منعطف جديد يدخله الحراك الشعبي السوداني، ربما يكون الأخطر منذ الـ19 من ديسمبر الماضي، إثر محاولة لفض الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة بالقوة أسفر عن سقوط 6 قتلى وعدد من الجرحى والمصابين، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية، وسط تبادل اتهامات بشأن هوية من قام بهذه المجزرة.

المواجهات الدامية اندلعت بعد نحو ساعة من إعلان المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير الاتفاق على هياكل ومهام أجهزة الحكم خلال الفترة الانتقالية، بعدما حاولت عدد من القوات (غير المعروفة) إزالة المتاريس عن بعض الشوارع التي أغلقها المعتصمون في محيط الاعتصام.

وقد حمّل تجمع المهنيين السودانيين عبر بيان رسمي له على صفحته في فيسبوك، المجلس العسكري المسؤولية مطالبًا صغار الضباط والجنود في الجيش التصدي لما سماهم "العابثين بمكتسبات الثورة وحماية إخوتهم الثوار"، في الوقت الذي تبرأ المجلس من هذه المجزرة، مؤكدًا أنه لم ولن يطلق الرصاص على المعتصمين.

منذ الوهلة الأولى لتلك المناوشات وُجهت أصابع الاتهام إلى الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس المجلس وقائد قوات الدعم السريع، ورغم نفي اللواء عثمان محمد حامد قائد العمليات بالقوات إطلاق النار من جانب عناصره، فإن البعض ذهب إلى أن ما حدث هو بالونة اختبار كجزء من مخطط إماراتي سعودي لإجهاض الثورة عبر عدد من الأذرع يأتي في مقدمتها حميدتي.

6 قتلى وتبادل الاتهامات

ارتفع عدد قتلى مواجهات الأمس إلى 6 قتلى من بينهم ضابط بالجيش السوداني وفق ما ذكرته لجنة أطباء السودان في بيان لها، قالت فيه "الشاب العشريني محمد أحمد حسن استشهد بإصابة رصاص بالرأس والكتف بينما استشهد أحمد إبراهيم بعد إصابته بطلق ناري في الصدر وكذلك مدثر الشيخ بطلق ناري في الرأس، إضافة لضابط في الجيش السوداني برتبة رائد لترتفع حصيلة شهداء الإثنين إلى 5 شهداء بعد مقتل شاب عشريني مجهول الهوية"، هذا بخلاف القتيل السادس "محمد إبراهيم آدم، من سكان منطقة  شرق النيل، استشهد متأثرًا بإصابة  في الرأس بطلق ناري".

فريق من السودانيين ذهب إلى أن ما حدث بالأمس جزء من خطة إماراتية تستهدف القضاء على الثورة عبر تفتيت لحمتها الداخلية وتوظيف إستراتيجيات الترهيب والترغيب في محاولة للإبقاء على العسكر في الحكم

المجلس العسكري اتهم في بيان له ما وصفه بـ"جهات تتربص بالثورة أزعجتها النتائج التي تم التوصل إليها اليوم وتعمل علي إجهاض أي اتفاق يتم الوصول إليه وإدخال البلاد في نفق مظلم"، مضيفًا "مجموعات دخلت إلى منطقة الاعتصام وعدد من المواقع الأخرى وقامت بدعوات مبرمجة لتصعيد الأحداث من إطلاق للنيران والتفلتات الأمنية الأخرى في منطقة الاعتصام وخارجها والتحرش والاحتكاك مع المواطنين والقوات النظامية التي تقوم بواجب التأمين والحماية للمعتصمين".

وفي السياق ذاته اتهم الفريق حذيفة عبد الملك رئيس هيئة استخبارات الجيش السوداني، من سمّاهم بالمندسين والمتفلتين في محيط اعتصام قيادة الجيش السوداني، بإطلاق الرصاص الحي ضد الجيش السوداني والمعتصمين، ما أدى لمقتل ضابط ومعتصمين مدنيين، بعد ساعات قليلة من التوصل لاتفاق بين المجلس وقوى الحرية والتغيير بشأن طبيعة المرحلة المقبلة.

وكان الطرفان قد اتفقا على "هيكل السلطة والمهام والسلطات على المستويات الثلاث (السيادية والتنفيذية والتشريعية) خلال الفترة الانتقالية"، إلا أن المتحدثين باسم المجلس والمعارضة لم يقدما المزيد من التفاصيل بشأن هذا الاتفاق وطبيعة تنفيذه، فيما أكدا على مواصلة التفاوض اليوم الثلاثاء بشأن نسب المشاركة ومدة الفترة الانتقالية، وهي النقاط الخلافية التي تعيق التوصل لاتفاق نهائي حتى الآن.

مواصلة الصمود وسلمية التصدي

حذّر تجمع المهنيين من اللجوء إلى القوة كأداة أخيرة لفض الاعتصام، مشيرًا في بيانه إلى أن ما حدث يعكس حجم القلق الذي ينتاب فلول النظام السابق وبعض الداعمين له ممن هم على الساحة الآن من قوة وتأثير الحراك الشعبي المستمر طيلة الأشهر الخمس الماضية.

التجمع أكد مرة أخرى قائلاً: "موقفنا في الشارع هو استمرار الثورة حتى تحقيق أهدافها، وموقفنا في التعامل مع المجلس العسكري هو الانتقال إلى السلطة المدنية وفق إعلان الحرية والتغيير، ولن تؤثر مساعي الدولة العميقة والثورة المضادة على مسار هذين الموقفين، فجداولنا يتدارسها الثوار ويحوّلونها لمهرجانات مقاومة سلمية لا تلين ولا تتوانى، فدونكم ملاحم ثورة ديسمبر وفيها عبرة لمن يعتبر".

لافتًا إلى أن "ما حدث من تقدم في مفاوضات نقل السلطة هو انتصار للثورة وسلميتها، والسخط الذي يشعر به الثوار هو نتاج بطء التجاوب مع مطالبهم"، وعليه أضاف: "إننا نهيب بالثائرات والثوار في جميع أنحاء العاصمة القومية والأقاليم بالخروج إلى الشوارع في مواكب هادرة مستمسكة بالسلمية والتوجه إلى سوح الاعتصامات الباسلة لمساندة المعتصمين، وتأكيد حقهم في الوصول بثورتهم إلى غاياتها متخذين من إعلان الحرية والتغيير دربًا لا زوال عنه، ومن السلمية ميثاق لا تراجع عنه، مع التأكيد على أن تماسك الجماهير وحشدها وتمسكها بالسلمية دائمًا وأبدًا هو سلاحنا الوحيد في تحقيق الانتصار".

كما دعا ما سماهم "الشرفاء من ضباط وضباط الصف والجنود في قوات شعبنا للاضطلاع بمهامهم في حماية الثوار، والتصدي لمحاولات العنف والاعتداءات السافرة التي تلجأ إليها قوى الثورة المضادة ومليشيات النظام"، مؤكدًا أن "ضبط النفس وسلوكنا السلمي، هو ردنا السديد على محاولات تخريب الثورة من قبل أذيال النظام الساقط لا محالة، لن نقع فريسة سهلة للإشاعات المغرضة، أو دعوات التفلت مهما كان مصدرها، وضعنا ثقتنا الكاملة منذ بداية حراكنا السلمي في مشروعيته وعدالة مطالبنا".

مخطط إماراتي

فريق من السودانيين ذهب إلى أن ما حدث بالأمس جزء من خطة إماراتية تستهدف القضاء على الثورة عبر تفتيت لحمتها الداخلية وتوظيف إستراتيجيات الترهيب والترغيب في محاولة للإبقاء على العسكر في الحكم كأحد الأهداف القوية التي تسعى لها الأنظمة الخليجية الكارهة للربيع العربي

تحركات على قدم وساق تجريها الإمارات بشأن عدم خروج الأوضاع في السودان عن السيطرة والحيلولة دون سيطرة المدنيين على مقاليد الحكم استجابة للحراك الشعبي المستمر منذ 19 من ديسمبر الماضي، الذي أطاح بالرئيس عمر البشير، الأمر الذي دفعها لتعزيز جهود وأد الثورة عبر عدد من السياسات المتبعة التي تعتمد على إستراتيجيات الاستقطاب وبث روح الانقسام.

العديد من المصادر كشفت زيارة قام بها القيادي المفصول من حركة فتح "محمد دحلان" للخرطوم مؤخرًا، على رأس وفد إماراتي، التقى خلالها عددًا من أعضاء المجلس العسكري وبعض القوى السياسية المعارضة، في إطار خطة تستهدف تفتيت اللحمة الوطنية السودانية بما يعبد الطريق أمام هيمنة العسكر على مقاليد الأمور.

دعم كبير يتلقاه المجلس العسكري من كل من أبو ظبي والرياض والقاهرة، ظاهره ربما يحمل دعمًا للثورة التي أطاحت برأس النظام، إلا أن ما خفي كان أعظم، فالعديد من علامات الاستفهام تطل برأسها بقوة، تحمل بين ثناياها تساؤلات ضمنية عن مخطط أبناء زايد وحليفهم ابن سلمان لضمان إفشال حراك مدنية الدولة وتعزيز مساعي إحكام المجلس العسكري قبضته على الأوضاع بما يضمن تحقيق مصالح الحليفين في هذه المنطقة التي ظلت عصية على أجندة الدولتين لفترات ليست بالقصيرة.

ينضوي المخطط الإماراتي على استقطاب عدد من الأحزاب السياسية والحركات المسلحة للانضمام إلى التيار الداعم لحكومة يقودها عسكريون بزعم الحفاظ على أمن واستقرار الدولة

تفتيت الحراك

تأتي تحركات دحلان بالتنسيق المباشر والدعم الكامل من طه عثمان، مدير مكتب الرئيس السوداني الذي تمت إقالته مؤخرًا عقب خلاف مع البشير بشأن اتهامه بالتخطيط لقلب نظام الحكم في السودان، غادر على إثره للسعودية التي منحته جنسيتها الوطنية، حسبما أشار الناشط السوداني خالد الفاتح.

الفاتح لـ"نون بوست" كشف أن تزامن زيارة مستشار ابن زايد مع عودة عثمان للخرطوم ليست مصادفة كما يظنها البعض، لافتًا أن هناك تنسيقًا بين الرجلين برعاية إماراتية سعودية تهدف إلى احتواء الثورة السودانية والحيلولة دون خروجها عن خطها المرسوم الذي يبقيها أسيرة قبضة العسكر.

وأضاف أن العلاقة القوية التي تجمع بين عثمان وقادة الخليج ربما تعزز من فرضية أن يكون له دور خلال المرحلة المقبلة، يتمثل في القيام بحلقة الوصل بين المجلس العسكري بقيادة عبد الفتاح البرهان وكل من أبو ظبي والرياض، موضحًا أن الرجلين جاءا ليقدما عرضًا بشأن دعم الدولتين الخليجيتين.

الناشط السوداني لفت إلى أن عدة اجتماعات عقدها دحلان وعثمان مع عدد من قادة المجلس العسكري من بينهم (حميدتي)، نائب رئيس المجلس وقائد قوات الدعم السريع، هذا بجانب عدد من رموز قوى المعارضة  المنضوية تحت لواء قوى إعلان الحرية والتغيير.

يذكر أن الدعم الإماراتي السعودي للمجلس الانتقالي السوداني ليس بالأمر الجديد ولا الخفي، ففي بيان له أكد البرهان أنه التقى وفدًا من البلدين معربًا عن شكره للدعم المقدم منهما، هذا بالتوازي مع زيارة بعض الأسماء المحسوبة على المعارضة للإمارات منها مريم المهدي نائبة رئيس حزب الأمة، التي قالت قبل أيام خلال حوار لها في برنامج "حوار المستقبل"، الذي بثته قناة النيل الأزرق بأنّ زيارتها غير المعلنة كانت تهدف إلى شكر السلطات الإماراتية على وقوفها وتعاونها معهم واستجابتهم لاستضافة الإمام الصادق المهدي والدها.

استقطاب أحزاب وحركات مسلحة

ينضوي المخطط الإماراتي على استقطاب عدد من الأحزاب السياسية والحركات المسلحة للانضمام إلى التيار الداعم لحكومة يقودها عسكريون بزعم الحفاظ على أمن واستقرار الدولة، إذ هدفت زيارة دحلان في المقام الأول تقويض مطالب الحراك الثوري عبر استقطاب بعض أحزاب المعارضة المنضوية تحت لواء الثورة.

تباينت الرؤى بشأن هوية الكيانات التي تسعى أبو ظبي لاستقطابها في محاولة لتفتيت الحراك الذي استمد قوته الأكبر من توحيد كلمته، إلا أن بعض المصادر ذهبت إلى وجود ما يقرب من خمس قوى معارضة يستهدفها دحلان من بينها عدد من الحركات المسلحة على رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال.

هذا بخلاف عدد من الأحزاب السياسية الأخرى من بينها حزبي الأمة والمؤتمر السوداني، بجانب تحالف "نداء السودان" الذي يضم 3 حركات مسلحة: الحركة الشعبية لتحرير السودان/قطاع الشمال، برئاسة مالك عقار وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي.

تسعى الإمارات جاهدة وبكل قوة لغلق كل الطرق أمام فكرة تسليم السلطة لمدنيين، إذ إن هذا الأمر يعني انتصارًا حقيقيًا للثورة ورضوخًا لمطالب الشارع، وهو ما يثير القلق والرعب لدى العديد من الأنظمة التي تسعى للالتفاف على إرادة الشعوب عبر دعم الثورات المضادة في محاولة لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه بما يسمح لها بتنفيذ مخططاتها وأجندتها الخارجية.

السلطات في كل من أبو ظبي والرياض تسعيان مهما كان الثمن للحفاظ على البنية الاستبدادية في السودان وليبيا والجزائر، بل وفي كل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية

الرهان على حميدتي

رغم العلاقة القوية التي تربط رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان بكل من أبو ظبي والرياض، وتوفير كل سبل الدعم له لإنجاح مهمته في وأد الحراك الشعبي عبر التحايل والمراوغة، فإن مصادر أخرى تذهب إلى أن حميدتي ربما يكون الحصان الأسود لكل من أبناء زايد وابن سلمان.

مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية الإسرائيلي في تقرير له نشرته "الجزيرة" قال إن السعودية والإمارات تراهنان على نائب رئيس المجلس العسكري في السودان، وهو ما يفسّر بشكل أو بآخر خلفية الاتهامات الموجهة له بمحاولة فض الاعتصام بالأمس.

جيمس دورسي الباحث بجامعة أوتريخت الهولندية ومعد التقرير نقل عن دبلوماسيين غربييين قولهم "هناك مخططات إماراتية سعودية ترمي إلى جعل حميدتي يلعب دور "سيسي السودان""، واصفًا حميدتي بأنه طموح ومتعطش إلى السلطة وهناك أوجه شبه كبيرة بينه وبين الرئيس المصري.

محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس المجلس العسكري وقائد قوات الدعم السريع

الباحث كشف أن السلطات في كل من أبو ظبي والرياض تسعيان مهما كان الثمن للحفاظ على البنية الاستبدادية في السودان وليبيا والجزائر، بل في كل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أنه في الوقت ذاته أكد أن المحتجين في الجزائر والسودان مصمّمون على منع تكرار ما وقع في مصر بدعم سعودي إماراتي في بلادهم.

التقرير أوضح كذلك أن حزمة المساعدات التي تعهّدت بها كلتا الدولتين وتبلغ ثلاثة مليارات دولار سببت انقسامات عميقة بين المعارضة السودانية، حيث طالب جزء منها برفض تلك المساعدات جملة وتفصيلًا بينما شاركت مجموعات أخرى مناقشة مقترح إماراتي سعودي لتشكيل مجلس حكم انتقالي بالسودان يقوده العسكر وبمشاركة مدنية، وفقًا لـ"دورسي".

وعلى الأرجح فإن ما حدث بالأمس كان بالونة اختبار لتقييم مدى قوة الحراك وقدرة المعتصمين على الصمود، ومن المتوقع أن تزيد هذه المواجهات من إصرار المحتجين فضلًا عما يثار بشأن انضمام مواكب أخرى من ولايات متفرقة لمقر الاعتصام، الأمر الذي سيضع المجلس العسكري في مأزق حقيقي ويسرع من وتيرة التوصل إلى اتفاق بشأن المجلس السيادي المشترك.