دون اكتراث بردود الفعل، يمضي الاتحاد الأوروبي في مشروعه للتخلص التدريجي من استخدام زيت النخيل وإبعاده عن قوائم الوقود الحيوي حتى ينتهي من الوجود بحلول عام 2030، ما دفع دول مثل إندونيسيا وماليزيا، باعتبارهما الأكبر في العالم إنتاجًا لزيت النخيل، إلى رفض القرار، ليس فقط بسبب تضررهمها، ولكن لأن زيت النخيل ما زال حلاً جيدًا للعديد من الدول الكبرى وعلى رأسهم الصين.

واردات الصين من المنتج المغضوب عليه أوروبيًا، ارتفعت إلى 15% عام 2017، بنحو 510 مليون دولار، ومع استمرارها في الطلب بشراسة على المنتج، كانت تبلغ صادراته إلى الاتحاد الأوروبي نفسه نحو 17.2 مليار دولار أمريكي حتى العام الماضي، تطورت خريطة العمالة بالمجال في ماليزيا وإندونيسيا، وأصبح يعمل به ما يقرب من 17 مليون وظيفة، مما يعني أن العبث بهذا الكم من فرص العمل سيبرر تهديد ماليزيا للاتحاد الأوروبي بمقاطعة بعض المنتجات الأوروبية إذا استمر التمييز غير العادل ضد زيت النخيل.

ماذا حدث؟ ولماذا الحرب على زيت النخيل؟

منذ التسعينيات وزيت النخيل يقتحم أغلب المواد التي نستهلكها كل يوم، ما جعل دولة مثل إندونيسيا تتوسع في زراعته بواسطة أكثر من 4 ملايين مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة، وأصبح مصدر دخل ثابت لنحو 7 ملايين عامل، وفروا للبلاد عام 2017 ما يقرب من 23 مليار دولار.

عملت إندونيسيا والاتحاد الأوروبي، وتوصلوا لاتفاق شراكة طوعي عام 2003 للحد من قطع الأشجار وتصدير الأخشاب بصورة غير قانونية إلى الاتحاد الأوروبي، ومع عدم الالتزام بالاتفاق، اضطر الاتحاد في النهاية إلى حظر توريد زيت النخيل المصمم لحماية الغابات الاستوائية

بنهاية 2017 أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا بالتخلص التدريجي من الوقود الحيوي المصنوع من زيت النخيل، حفاظًا على الطبيعة، وفرض حظر ضمني على الوقود الأحفوري الذي يشتمل على نسبة 10% من ديزل المركبات ويزيد من المشاكل المرتبطة بانبعاثات الكربون، وهي مقدمات تخيف الأوروبيين من أن زيت النخيل قد يكون أحد المحاصيل عالية الخطورة.

في وقت سابق، عملت إندونيسيا والاتحاد الأوروبي وتوصلوا لاتفاق شراكة طوعي عام 2003 للحد من قطع الأشجار وتصدير الأخشاب بصورة غير قانونية إلى الاتحاد الأوروبي، ومع عدم الالتزام بالاتفاق، اضطر الاتحاد في النهاية إلى حظر توريد زيت النخيل المصمم لحماية الغابات الاستوائية، ما أضر بصورة عكسية بسبل عيش المزارعين.

لماذا تتحدى ماليزيا وإندونيسيا القرار؟

يرى البلدان أن تأثير حظر الاتحاد الأوروبي سيكون ضئيلًا عليهما، خاصة أن نحو خمس إنتاج البلدين فقط يذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي، بينما تحتفظ الصين والهند، بصدارة مستهلكي هذه الخامات، ورغم توفير زبائن المنتج، فإن حظر الاتحاد الأوروبي قد يعيق جهود البلدين في إدارة الغابات وتجارة زيت النخيل بشكل أكثر استدامة، لذا دفعت إندونيسيا شركات زيت النخيل إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد الاتحاد الأوروبي.

دعت الحكومة الماليزية جيرانها للمساعدة في الدفاع عن صناعة زيت النخيل ضد ما تعتبره حملة تمييزية من الاتحاد الأوروبي لوقف الاعتراف بالسلعة كمكون للوقود الحيوي

لم تكتف الحكومة الإندونيسية بذلك بل أصدرت بيان استنكار وأكدت أنها ستقف خلف شركات زيت النخيل في بلادها وستدعمها في رفع دعاوى ضد الاتحاد الأوروبي، إذا مضت كتلة بلدانه قدمًا في خطتها للتخلص التدريجي من استخدام السلعة، وعدم التراجع عن تصنيف النخيل كمحصول يسبب إزالة الغابات ويجب التخلص منه بحلول عام 2030.

فيما دعت الحكومة الماليزية جيرانها للمساعدة في الدفاع عن صناعة زيت النخيل ضد ما تعتبره حملة تمييزية من الاتحاد الأوروبي لوقف الاعتراف بالسلعة كمكون للوقود الحيوي، وقالت تيريزا كوك وزيرة الصناعات الأولية في ماليزيا، إنه يتعين على الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا، دعم بعضها البعض ضد التهديدات الخارجية لصناعة ذات أهمية للمنطقة مثل زيت النخيل.

رد فعل العنيف من الماليزيين والإندونيسيين ضد تحرك الاتحاد الأوروبي للحد من استخدام المحاصيل التي تسبب إزالة الغابات في وقود النقل، نجح في تحريك المفوضية الأوروبية، ووافقت في مارس الماضي على العودة لإستراتيجية جديدة للتخلص التدريجي من الوقود الحيوي القائم على زيت النخيل بحلول عام 2030.

المفوضية التي اتهمت الزيت بإزالة الغابات وتدمير الحياة البرية والظلم الاجتماعي للقوى العاملة في المزارع، اعترفت في الوقت نفسه أن الحكومة الماليزية على وجه التحديد بذلت جهودًا كبيرة لتحسين استدامة صناعة زيت النخيل لديها، ومعالجة المخاوف مثل إزالة الغابات، وأكدت أن هناك عملاً جادًا يتم على الأرض للحد من التوسع في مزارع النخيل بحلول عام 2023، واستخدام مواد زراعة عالية الإنتاجية دون الحاجة إلى التوسع في بتر غابات جديدة.

يراهن البلدان على الموقف السلبي للولايات المتحدة من الأزمة، ربما انتصارًا لمصالحها التي تشكل ما يقرب من 3% من سوق التصدير العالمي لزيت النخيل

وترى ماليزيا أن محاولة القضاء على زيت النخيل ليس قرارًا بريئًا، في ظل مخالفات دولة مثل سنغافورة التي استضافت الحوار الدولي الساعي لمكافحة أنشطة زيت النخيل، مع أنها لم تقدم أي حلول لحديقة حيوان سنغافورة التي ارتكتبت جريمة بتر أشجار الأورانجوتان النادرة.

على جانب آخر، يراهن البلدان على الموقف السلبي للولايات المتحدة من الأزمة، ربما انتصارًا لمصالحها التي تشكل ما يقرب من 3% من سوق التصدير العالمي لزيت النخيل، بجانب عدم تفرغها لمثل هذه المعارك في الوقت الحاليّ، بسبب المعركة السياسية المسيطرة على المشهد العام في الولايات المتحدة.

هل يخفي الاتحاد الأوروبي الحقائق؟

ردود الفعل المتباينة، تقود الباحث عن أصل الأزمة إلى نتائج مثيرة، فأشجار النخيل الزيتية التي تستخدم ثمارها لإنتاج زيت النخيل لها عمر تجاري محدود يبلغ 25 عامًا، وبمجرد انتهاء هذه الفترة، سيكون من الضروري قطع الأشجار وإعادة زراعتها لأن الأشجار القديمة تصبح أقل إنتاجية ويصعب حصادها.

تشعر ماليزيا وإندونسيا بالغدر من الاتحاد الأوروبي، بسبب اعتماده على خطاب إعلامي طوال السنوات الماضية، ساهم في تشويه زيت النخيل وتصويره في الذهنية الأوروبية على أنه الشر الذي يجب إيقافه

ومع أن عملية إعادة الزراعة تهدد بخطر فقدان التنوع البيولوجي، مما يؤدي إلى مزيد من الإضرار بالبيئة، إلا أن مزارع نخيل الزيت لديها بالفعل مستويات أعلى من التنوع البيولوجي، مقارنة ببعض المحاصيل الأخرى التي لم يعمل الاتحاد الأوروبي على حمايتها، بجانب عدم اهتمامه بحاجات البلدان النامية التي لا بديل أمامها ولا تملك التوسع في زرع بذور اللفت أو عباد الشمس أو فول الصويا، من أجل تلبية احتياجاتها.

كما تشعر ماليزيا وإندونسيا بالغدر من الاتحاد الأوروبي بسبب اعتماده على خطاب إعلامي طوال السنوات الماضية ساهم في تشويه زيت النخيل وتصويره في الذهنية الأوروبية على أنه الشر الذي يجب إيقافه وعملت على ذلك فرنسا والمملكة المتحدة وأستراليا.

حقائق عن زيت النخيل 

يمكن القول إن زراعة أشجار نخيل الزيت، كانت مخططة بعناية من سكان غرب إفريقيا منذ 4000 عام، فالمحصول إنتاجي فريد، وأشجاره تكون أكثر كفاءة من 6 إلى 10 مرات مقارنة بمحاصيل البذور الزيتية المعتدلة مثل بذور اللفت وفول الصويا والزيتون وعباد الشمس.

تقول الأبحاث إن الزيت البديل الوحيد القابل للحياة، هو زيت جوز الهند، لكن عملية استبداله بزيت النخيل، سيحتاج إلى زراعة عشرة أضعاف مساحة الأرض المخصصة لزيت النخيل

كما تتمتع الأشجار أيضًا بعمر إنتاجي يبلغ نحو 30 عامًا، وهي بذلك الأفضل مقارنة بالمحاصيل الزيتية المعتدلة والسنوية، كما أنها غنية بحمض اللوريك وهو عنصر حاسم في العديد من مستحضرات التجميل ومنتجات التنظيف ومعجون الأسنان وغسيل السوائل ومواد المنظفات وغسيل الملابس.

تقول الأبحاث إن الزيت البديل الوحيد القابل للحياة هو زيت جوز الهند، لكن عملية استبداله بزيت النخيل، سيحتاج إلى زراعة عشرة أضعاف مساحة الأرض المخصصة لزيت النخيل.

ما يرجح كفة زيت النخيل أيضًا أنه محصول صالح للأكل ويتميز بالكفاءة، واستمراره ضروري لتحقيق الأمن الغذائي في إفريقيا وآسيا، الأمر الذي يجعل المجتمع الدولي مطالبًا بتطوير حلول للعديد من المشكلات التي يواجهها زيت النخيل، بدلاً من السعي لإنهاء حياته على هذا النحو الذي يضر أكثر ما ينفع!