من الإثارة والرعب إلى الدراما العاطفية والكوميديا ​​الكلاسيكية، تجمع المسلسلات التلفزيونية الرمضانية الشهيرة في مصر منذ فترة طويلة ملايين الأسر من وقت الإفطار في المساء حتى الفجر، للتمتع بمشاهدة أعمال درامية قصيرة بميزانية كبيرة، يقوم بدور البطولة فيها أفضل الممثلين.

لكن منذ بدء الموسم الرمضاني الحالي، يلاحظ المواطن المصري تغيرات كبيرة في شكل المسلسلات، التي تقدم في العادة أبرز الأعمال، إضافة إلى أبرز النجوم، ومنهم من لا يقدم أعمالًا تليفزيونية إلا في دراما شهر رمضان، ورغم ذلك غاب هذا العام العديد من هؤلاء النجوم في ظروف غامضة.  

وإضافة إلى تقلص عدد الأعمال والموضوعات المقدمة، فوجئ متابعو الدراما في مصر خلال الأيام الماضية بعدد من القرارات، التي تؤثر على متابعتهم للأعمال الدرامية، ليس المصرية فقط وإنما الأجنبية أيضًا.

السيطرة على سوق البث.. الأمر أكبر من الحجب

في السنوات الأخيرة، بدأ الكثيرون في بث حلقات برامجهم المفضلة على موقع "يوتيوب" الشهير وبعض المواقع الأخرى بعد بثها لأول مرة على شاشات التلفزيون حتى يتسنى للبعض مشاهدتها في أي وقت، لكن هذا العام لم يعد بالإمكان مشاهدة الأعمال بهذه الطريقة المعهودة.

ففي إطار نهج النظام المصري للسيطرة على سوق الدراما في مصر، تعرض عدد من المواقع الإلكترونية المختصة بمشاهدة وتحميل الأعمال الدرامية والسينمائية العربية والأجنبية مجانًا، إلى الحجب أو الإغلاق تمامًا.

ذكرت مواقع إخبارية مصرية، أن قرار الحجب يأتي تنفيذًا لأمر مباشر من السلطات المصرية، بدعوى حماية حقوق الملكية الفكرية وتقنينه، إلا أن الحجب كما يتضح لم يكن من هذا الباب

أثار ذلك استياء وسخط ملايين المتابعين لمثل هذه المواقع في مصر وخارجها، والذين اعتادوا على الدخول لهذه المواقع لمشاهدة الأعمال الأجنبية بشكل خاص، نظرًا لندرة عرضها في بلادهم أو بسبب المبالغ الباهظة التي سيضطروا لدفعها في حال أرادوا أن يشاهدوا الأفلام والمسلسلات بشكل قانوني.

وذكرت مواقع إخبارية مصرية، أن قرار الحجب يأتي تنفيذًا لأمر مباشر من السلطات المصرية، بدعوى حماية حقوق الملكية الفكرية وتقنينه، إلا أن الحجب كما يتضح لم يكن من هذا الباب بعد أن أصبحت المسلسلات الرمضانية آخر ضحايا حملة السيسي لفرض سيطرته.  

يتجمع المصريون كل عام خلال شهر رمضان حول أجهزة التلفزيون الخاصة بهم للتمتع بمشاهدة الأعمال الفنية

وشمل الحجب بعض المواقع التي تحظى بمتابعة عالية، ومنها "سيما فور أب، شاهد فور يو، عرب ليونز، أكوام، موفيز لاند، عرب سيد"، بالإضافة إلى حجب ثم إغلاق موقع "إيجي بيست"، وهو أشهر مواقع المشاهدة في العالم العربي، والذي أتاح لزواره مشاهدة الأفلام العربية الأجنبية والمسلسلات العربية والأجنبية بشكل مجاني ومع توفير ترجمة احترافية، دون أن يتم التعرض له.

وعلى وجه الخصوص، أثار إغلاق موقع "إيجي بيست" جدلاً كبيرًا بعد أن ألمح إلى سبب الإغلاق في آخر منشور على "فيسبوك، وذكر فيه أن "الأمر أكبر من الحجب"، ما قد يشير إلى أنه قد يواجه أيضًا مشكلات قانونية دولية.

لماذا حُجبت هذه المواقع؟

بصرف النظر عن الخلاف حول شرعية قرصنة الأعمال الفنية، وإتاحتها مجانًا، لا يبدو أن حجب هذه المواقع، وإغلاق بعضها تمامًا، يرتبط بأخلاقية ممارساتها بقدر ما هو مرتبط بإطلاق أحدث إنتاجات "إعلام المصريين" التي تحتكر الإنتاج الفني هذا العام.

قبل أيام من بدء شهر رمضان المبارك، وهو موسم الذروة لصناعة المحتوى التليفزيوني، تم إطلاق أول تطبيق لتدفق الفيديو في مصر، حيث أعلنت شركة "إعلام المصريين" التي تسيطر عليها المخابرات المصرية وتحظى بدعم أمني غير محدود في السنوات الأخيرة عن تطبيق "Watch iT" لعرض مسلسلات رمضان وبرامج إعلامية مقابل اشتراك شهري، في محاولة لانتزاع الجماهير بعيدًا عن عملاق مشاركة الفيديو المجاني.     

وحدها دخلت "سينرجي" السباق الرمضاني لعام 2019 بـ15 مسلسلاً من أصل  25، مستحوذًا على النصيب الأكبر من الإنتاج الدرامي

ورغم أن هذه الفكرة ليست جديدة على سوق البث في العالم العربي، فقد سبقتها منصة "شاهد نت" التابعة لقناة "MBC"، تلتها تجربة "فاشلة" قامت بها قناة النهار الموسم الماضي، إلا أن قوة التجربة هذه المرة تأتي من قوة صاحبها المنتج تامر مرسي الذي ابتلع موسم مسلسلات رمضان.

وكانت بداية ظهور تامر مرسي في سوق الدراما الرمضانية عام 2012 عندما تمكن من إعادة عادل إمام إلى التليفزيون في مسلسل "فرقة ناجي عطا الله"، وبعد سنوات قليلة أصبحت شركة "سينرجي" (Synergy Production) المملوكة لتامر مرسي تنتج المسلسلات، وتعرضها قنوات "إعلام المصريين"، التي تشمل "أون إي والحياة وسي بي سي ومؤخرًا مجموعة قنوات دي إم سي"، ويديرها مرسي بنفسه فيحتكر الإنتاج والعرض معًا.

وحدها دخلت "سينرجي" السباق الرمضاني لعام 2019 بـ15 مسلسلاً من أصل  25، مستحوذةً على النصيب الأكبر من الإنتاج الدرامي، كما سبق الإشارة لذلك في تقرير سابق لـ"نون بوست"، وهي الخطوة التي تسببت في أزمة كبيرة للدراما المصرية مع تحوّل أحد صنَّاعها إلى متحكم وحيد في جهات شرائها وعرضها.  

ووفقًا لإحصائية خدمة متجر "جوجل بلاي" فإن التطبيق تم تحميله حتى الآن 50 ألف مرة منذ إطلاقه، وهو رقم أقل بكثير من الأرقام المتوقعة إذا ما قورن بنسب المشاهدات الهائلة التي تحققها المسلسلات عبر "يوتيوب" والمواقع المجانية التي خرجت عن الخدمة مؤخرًا بإيعاز من مطلقي التطبيق أنفسهم.

هذا الإحجام الجماهيري قد يعكسه موجة من الانتقادات التي أثارها بعض الذين دفعوا الأموال وواجهوا صعوبات تقنية في الوصول إلى المحتوى المتاح عبر التطبيق، وظهرت لهم رسائل الخطأ أثناء محاولات متعددة للتسجيل.

أرجعت وسائل الإعلام المحلية ذلك إلى إن الموقع كان ضحية "القرصنة"، وعلى الرغم من ذلك تفاخر الرئيس التنفيذي تامر مرسي بعد فترة وجيزة من إطلاق التطبيق بأن مجموعته الإعلامية لعبت دورًا جديدًا في صناعة التلفزيون في مصر وعززت حماية حقوق الملكية الفكرية.

المنتج تامر مرسي (يمين) ورجل الأعمال أحمد أبو هشيمة الذي كانت له حصة في مجموعة "إعلام المصريين"

يُضاف إلى ذلك بعض التحديات التي أجهضت مساعي جني الأرباح السريعة، ومنها سعر الاشتراك الذي يراه الكثيرون مكلفًا للغاية، حيث تبلغ الاشتراكات السنوية 999 جنيهًا، ونصف السنوية 555 جنيهًا، والباقات الشهرية بسعر 99 جنيها، وهي أسعار عالية في بلد يبلغ يعيش 25 مليون شخص فيه تحت خط الفقر.

في المقابل، تعد منصات مثل ""Netflix من الولايات المتحدة و" "Wavo من الإمارات العربية المتحدة والعملاق الصيني "Viu"، متفوقة تقنيًا وتقدم العشرات من المسلسلات والأفلام الغربية والعربية والتركية بسعر أقل، ونجحوا بالتدريج في جذب المشاهد المصري إليهم بمحتوياتهم المتنوعة في ساحة لا يمكن للشركة المصرية أن تمارسا نفوذها فيها.   

وفي عصر منصات البث العالمية مثل "نتفليكس وأمازون"، قد يبدو الوقت مناسبًا لمثل هذا التحول في مصر، لكن النقاد يقولون إن صناعة مسلسلات رمضان لا ترقى إلى مستوى التحدي، حيث تتميز أحدث المنتجات في هذا المجال بالتصوير المتسارع وكتابة النصوص السطحية والموجَّهة لخدمة جهات معينة في ظل الاضطرابات العامة التي تشهدها مصر في السنوات الأخيرة.  

"اسمعوا كلامي أنا بس".. السيسي والدراما

 تعود الحكاية إلى عام 2015 عندما أبدى السيسي غضبه من الدراما المصرية، وحذر الممثلاث أحمد السقا ويسرا أمام الجميع قائلاً "والله هتتحاسبوا على ده"، ثم رسم السيسي رؤيته للموسم الرمضاني بقوله "عايزين ندي للناس أمل في بُكره ونحسن في قيمنا وأخلاقنا، وده مش هييجي غير منكم الصراحة، هنشوف رمضان الجاي يعني".

في رمضان 2016 الذي تحدث عنه السيسي، كان هناك أكثر من 30 مسلسلاً متنوعة الجهات الإنتاجية والمحتويات الفنية، وقتها بدأت الدولة للسيطرة على السوق بالكامل، وكان عدم الرضا على المحتوى حجةً لتطبيق إجراءات رقابية.

كشفت صحيفة "نيويوك تايمز" عن إبلاغ أجهزة النظام المصرية المخرجين ومنتجي مسلسلات رمضان بضرورة التقيّد ببعض الإجراءات الواجب مراعاتها في المسلسلات

أصبحت معظم القنوات تحت إدارة مجموعة "إعلام المصريين" لشركة "إيجل كابيتنال" للاستثمارات المالية، والتي تتيع جهاز المخابرات العامة، وفي فبراير/شباط 2018 عُين المنتج تامر مرسي رئيس مجلس إدارة لمجموعة "‘إعلام المصريين".

بعد أشهر قليلة، وتحديدًا في ديسمبر/كانون الأول 2018، أعلن المجلس الأعلى للإعلام أن لجنة الدراما هدفها "الحفاظ على القيم والأخلاق"، وفي الشهر نفسه اجتمع مرسي مع 13 مؤلفًا ووجههم لتخفيض الميزانية واستبدال مواقع التصوير الأجنبية بالمصرية، وفق ما ذكر موقع "التحرير" المصري.

وفي إطار محاولات النظام المصري التحكم بالدراما والأفلام، كشفت صحيفة "نيويوك تايمز" عن إبلاغ أجهزة النظام المصرية المخرجين ومنتجي مسلسلات رمضان بضرورة التقيّد ببعض الإجراءات الواجب مراعاتها في المسلسلات، ووجهت أوامر لهم بتمجيد الجيش وتشويه جماعة الإخوان المسلمين وتشجيع القيم العائلية، وهددت المخالفين بالاستبعاد.   

وفي موسم 2019، خرجت من السباق شركة "العدل جروب" للإنتاج الفني ومجموعة فنون مصر للفنون والتوزيع وشركة "ماجنوم" وشركة "K MEDIA" وشركة "Beelink"، ليتبقى 10 مسلسلات فقط لم تنتجها شركة تامر مرسي هذا العام، 5 منها تعرضها مجموعة "إم بي سي" السعودية، و5 أخرى تعرضها قنوات "النهار والقاهرة والناس وTEN"، وهي القنوات غير التابعة لمجموعة "إعلام المصريين".  

حال الدراما الرمضانية هذا أدَّى لانخفاض المشاهدة حتى الآن، حيث أشارت تقارير عدة إلى عزوف المشاهدين هذا العام عن الدراما الرمضانية على غير العادة، بسبب احتكار شركة واحدة للإنتاج ومنع بث حلقات المسلسلات على موقع يوتيوب وقصرها على التطبيق، وبسبب هذا العزوف تفقد مصر عملاً أساسيًا من قوتها الناعمة في العالم العربي.  

السيناريست والصحفي هشام أبو المكارم أرجع أسباب هذا التراجع إلى أن المسلسلات أصبحت موجهة من الحكومة التي حددت أيضًا مواضيع المسلسلات التي يجب تناولها، مع قائمة محاذير وضوابط حولت العمل الفني إلى رسالة دعائية لسياسات النظام ليس أكثر، وقد تسببت هذه التدخلات في غياب نجوم كبار عن الدراما بعد أن قام بعضهم بتصوير جزء كبير من مسلسلاتهم بالفعل فيما بدا لأسباب خارجة عن إرادتهم.

ومع استمرار التدخلات الحكومية في الفنون تدور التساؤلات حول مستقبل الإبداع والفن في مصر وقدرتها على الاستمرار والتربع على عرش السينما العربية كما كانت لعقود، خاصة أنها صناعة إبداعية تتغذى على الحرية والاستقلالية.