تواصل القيادة العسكرية في السودان مساعيها الحثيثة الرامية إلى إضعاف حراك السودانيين الذي انطلق قبل أشهر من الآن، حتى تتمكن من حكم البلاد بمفردها ومواصلة بسط يدها على دواليب الدولة.

مساعٍ اتخذت أشكالًا عدة من المراهنة على الوقت إلى بث الإشاعات وصولًا إلى اختلاق مواضيع هامشية، كل ذلك من أجل تفريق الجمع والحط من عزيمته وتفجير الحراك المطالب بالحرية ومدنية الدولة.

خلق مساءلة جدالية

آخر الوسائل التي لجأ إليها عسكر السودان، إصراره على أن تكون الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية مصدرًا للتشريع في البلاد، وتبرّر ذلك باحترامها لمرجعية الشعب السوداني الذي لا يستغني عن الشريعة وفق قول القيادة العسكرية.

دعوة المجلس العسكري الانتقالي في السودان بإدراج الشريعة والأعراف المحلية في مسودة وثيقة دستورية التي اقترحتها قوى الحرية والتغيير (تحالف من مجموعات الاحتجاج والأحزاب السياسي)، واجهت معارضة كبيرة من المعتصمين أمام مقر قيادة الجيش، باعتبار أن هذه المسألة هامشية وأيضًا عدم تقديمها أي إضافة للبلاد في فترة حكم عمر البشير.

"النظام السابق كان يقول إنه يحكم بالشريعة خاصة أن نظام الرئيس المخلوع عمر البشير يرتكز على فكر الإخوان المسلمين وزعيمهم في السودان حسن الترابي، وهذا الأمر دفع السودان للدخول في أزمات سياسية واجتماعية عديدة"، وفق الصحفي السوداني خالد أحمد.

يقول أحمد في تصريح لـ"نون بوست": "السودان بلد شديد التنوع الإثني والديني، والممارسات التي كان يمارسها النظام السابق أدت لفصل إقليم الجنوب وأصبح دولة مستقلة وأشعلت الحرب في عدة مناطق أخرى لعدم احترام التنوع الديني، فقد كان يريد حكمهم عبر الشريعة بجانب التهميش الاقتصادي والاجتماعي".

"الآن جاءت هذه الثورة وأسقطت النظام والشارع السوداني أصبح لا يستطيع الثقة في أي دعوات أصولية"، يقول خالد أحمد، ويضيف "المجلس العسكري يعرف جيدًا أن المجتمع السوداني لديه عاطفة دينية وصوفية لذلك يسعى لطرح موضع خلافي مثل مرجعية الشريعة في الدستور الانتقالي".

يشهد السودان في الوقت الحاليّ، مفاوضات بين قيادة الجيش وقوى الحرية والتغيير، لبحث كيفية تنظيم الفترة الانتقالية في البلاد

ينص الدستور السوداني الحاليّ (تم تعطيل العمل به) الذي صدر عام 2005، على كون "الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرًا للتشريعات''، مع مراعاة خصوصية جنوب السودان الذي انفصل لاحقًا، قبل ذلك، كان دستور 1998 ينصّ على الأمر ذاته، حيث يذكر أن "الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً ودستورًا وعرفًا هي مصادر التشريع، ولا يجوز التشريع تجاوزًا لتلك الأصول"، كما يشير الدستور ذاته إلى مفاهيم إسلامية أخرى كالجهاد والزكاة.

ويؤكد خالد أحمد أن الشعب السوداني بقي 30 عامًا تحت حكم يدعى تطبيق الشريعة ولم يجد وراء ذلك سوى الحروب والفقر، لذلك لا أعتقد أن العامل الديني والأحزاب التي ترفع شعارات دينية سيكون لها تأثير كبير في الشارع.

ويخشى أهل السودان أن يستغل العسكر الشريعة الإسلامية كما فعل عمر البشير سابقًا، لشرعنة حكمهم واضطهاد معارضيهم، فسبق أن انقلب البشير على حليفه آنذاك حسن الترابي وأدخله السجن بصحبة قادة إسلاميين عدة بتهمة انتهاك الشريعة الإسلامية.

ويؤكد العديد من السودانيين المشاركين في اعتصام القيادة العامة، أن ثورتهم تسعى لإقامة دولة مدنية لا مكان فيها للعسكر سوى في الثكنات ولا مكان فيها لاستغلال الحاكم للدين، فالدين للجميع.

المراهنة على عامل الوقت

فضلاً عن خلق مواضيع جدالية لا اتفاق عليها، يعمل المجلس الانتقالي في السودان على استثمار عامل الوقت لإضعاف همّة المحتجين ودفعهم إلى مغادرة أماكن اعتصامهم والتخلي عن مطالبهم التي يرى العسكر أنها تعجيزية.

"يعمل الجيش على إضعاف الحراك بالمراهنة على صبر المعتصمين خاصة أن درجات الحرارة مرتفعة جدًا خلال النهار"، يقول الصحفي أحمد خالد لـ"نون بوست".

إلى جانب ذلك يعمل العسكر على "شراء الوقت من خلال  تطويل أمد المفاوضات بينه وبين القوى المعارضة لتشكيل الحكومة المدنية الانتقالية"، يضيف أحمد، مشيرًا إلى أن إطالة أمد التفاوض ليس في صالح الشعب السوداني والغرض منه معروف.

يشهد السودان في الوقت الحاليّ، مفاوضات بين قيادة الجيش وقوى الحرية والتغيير، لبحث كيفية تنظيم الفترة الانتقالية في البلاد، غير أن هذه المفاوضات تتسم بغياب توافق واضح بين الطرفين، ووجود تباين في الرؤى بشأن كيفية إدارة المرحلة الانتقالية، وسط حالة من عدم الثقة بينهما.

يسعى المجلس العسكري لبث الفرقة بين المعتصمين

وكان إعلان قوى الحرية والتغيير قد أرسل مسودة الوثيقة إلى المجلس العسكري الخميس الماضي، متضمنة رؤيته للفترة الانتقالية، وقال تجمع المهنيين السودانيين الذي يقود الاحتجاجات في السودان في وقت سابق إن المجلس العسكري الانتقالي رد على مقترحاته بشأن هيكل الحكومة المؤقتة والتجمع سيعلن موقفه بعد دراسة الرد.

بدورها تؤكد الصحفية السودانية رانيا محمد نمر في تصريح لـ"نون بوست" أن الجيش يراهن على عامل الوقت لإخماد الحراك والتمكن من المحتجين، لكنه لن يجدي نفعًا لأن الحراك أصبح أكثر عمقًا، وفق قولها.

وترى الصحفية السودانية أن عامل الوقت ليس في صالح العسكر، كما يعتقدون، لأن حال البلد سيئة جدًا، فالخدمات ازدادت سوءًا وضعفًا في كثير من الأقاليم، ما يجعل العسكر على مقربة من فقدان السيطرة على الوضع.

بث الإشاعات

لم يكتف عسكر السودان بعامل الوقت ولا خلق المواضيع الجدالية، بل لجأ أيضًا لاستخدام سلاح الإشاعات للوصول إلى غايته المنشودة، وهي فض اعتصام القيادة العامة وباقي الاعتصامات في مختلف ربوع البلاد وبالتالي إنهاك حراك السودانيين.

"يستخدم الجيش سلاح الإشاعات، من ذلك الترويج لوجود ممارسات غير أخلاقية في الاعتصامات، وانتشار مخدرات فيها بجانب دس عناصر وسط المعتصمين تعمل على افتعال إشكالات"، وفق أحمد خالد.

يرى المعتصمون أن الاعتصام هو الذي يحفظ لهم الحقوق حتى إن تأخر الاستجابة لها

يقول الجيش أيضًا، وفق أحمد، إن اعتصام القيادة العامة، يعرقل حركة القطارات لأن مكان الاعتصام تمرّ عبره خط السكة الحديدية، وهذا القطار يحمل المواد الغذائية والوقود للولايات، والغاية من ذلك حسب خالد أحمد فض الاعتصام.

استغل الجيش نقطة السكة الحديدية، وأصبح يضغط على الثوار بهذا الأمر لفك بعض الحواجز لسير القطار، ولكن ما زال الثوار يرفضون ذلك بل زادوا أعداد الحواجز في وسط العاصمة الخرطوم.

ماذا عن الشعب؟

"هنالك حالة وعي كبيرة تشكلت داخل ساحة الاعتصام، حيث تحول لساحة تعارف ولقاء بين جميع مكونات الشعب، فالوفود تأتي إليه بشكل يومي وكبير من المدن السودانية المختلفة،" وفق خالد أحمد.

ويرى المعتصمون أن الاعتصام هو الذي يحفظ لهم الحقوق حتى إن تأخر الاستجابة لها، فهو بمثابة صمام أمان لهم، بعد أن عرفوا أنه إذا تم فض اعتصامهم لن تتحقق مطالبهم، وفق الصحفية السودانية رانيا محمد نمر.

يصر المحتجون على مدنية الدولة

عندما كان النظام السابق يحكم البلاد كان التخويف والترهيب من يحمي النظام، وفق رانيا، لكن اليوم أصبح المواطن أكثر تفهمًا ووعيًا وأصبح يعلم أن الاعتصام من حقه حتى تنفذ كل المطالب.

ويشير خالد أحمد إلى صعوبة فض الاعتصام بالقوة، حيث يقول في ختام حديثه لنون بوست، إذا فكرت قيادة الجيش في فض الاعتصام بالقوة، فسيكون ذلك خطأ إستراتيجيًا سيكلف قادة الجيش مواقعهم، فالأعداد المعتصمة أمام قيادة القوات المسلحة تفوق مليوني في أوقات النهار ولا يمكن استخدام القوة في مواجهة هذه الأعداد الكبيرة.