أيام ثقيلة يشهدها ريف مدينة حماة السورية، حيث شنّ الطيران الحربي الروسي مئات الغارات وألقت مروحيات قوات النظام عشرات البراميل المتفجرة على المنطقة المحاذية لريف إدلب الذي يتعرض أيضاً لقصف عنيف، هذا التصعيد تبعه تحرّك للآلة العسكرية لقوات النظام والميلشيات المرافقة له فيما يبدو على أنه بدء عملية عسكرية للسيطرة على مدن ومواقع ريف حماه بالكامل.

وأظهرت مقاطع فيديو نشرها جنود من قوات الأسد وجنود روس، أمس، سيطرتهم على مدينة كفرنبودة بعد تدمير الكثير من بيوتها، فيما يتوعد الجنود بالسيطرة على إدلب والانتقام منها. وتعتبر كفرنبودة من خطوط الدفاع الأولى عن إدلب وريفها، غير أن ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي ذكروا أن قوات النظام تواصل تقدمها وأنه سيطرت على بلدة قلعة المضيق، وهي الشريان التجاري بين مناطق الأسد والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

قوات الأسد في كفرنبودة ويهددون بقية المناطق تحت سيطرة المعارضة

السيطرة على هذه المناطق من قبل الأسد ينسف اتفاق سوتشي الموقّع بين تركيا وروسيا، الذي جرى على إثره نشر نقاط مراقبة تركية في عدة مناطق بشمالي سوريا، إلا أن هذه النقاط لم تسلم أيضاً من القصف، فقد قتل ضابط تركي وجُرح آخرون بقصف مدفعي على نقطتهم، كما تعرضت مواكب عسكرية تركية للاستهداف المباشر من رصاص قوات النظام، دون ردٍّ تركي يذكر.

من جانبها أعلنت روسيا أن قصفها لمناطق في محافظة إدلب سيستمر بالتنسيق مع تركيا، ردًا على ما وصفتها بـ"الهجمات الإرهابية"، بحسب نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين. وقال فيرشينين، إن "تصرفات قوات الحكومة السورية وقوات الفضاء الروسية في منطقة إدلب هي رد فعل على الهجمات الإرهابية".

 

القصف الكثيف على بلدة الهبيط

دور الضامن التركي

من جهته تساءل الكاتب والباحث السوري أحمد أبازيد على تويتر، "السؤال بات جدياً عن النقاط التركية في مورك وشير مغار فيما لو استمر تقدم النظام بالقرب منها، هل ستقوم القوات التركية بالانسحاب مسبقاً، أم يمكن أن تحافظ على وقف إطلاق نار خاصةً فيما لو تم حصارها من قوات النظام والميليشيات الإيرانية؟"

وهاجم أبازيد مفاوضي أستانة ببيعهم الوهم للسوريين لتبرير خدمتهم في مسارات الدول، واستمرارهم بتأكيد استحالة حصول محاولة تقدم للنظام والميليشيات الإيرانية، محملاً مسؤولية ما يحصل لمؤتمر أستانة والوفود المشاركة والضامنون، مضيفاً أن خطة النظام هي التقدم من كفرنبودة باتجاه الهبيط غرباً، والتقدم بذراع مقابل شرقاً حتى إنجاز طوق يضطر ريف حماة الشمالي للانسحاب.

وفي مقال نُشر على وكالة الأناضول التركية الرسمية، ذُكر أن الطرف الروسي، ومن خلفه نظام الأسد والإيرانيون، يجيدون الالتفاف على جميع ما يتم التوصل إليه من تفاهمات واتفاقات في اجتماعات أستانا وغيرها، من خلال اختلاق تفسيرات مختلفة ومخالفة لنص وروح الاتفاق، ومن خلال الادعاءات الكاذبة بأن قاعدتهم في حميميم تتعرض لهجمات من طرف "الإرهابيين".

وأوضح المقال بأن موسكو تطالب أنقرة بالقضاء على القاعدة وإخراج عناصرها من إدلب، لكن في الوقت ذاته لا موسكو ولا غيرها يمد يد العون لتركيا بهذا الصدد. في المقابل لم تلتزم موسكو بأي من تعهداتها. أكثر من ذلك فإن الروس لا يستهدفون هيئة تحرير الشام في هجماتهم، لكي يستمروا في استخدامها شماعة من أجل خلط الأوراق كلما دعت الحاجة.

تحركات خجولة للمعارضة

من جانبها أعلنت الجبهة الوطنية للتحرير وهي إحدى الفصائل المعارضة المسلحة المشاركة في صد هجوم النظام أنها دمرت عدداً من الآليات والدبابات وقتلت عشرات الجنود من جيش النظام، وتقف فصائل الوطنية للتحرير إلى جانب جيش العزة وجيش النصر والجيش الثاني في محاولات منع النظام من التقدم.

إلا أن هجوم هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) على الفصائل في الشهور السابقة وسلب سلاحهم في هذه المناطق أضعفهم مما جعل قدرتهم على صد أي هجوم عسكري ضعيفاً. وذكر مصدر عسكري من فصائل المعارضة، رفض الكشف عن اسمه، لـ "نون بوست" أن المساحات التي سيطر عليها النظام كانت "قلاعًا" قبل هجوم "تحرير الشام" والسيطرة على إمكانياتهم. مضيفاً أنه بعد كل هجوم للنصرة على الفصائل يقتطع النظام أرضًا من المساحات التي تسيطر عليها قوّات المعارضة.

وقال المصدر إن المعارك الداخلية بين الفصائل أنهكتهم، وأنه بعد كل محاولة لإعادة قوة الثورة تقوم قوات النصرة بهجوم على الفصائل طمعاً بالسيطرة والسلطة. ذاكرًا أن الظروف أصعب من أي وقت مضى، إلا أن لديهم خطة لإيقاف النظام وقواته عبر عمليات دفاعية وهجومية فيما يضمن عدم وصول النظام لمبتغاه.

أزمة إنسانية

يأتي هذا التصعيد العسكري بعد أيام من بدء حملة قصف عنيفة شملت معظم مناطق الشمال السوري والتي نال ريف حماه وريف إدلب الجنوبي النصيب الأكبر منها، الأمر الذي أدى إلى مقتل وجرح عشرات المدنيين ونزوح عشرات آلاف السكان من قراهم باتجاه المناطق الحدودية مع تركيا. وقد قتل النظام وحليفه الروسي بهجماته 108 مدنياً نصفهم من الأطفال والنساء، كما تسبب القصف  بتدمير كامل أو جزئي لدور عبادة ومشافي ومدارس ومنشآت حيوية ومراكز دفاع مدني قُدرت بـ 82 مكان بحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان.

تدمير مدرسة بالكامل في بلدة كنصفرة 

إضافة لذلك، نوَّه التقرير إلى أنَّ قوات النظام السوري استخدمت البراميل المتفجرة لأول مرة منذ دخول اتفاق سوتشي حيِّز التَّنفيذ، مسجلًا  1068 غارة جوية 496 منها على يد سلاح الجو التابع لقوات النظام السوري، و572 من قبل سلاح الجو الروسي. وتسبَّبت القصف في موجة نزوح كبيرة من ريفي حماة الشمالي والغربي،و بلغ عدد النازحين قرابة 130 ألف نسمة منذ 26/ نيسان حتى 6 أيار/ 2019.

إسعاف مصابين بقصف قوات الأسد

من ناحيته، أعرب أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه إزاء الهجمات الجوية التي استهدفت مواقع تمركز المدنيين والبنى التحتية، وما نتج عنها من مقتل وجرح مئات المدنيين ونزوح الألاف، وحثّ غوتيرش كافة الاطراف على احترام القانون الإنساني وحماية المدنيين، فيما دعا للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي أنتجه اتفاق سوتشي في سبتمبر الماضي.

نازحون إلى المناطق الحدودية مع تركيا

وفي ظل هذه الأزمة التي يشهدها الشمال السوري الذي يقطنه أكثر من 4 ملايين سوري، لم تجد المنظمات الإغاثية حتى اليوم أي تحرّك من مكاتب الأمم المتحدة أو تخصيص أي دعم عاجل لإغاثة النازحين، بل تعتمد هذه المنظمات على مواردها المخزنة، كما ذكر عبد الرزاق عوض المسؤول الإغاثي بمنظمة بنفسج المتواجدة بشمال سوريا، وقال عوض إن خطة استجابتهم للأزمة ضعيفة نتيجةً لشح الموارد مع وجود تواصل مع فعاليات دولية وإطلاق نداءات عاجلة لتدارك الكارثة.