إن لم تحصل على شرعية الصندوق ولا شرعية الثورة فعليك بشرعية "الحرب على الإرهاب" أو "شرعية الحرب على أنصار الشريعة".. من هذا المبدأ انطلق الجنرال الليبي المتقاعد "خليفة حفتر" ومجموعة من الجنرالات، رحلتهم لإيجاد شرعية لتواجدهم السياسي والعسكري.

حفتر ورفاقه هم مجموعة من الضباط الذين تخلى عنهم معمر القذافي قبل عشرين سنة من الثورة في حرب التشاد بسبب تفوقهم العسكري وخشيته من أن ينقلبوا عليه، فالتقطتهم الولايات المتحدة الأمريكية وأرسلت مروحيات خاصة أخرجتهم من مكان أسرهم في سجون التشاد لينتقلوا إلى أمريكا ويعيشوا هناك في ضيافة الجيش الأمريكي لعقدين، ثم يعودوا إلى ليبيا في أيام الثورة وبين أيديهم دعم مادي وعسكري لم تحصل عليه باقي كتائب الثوار.

ورغم فشل حفتر ورفاقه في السيطرة على الجيش الليبي حديث الولادة، وفشله في الإطاحة بالمؤسسة المنتخبة الوحيدة في ليبيا (المؤتمر الوطني) استطاع حفتر بفضل علاقاته بالعسكريين وبفضل الحصانة القبلية التي يتمتع بها أن يبقى طليقًا في شرق ليبيا وفي مدينة بنغازي بالذات وهو ما مكنه من الإعداد لـ "الانقلاب الثاني" الذي حاول تنفيذه مساء أمس.

وحسب وكالات الأنباء، تسلسلت أحداث بنغازي بالأمس كالتالي:

- أفاقت مدينة بنغازي على دوي طلقات مدفعية وأزيز الرصاص؛ حيث تبين أن اللواء حفتر يقود بنفسه هجومًا على إحدى كتائب الثوار التي تنطوي تحت عباءة رئاسة هيئة الأركان الليبية، وصاحب ذلك تحليق طائرة حربية تضاربت الأنباء حول انتمائها للجيش الليبي، كما قالت مصادر أخرى إنها تابعة للجيش المصري.

-  منتصف النهار، انتهت الجولة الأولى من الهجوم مخلفة قتيلاً واحدًا في صفوف كتيبة "رأف الله السحاتي" المنتمية لرئاسة هيئة رئاسة الأركان الليبية.

-  الساعة الثانية بعد الظهر، ألقى رئيس الوزراء الليبي المؤقت "عبد الله الثني" وإلى جانبه قائد هيئة رئاسة الأركان بيانًا طالب فيه الأهالي وثوار بنغازي بإيقاف زحف قوات حفتر الذي اعتبره "انقلابًا" على ثورة السابع عشر من فبراير/ شباط 2011.

-  استمر هدوء حذر لساعتين.

-  في الساعة الرابعة، بدأت الجولة الثانية من الاشتباكات بين الطرفين، لكن في هذه المرة انضمت كتيبة 17 فبراير إلى كتيبة "رأف الله السحاتي" في مواجهة قوات حفتر.

-  في الساعة الخامسة، أعلن العقيد "سالم الرفادي" آمر منطقة طبرق العسكرية (شرق)، أنه "على استعداد لدعم قوات حفتر بالرجال والذخيرة"، وقال في تصريحات للأناضول إن "ما تقوم به قوات حفتر هو إنقاذ للوطن من تلك الجماعات المسلحة الخارجة عن الشرعية".

-  في الساعة السادسة، عاد الهدوء وانسحبت قوات حفتر إلى ثكنتها في منطقة الرجمة بضواحي بنغازي.

-  في الساعة الثامنة تزايدت أعداد  كتيبة 17 فبراير التي جاءت لمساندة كتيبة  "رأف الله السحاتي" وبدت في أهبة الاستعداد لصد هجوم عسكري آخر.

دون تحليل يمكن ملاحظة أن:

-  قوات حفتر أعلنت أنها تتحرك لمحاربة أنصار الشريعة ولكنها هاجمت كتائب أخرى ليست محسوبة على أنصار الشريعة وإنما تابعة للجيش.

-  بعد تنفيذ الهجوم ودن الرجوع إلى قيادة الجيش ولا للحكومة ولا البرلمان المنتخب، قالت قوات حفتر إنها "تحركت للقضاء على المسلحين الذين يتحركون خارج مؤسسات الدولة".

وأما نقطة التحول التي غيرت موازين القوى في بنغازي وأفشلت خطة حفتر، فتمثلت في انضمام كتيبة 17 فبراير (مستقلة عن كل التيارات والتنظيمات) للدفاع عن كتيبة رأف الله  السحاتي في مقرها الذي كادت قوات حفتر أن تسيطر عليه.

والغريب في هذا الأمر هو أن كتيبة 17 فبراير على عداء مع  رئاسة الأركان التي  تتبع لها كتيبة رأف الله السحاتي، وقبل أيام قليلة أصدرت رئاسة أركان الجيش الليبي قرارًا بإخلاء مقر كتيبة 17 فبراير في بنغازي وتسليمه  للجيش بعد أن وقعت مناوشات  مسلحة غامضة بالقرب منه، وهو ما جعل بعض المحللين يذهبون إلى أن جزءًا من مخطط حفتر كان يتمثل في إثارة العداء بين كتيبة 17 فبراير وهيئة الأركان حتى يتمكن في ما بعد من الاستفراد بها كلّ على حدا.

وفي إطار خطوات إضافية لبسط سيطرة الجيش على المدينة، نقلت وكالات أنباء أن الجيش الليبي حاصر بعض الطرق الرئيسية المؤدية إلى بنغازي لمنع وصول أي إمدادات لقوات حفتر، كما أشارت مصادر أخرى إلى اشتباكات متفرقة في بنغازي بين عدد من الكتائب الأخرى التابعة للجيش التي تسعى لتقويض حركة قوات حفتر.

وكان رئيس أركان الجيش الليبي اللواء "عبد السلام العبيدي" قد صرح مساء أمس أن قوات اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" هي قوات "غير شرعية تسعى للانقلاب على الشرعية"، مضيفًا: "قوات حفتر غير شرعية وليست تابعة للجيش، وهي تسعى للسيطرة على مدينة بنغازي"، كما أكد في المقابل أن الطائرات التي تحلق في سماء بنغازي تتبع بالفعل لقاعدة بنينا الجوية، إلا أنها خرجت للتحليق بدون تلقي أوامر من قبل القاعدة.