في أعلى جبل المقطم بمحافظة القاهرة، وبعد أمتار قليلة من مسجد السيدة عائشة الشهير، يقبع مسجد سارية الجبل داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي، هذا المسجد الذي اكتسب شهرته الفائقة ومكانته التاريخية كونه أول مسجد أنشئ في مصر على الطراز العثماني.

تخطف مئذنته الشاهقة وقبابه الثلاثية المميزة أنظار الزائرين منذ الوهلة الأولى التي تطئ أقدامهم صحن القلعة، فصفحات تاريخه عامرة بالأحداث ناصعة البياض، فكان محط اهتمام الأمراء والسلاطين تبركًا وتيمنًا به، الأمر الذي جعله مدفنًا للكثير من رموز الدولة الفاطمية فيما بعد.

المسجد يجمع بين الطراز العثماني والمصري لا سيما بعدما خضع للعديد من عمليات الترميم آخرها العام الماضي، حيث تم إزالة طبقات مواد الترميم الحديثة والمتهالكة بواجهة المبنى والموجودة منذ أعوام سابقة تمهيدًا لإعادتها بنفس المواصفات الأثرية وطبقًا لمحددات المواثيق الدولية.

تاريخ كبير ومكانة مرموقة

بني المسجد عام 1528م في عهد سليمان باشا الخادم، أحد الولاة العثمانيين على مصر في الفترة من 1528-1529، على أنقاض مسجد مخرب، تم بناؤه من قبل بناء القلعة داخل القسم الشمالي لقلعة الجبل، أقامه أبو منصور قسطة غلام المظفر أمير الجيوش الذي كان واليًا على الإسكندرية في العصر الفاطمي 535هـ/1140م.

سمي بهذا الاسم نسبة إلى سارية بن زنيم بن عمرو الكناني الذي اشتهر في التاريخ الإسلامي بتخاطره مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تلك الحادثة التي سميت بـ"سارية الجبل" حين خاطب أمير المؤمنين سارية وهو فوق الجبل، ويروي المؤرخون المسلمون أن الحادثة وقعت عام 645 ميلادية (23 هـ) في أثناء خلافة الفاروق عمر، ويعتبر الذين يعتقدون بصحة هذه الحادثة في يومنا هذا أنها تشكل مثالاً تاريخيًا على القدرة على التخاطر.

كان للمسجد مكانة كبيرة لدى سلاطين مصر وأمرائها، حيث رأوا فيه مقام تيمن وبركة، الأمر الذي دفعهم للتوصية بالدفن فيه بعد موتهم

 ظل المسجد يحمل اسم سارية حتى وفاة الأمير قسطة، حيث عُرف المسجد باسم الدريني، نسبةً للشيخ أبو الحسن على بن مرزوق، أحد الفقهاء في نهايات العصر الفاطمي وقد نقل دروسه ومجلسه للمسجد ثم توفي ودفن فيه عام 540 هـ، ثم عاد إلى مسماه القديم بعد ذلك.

كان للمسجد مكانة كبيرة لدى سلاطين مصر وأمرائها، حيث رأوا فيه مقام تيمن وبركة، الأمر الذي دفعهم للتوصية بالدفن فيه بعد موتهم، وهو ما حدث بالفعل، هذا بخلاف العديد من العلماء والفقهاء، وتشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن الصلح الشهير الذي تم بين الظاهر سيف الدين  برقوق( 1336-1399) والخليفة العباسي عُقد في المسجد.

يذكر أن سليمان الخادم الذي أمر ببناء المسجد هو ثامن ولاة مصر العثمانية، وأكثرهم حكمًا لها، إذ حكم قرابة عشر سنوات كاملة خلال الفترة من 1525 وحتى 1535م، وهو قائد حصار ديو الذي مكن العثمانيين من السيطرة على عدن، وقد وافته المنية عام 1547 بعد خمس سنوات من إحالته للتقاعد على يد السلطان سليمان القانوني بعدما خلع عليه منصب الصدر الأعظم.

بيت الصلاة بالمسجد

تصميم على الطراز العثماني

صُمم المسجد على الطراز العثماني، ويتخذ في مجمله شكل المستطيل الكبير، يمتد من الشمال للجنوب، حيث ينقسم إلى قسمين متساويين تقريبًا، يأخذان شكل المربع على الأرجح، القسم الشمالي يتوسطه فناء مكشوف فرشت أرضيته بالرخام الملون تحيط به الأروقة من جهاته الأربع، ويغطي كل رواق قباب ضحلة محمولة على عقود ترتكز عليها أكتاف بنائية.

هذا القسم يعرف في العمارة العثمانية باسم "الحرم"، يحيط به أنصاف قباب مزينة بنقوش ملونة تتخللها كتابات متنوعة ويكسو جدرانه من أسفل وزرة من الرخام تنتهي بشريط من الخط الكوفي المزهر آيات قرآنية وبتوسط جداره الشرقي محراب ومنبر من الرخام، وبالجدار الغربي باب يؤدي إلى القسم الثاني.

أهم ما يميز المسجد مئذنته الشاهقة، تلك التي تقع بين الحرب وبيت الصلاة، وتأخذ شكل "القلم الرصاص" وتم تشييدها على الطراز العثماني

أما القسم الثاني وهو الجنوبي من المسجد فهو بيت الصلاة، ويتصل بالحرم عن طريق باب الجدار الغربي، تنتشر فوقه الكتابة التذكارية للجامع ذات النقوش العثمانية الجميلة، ويغطي بيت الصلاة قبة كبيرة من الحجر، ويحيط بها من جهاتها الثلاثة الجنوبية والشرقية والغربية أنصاف قباب حليت جميعها بنقوش ملونة جميلة تتخللها كتابات متنوعة، وهذا النوع من التغطية لبيت الصلاة يمثل نموذجًا فريدًا ويعتبر من مميزات العمارة العثمانية عامة.

صحن المسجد

أهم ما يميز المسجد مئذنته الشاهقة، تلك التي تقع بين الحرب وبيت الصلاة، وتأخذ شكل "القلم الرصاص" وتم تشييدها على الطراز العثماني كذلك، أسطوانية الشكل، ذات تضليع مميز، لها دورتان كل منهما تبرز عن البدن بواسطة مقرنصات متعددة الحطات وتنتهي من أعلى بمخروط تغطيه ألواح من القاشاني الأخضر.

ويعد الطراز الذي بنيت عليه مئذنة سارية الجبل واحدًا من بين عشرات المساجد التي بنيت على ذات الطراز في العصر العثماني، جمعيها مكسو بالقاشاني الأخضر، حتى باتت علامة مميزة من علامات العمائر الدينية العثمانية في العالم، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال جولة سريعة على المساجد التي تم تدشينها في هذه الفترة.