حالة من القلق تخيم على الأجواء في الشرق الأوسط وسط قرع طبول الحرب المدفوعة بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتزامن مع الهجمات – مجهولة المصدر – على الناقلات وخطوط أنابيب النفط السعودية والإماراتية، وإن اتهمت الرياض وأبو ظبي طهران بالضلوع خلفها.

حالة من احتباس الأنفاس يحياها الشرق أوسطيون وسط استمرار دفع واشنطن بعتادها العسكري إلى المنطقة خاصة بعد موافقة دول الخليج على طلب أمريكا إعادة الانتشار لقواتها، الأمر الذي فسره البعض بنذير قرب اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران التي لا تكف هي الأخرى عن توجيه التهديدات ليل نهار حال التفكير في شن هجوم ضدها.

بالأمس ولأول مرة منذ تصعيد التوتر خلال الأسبوع الأخير أظهرت طهران بادرة انفتاح لإجراء مفاوضات مع واشنطن رغم النبرة الساخنة من الطرفين، وذلك حين دعا رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، إلى عقد مفاوضات أميركية إيرانية في قطر أو العراق، لإدارة التوتر بين البلدين.  

الدعوة وإن لم تترجم بعد على أرض الواقع إلا أنها تعد نقلة نوعية في مسار الحراك قد يضفي شيئًا من التهدئة على الأجواء الملتهبة خلال الأيام القليلة الماضية، تزامن ذلك مع  تسريبات متعددة، كشفت أن عدم رغبة الرئيس الأمريكي في خوض حرب مع طهران في الوقت الراهن.

https://twitter.com/drfalahatpishe/status/1129343217479094272

حرب كلامية

تأتي مؤشرات التهدئة وسط تصعيد غير مسبوق للحرب الكلامية بين البلدين، ففي الوقت الذي تعزز فيه واشنطن إمكانياتها العسكرية في الشرق الأوسط، وسط دفع قوي من حلفائها الخليجيين على وجه التحديد بضرورة شن حرب ضد طهران، إذ بالقائد العام للجيش الايراني اللواء عبدالرحيم موسوي يهدد بان ما سماه "العدو" سيتلقى ردًا "يجعله نادما لو ارتكب اي خطأ استراتيجي" وفق ما نقلته وكالة "فارس" الإيرانية.

موسوي وخلال اجتماع عقده أمس الجمعة في مقر 'ذوالفقار' الاستراتيجي لبحث اوضاع وجهوزية قوات الجيش المتواجدة في مختلف مناطق البلاد، قال إن "جميع وحدات الجيش اليوم تتمتع بجهوزية معنوية وقتالية كاملة وفيما لو ارتكب العدو اي خطأ استراتيجي وفي الحسابات فانه سيتلقي ردًا يجعله نادما على فعلته"

عدد من المحللين ذهبوا إلى أن التصعيد المتبادل بين أمريكا وإيران ليس سوى مسرحية يشارك فيها ممثلون متعددو الجنسيات

وفي السياق ذاته هدد قائد الحرس الثوري الإيراني محمد صالح جوكار،بأن "الصواريخ الإيرانية القصيرة المدى يمكنها الوصول إلى السفن الحربية الأميركية في الخليج وأن أمريكا غير قادرة على تحمل حرب جديدة"، مضيفًا أن الولايات المتحدة غير قادرة على تحمل تكاليف حرب جديدة والبلاد فهي في وضع سيئ من ناحية القوة العاملة والظروف الاجتماعية" على حد قوله.

كما سخر وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الايراني محمد جواد آذري جهرمي، من مستشاري ترامب وطبيعة المعلومات التي يزودون بها رئيسهم، واصفا إياهم بانهم "مصدر الاخبار المزيفة و'فيك نيوز'" وفي تغريدة له كتب مخاطبا الرئيس الأمريكي : ان مستشاريك هم مصدر 'فيك نيوك'، مردفا القول: يبدو انه يخاف حتى من ظل نفسه، ناصحا – بسخرية - قناة'فوكس نيوز' وبرنامج 'فوكس آند فريندز' بتنظيم دورة تدريبية لمستشاري ترامب الذين وصفهم بالحمقى.

رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه

ضغوط لا حرب

عدد من المحللين ذهبوا إلى أن التصعيد المتبادل بين أمريكا وإيران ليس سوى مسرحية يشارك فيها ممثلون متعددو الجنسيات حسبما نقلت The New York Times الأمريكية عن السياسي الأردني رحيل غرايبة الذي أضاف أن تلك الأحداث «ليست سوى حيل لممارسة مزيد من الضغوط على إيران».

أما الناقد السينمائي المصري، جوزيف فهيم، فأشار أن هذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها ترامب لزوبعة التهديدات التي تفضي في نهاية الأمر إلى لا شيء، مضيفا: «لو كنا صدَّقنا كل ما قاله ترامب خلال السنوات الثلاث الماضية، لكانت هناك حرب مع الصين وكوريا الشمالية والمكسيك»، وتابع: «الرجل مزحة، إنه غير جاد. لا نعرف ما إذا كانت هذه التهديدات شيئاً نصدقه، أم أنَّها مجرد أحد أعماله المثيرة»، بحسب الصحيفة الأمريكية.

يتزامن هذا الرأي مع ما نقلته مجلة "تايم" الأميركية عن بعض مسئولي البنتاغون بشأن تأكيدهم عدم وجود خطة فعلية قابلة للتنفيذ لمواجهة إيران على عكس ما يثار بأن خطة الحرب قد تم وضعها، فيما أشار أحد الضباط "يتطلب ذلك معرفة ما هو الأمر الذي ينبغي استهدافه، هل هي قوات إيران العسكرية أم يتعلق الأمر بمليشيا؟ هل العدو موجود في العراق أو سوريا أو في مكان آخر؟ هل يتعلق الأمر بسيارة مفخخة أم بصواريخ أم بتهديد إلكتروني؟ وهل هناك أدلة موثوقة تربط أي هجوم بالحكومة الإيرانية بحيث تكون الأهداف داخل إيران مشروعة؟".

استبعاد نشوب حرب في المنطقة يبدوا أنه رأي بعض التيارات السياسية في الداخل الإيراني كذلك، إذ نفى عضو مجلس الشورى الإسلامي الإيراني "البرلمان" مجتبى ذو النور وجود اي مؤشرات تلوح في الافق حول وقوع حرب في المنطقة، قائلا في كلمة له في صلاة الجمعة أمس أنه "إذا ارادت اميركا استخدام معداتها العسكرية في الخليج لمهاجمة ايران فإنها ستتحول الى تلال من الرماد"

وأضاف في كلمته أن الرئيس الاميركي ترامب لايرغب في شن الحرب على ايران، واصفا إياه بـ"التاجر"الذي يسعى لتحقيق مصالحه، كاشفا أن التهديدات القائمة بين اميركا والصين  ليست سوى من أجل نيل الامتيازات، كما وصف الخلافات مع اميركا بالجادة "لكن معظم المسؤولين الاميركيين لايوافقون على اي قرار بالحرب مع ايران الاسلامية".

تحريض سعودي إماراتي إسرائيلي

رغم التنديد الواضح باحتمالية شن أي مواجهات عسكرية في المنطقة من قبل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وغيرها من القوى الإقليمية والدولية التي طالبت الجميع بضبط النفس إلا أن فكرة توجيه ضربات لطهران لا تحظى إلا بدعم 3 دول هم السعودية والإمارات وإسرائيل حسبما ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير لها أمس الجمعة.

الصحيفة أشارت أنه ليس من قبيل الصدفة أن هذه البلدان لجأت إلى البيت الأبيض منذ تولي ترامب منصبه في يناير/ 2017، حين رأت أن الإدارة القادمة ستكون حليفة ضدّ إيران، فيما كشفت عن غضب الرئيس الأمريكي إزاء مستشاره للأمن القومي، جون بولتون، بسبب سياسته الصقورية مع طهران، وأنه يبحث عن صفقة معها يضغط بها عليها على مائدة التفاوض.

كما نقلت بعض التصريحات السعودية التي تنم عن رغبة حقيية في الدفع نحو حرب محتملة، على رأسها ما أدلى به خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي وشقيق ولي العهد، محمد بن سلمان، بأن الهجوم بطائرات بدون طيار على منشآت النفط السعودية الذي تبناه الحوثيون في اليمن تمّ بأوامر من طهران.

مستشفى حربي أمريكي مجهز يصل إلى الخليج

هذا بخلاف ما أوردته صحيفة "عرب نيوز" السعودية في نسختها الإنجليزية بأنه ينبغي على الولايات المتحدة تنفيذ "ضربات جراحية" ضد إيران، انتقاماً من التحركات الأخيرة المنسوبة إلى طهران، معتبرة أن الضربات الأميركية في سورية يمكن أن تكون نموذجاً لذلك.

الصحيفة التي تعبر في كثير من محتواها عن وجهة النظر الرسمية السعودية في افتتاحيتها قالت إن ”وجهة نظرنا هي أنه ينبغي أن يُضربوا بقوة. ندعو إلى رد فعل حاسم وعقابي لما حدث حتى تعرف إيران أن أي تحرك تقوم به ستكون له عواقبه“.

رغم الضغوط على  ترامب من قبل بعض أعضاء إدارته بجانب حلفاءه في الشرق الأوسط إلا أن خيار التفاوض من المرجح أن يكون الخيار المتاح لكل من واشنطن وطهران على حد سواء

الدخول في المفاوضات

تشير بعض المصادر إلى أن هناك محاولة للوساطة من الجانب السويسري للتواصل بين طهران وواشنطن، هذا بخلاف ما أبداه رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني بشأن ترشيحه قطر والعراق كمكان لبدء عملية التفاوض، يتطابق ذلك مع ما قاله مسئول كبير في إدارة ترامب بأن بلاده "في انتظار تواصل إيران، لكن لم تصلها منها أي رسائل بعد تشير إلى استعدادها لقبول مفاتحات ترامب بعقد محادثات مباشرة".

المسئول الذي رفض ذكر اسمه وفق ما أشارت "الجزيرة" أضاف لمجموعة صغيرة من الصحفيين "نعتقد أن علينا أن نخفض التصعيد والدخول في مفاوضات"، داعيا ترامب والسلطات الإيرانية إلى إجراء محادثات بشأن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، في محاولة لتخفيف مخاوف التصعيد.

وفي الجهة الأخرى أكد السفير الايراني حميد بعيدي نجاد، أن "ايران لا تسعى لاشعال فتيل الحرب مع اميركا الا ان الشعب الايراني على استعداد لدفع ثمن المقاومة عبر الوقوف امام أمريكا" مضيفا "لقد منحنا فرصة عام للاطراف الاخرى لحل المشاكل الحاصلة في الاتفاق النووي لكننا توصلنا الان الى نتيجة بانه لو لم نقم باجراء مناسب فان الاتفاق النووي سينهار"

وأشار في  تصريح ادلى به لاذاعة "بي بي سي"  أن "أمريكا لو سعت وراء المزيد من الاجراءات غير الضرورية والاستفزازية فاننا عازمون على الوقوف امامها، اننا لا نسعى لاشعال الحرب لكننا سنصمد امام اميركا وندفع ثمن المقاومة" مؤكدًا على سعي بلاده لإرساء السلام والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط على حد قوله.

وعلى الأرجح ورغم الضغوط على  ترامب من قبل بعض أعضاء إدارته بجانب حلفائه في الشرق الأوسط إلا أن خيار التفاوض من المرجح أن يكون الخيار المتاح لكل من واشنطن وطهران على حد سواء، في ظل رفض دولي واضح إزاء هذا التصعيد الذي ربما يشعل سوق الطاقة وينسف حالة الاستقرار الدولي التي ينشدها الجميع، وتبقى الحرب الكلامية وسيلة للحصول على أقصى مكاسب ممكنة يدعم بها كل فريق موقفه على مائدة الحوار.