدين مما أضعف النجف، لكن لا يمكن لأحد أن يدير النجف وهو خارجها".

الشيخ جاسم المندلاوي والشيخ إيراهيم البغدادي يجلسان في الحسينية

لقد حاولت إيران من قبل، ففي وقت قريب أرسل المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي، الشاهرودي - كبير قضاة الجمهورية الإسلامية الأسبق - إلى مسقط رأسه النجف لافتتاح مكتب وبناء شبكة من الأتباع، يقول زملاؤه إنه سافر إلى العراق مطلع 2012 بهدف أن يصبح السلطة الدينية العليا في العراق، وهو مشروع من شأنه أن يعزز قبضة إيران على النجف.

يقول مصدر مقرب من السيستاني: "عندما جاء الشاهرودي إلى العراق كان يعد نفسه ليصبح مرجعية العراق بعد وفاة السيستاني"، ويقول الشيخ جاسم المندلاوي أحد شركاء الشاهرودي في العراق "لقد كان أمرًا محتملًا، فالشاهرودي ولد في العراق، لكنه كان يعمل بهدوء احترامًا للسيستاني".

لكن استقبال رجال الدين العراقيين للشاهرودي لم يكن كما يأمل، فقد صعقه الاستقبال الفاتر، فقرر مغادرة العراق، وعندما عاد إلى إيران شغل منصبين حكوميين رفيعين قبل وفاته في ديسمبر الماضي عن عمر يناهز الـ70، والآن أصبح المجمع الفسيفسائي الذي أنشأه في النجف خاليًا إلا من حارس وحيد، لكن هناك آخرين يرغبون في رؤية العراق تابعة لقادة إيران.

يرتبط الشيخ علاء الدين الجزري بعلاقات وثيقة مع إيران كما يدافع عن حكومة إيران الثيروقراطية علنًا ويقول إنها بإمكانها أن تحل محل الدولة السياسية الفاسدة الحاليّة في العراق، وأضاف في لقاء بمكتبه وسط النجف: "طموحي في العراق تأسيس نظام ديني، كرجل دين أومن بأن ديننا قادر على إدارة جميع شؤون الحياة والدولة".

واجهة ضريح الإمام علي في النجف

يعمل الجزري مسؤولاً دينيًا كبيرًا في حركة النجباء وهي ميليشيا مدعومة من إيران، وصنفتها الولايات المتحدة مؤخرًا كمنظمة إرهابية في مارس الماضي، كما أنه على علاقة مباشرة بمكتب المرشد الأعلى لإيران.

يقول الجزري في إشارة إلى ردود الفعل العنيفة التي قد تظهر بين العديد من العراقيين: "يعتقد بعض الناس أنه لا بد من وجود فتوى تدعو لثورة للإطاحة بالدولة، ويرى آخرون أن تلك الفتوى تعد انتحارًا".

إن تحركات إيران العلنية للسيطرة على توجهات المؤسسة الدينية قد تثير غضب العراقيين، فقد حذر أتباع السيستاني من أن خلفه الموالي لإيران سيؤدي إلى إضعاف استقلال المؤسسة الدينية في العراق، ويهدد التوازن الدقيق بين القوى الدينية والسياسية في البلاد.

يقول الشيخ خالد البغدادي - رجل دين مقيم في النجف ومساعد مقرب من السيستاني -: "يلعب السيستاني دورًا كبيرًا في حفظ السلام وتعزيز أمن واستقرار العراق، لقد كان هذا هدفه منذ البداية"، وعند سؤال البغدادي عن محاولة إيران الترويج لحلفائها في النجف، ضحك البغدادي وقال: "ليس للإيرانيين أي سلطة هنا، ولا يمكن لأي سلطة فرض إرادتها علينا".

المصدر: واشنطن بوست