استقبل السوريون في شمال سوريا رمضان هذا العام، وسط ارتفاع وتيرة تصعيد روسيا والنظام للهجمات والغارات على مناطقهم، ما خلف آلاف النازحين الذين يبيتون دون مأوى في الأراضي الزراعية، جلها حكايات باتت ترتسم بالذاكرة السورية التي ستبقى معهم لأجيال قادمة، بدأت تأثيراتها تظهر جليًا على المجتمع في كل الأراضي السورية المحررة شمالاً، حيث يبحث النازحون وحتى المقيمين في بلداتهم عن لقمة عيش على أقل تقدير، وباتت حلم يراود مخيلاتهم.

العمل.. للحصول على وجبة إفطار

يجلس مصطفى دالي 30 عامًا على أحد أرصفة أسواق مدينة إعزاز شمالي حلب، مع مجموعة من الشبان، ينتظرون الحصول على فرصة عمل يومية في عتالة البضائع أو عمل آخر يغني يومهم بدخل يؤمن وجبة إفطار خلال شهر رمضان، مصطفى نزح مؤخرًا من بلدات ريف حماة الشمالي مع اشتداد الحملة العسكرية التي تقودها روسيا وميليشيا النظام، نحو المناطق المحررة.

التقى "نون بوست" مصطفى دالي الذي يعيل أسرة مؤلفة من ثمانية أشخاص ويعيش في خيمة بناها على أطراف مدينة إعزاز، بعد رحلة سفر شاقة قضاها هربًا من قصف الطائرات الحربية برفقة عائلته وأقرباء له، وخلال حديثه، قال: "لم تكن هذه المرة الأولى التي أنزح فيها من ريف حماة، فعدة موجات نزوح كانت أسرتي جزءًا منها"، وأضاف: "خرجت مع أسرتي من منزلي قبل أسبوعين تقريبًا متنقلًا في أرياف إدلب الشمالية حتى وصلنا إلى مدينة إعزاز".

بائع خضار في محافظة إدلب

وأوضح دالي: "نزوحنا الآن أصعب فنحن في رمضان، نتحمل مشقة العيش في خيمة لكننا لا نتحمل العيش بلا طعام، فعندي ستة أطفال، لا يمكنني تدبر أمرهم، فكثيرًا ما يكون الخبز هو الوجبة الرئيسية". يخرج مصطفى كل يوم من خيمته متجهًا نحو سوق مدينة إعزاز باحثًا عن فرصة عمل يومية، وإذا نجح بذلك استطاع الحصول على قوت يوم لعائلته، من الخبز، وأحيانًا يجلس طوال اليوم دون عمل، بينما لا يمكنه الذهاب إلى المنزل دون طعام لأطفاله الذين ينتظرونه على وجبة الإفطار التي أضحى الحصول عليها مشقة تكلف الكثير.

تعتبر منطقة إعزاز شمالي حلب نقطة رئيسية تجمع مختلف أطياف المجتمع المدني السوري، حيث يسكنها الآن أكثر من 200 ألف نسمة من سكان البلدة الأصليين والنازحين

يحاول مصطفى بصحبة أصدقاء له محاورة أصحاب المحال التجارية للحصول على فرصة عمل، خلال هذا الشهر فقط، لكنه يفشل في كل محاولة، وبحسب تعبيره: "لا يوجد عمل لدى الكثير من الناس، والجميع يبحث، فمن اعتمل أكل ومن لم يجد لا طعام له".

من جهته قال كامل السليمان (50 عامًا) صاحب متجر مواد غذائية في سوق إعزاز لـ"نون بوست": "الكثير من الشبان يأتون إلى متجري يبحثون عن فرصة عمل يومية، لكن متجري مكتفٍ بالعمال ولو أستطيع لساعدتهم في الحصول على عمل لفعلت"، وأضاف: "أحاول مساعدة بعضهم من خلال معارفي لكن المحال التجارية مكتفية بعدد العمال".

وتعتبر منطقة إعزاز شمالي حلب نقطة رئيسية تجمع مختلف أطياف المجتمع السوري، حيث يسكنها الآن أكثر من 200 ألف نسمة من سكان البلدة الأصليين والنازحين، فيما يواجه عدد كبير منهم قلةً في فرص العمل، نظرًا لارتفاع أعداد السكان مقابل الفرص المتاحة في المدينة، مما أسهم في ارتفاع أعداد الفقراء.

خيام

على مقربةٍ من مدينة مارع بريف حلب الشمالي، تنتشر عشرات الخيام العشوائية في أرض زراعية مهجورة، تسكنها عائلات من دير حافر شرقي حلب، يعتاش سكان الخيام على إحسان الناس لهم أكثر من العمل نظرًا لانعدام أحوالهم المادية التي وصلت بهم إلى هنا.

في لقاء أجراه "نون بوست" مع صادق الحمادي 34 عامًا، قال: "لو كان باستطاعتي تحمل تكاليف الإيجار لسكنت في منزل أفضل من هذه الخيمة التي أصبحت ملاذ أسرتي الوحيد، في الوقت الراهن"، وأضاف: "نزحت منذ سنوات من بلدة دير حافر إلى ريف حلب الشمالي، في أثناء معارك داعش والنظام، وبدأت رحلة التنقل بين القرى من مخيم لآخر، لكنني الآن وجدت الخيمة قرب المنازل جيدة نظرًا لوجود الماء، وإحسان الجيران لنا بالكهرباء لإنارة عتمة الليل".

يعمل صادق في بيع الماء عبر صهريج تحمله السيارة التي جلبها معه من بلدته، يذهب إلى آبار المياه يملأ الصهريج ويعود ليجلس قرب الخيمة خلال ساعات الصباح ينتظر العائلات التي ستبتاع منه الماء، وتحدث قائلاً: "اليوم الذي أعمل به أستطيع تأمين قوت أسرتي المكونة من خمسة أشخاص".

وأضاف: "يختلف العمل في الأيام الحارة التي يطلب فيها الماء، عن الأيام الباردة، التي توقفني عن العمل"، ويزداد الطلب على الماء كلما اشتدت درجات الحرارة، ويعتبر صادق اليوم الحار باب رزقه، وعندما تنخفض درجات الحرارة لا يتمكن من العمل، وأكد: "صدقني عندما لا أعمل في اليوم أحتاج مساعدة الناس"، حيث يرسل صادق أبناءه دون العشرة سنوات إلى أبواب المنازل لطلب المساعدة، بأي شيء يستطيعون للحصول على وجبة الإفطار.

بعد معركة درع الفرات وإشراف الحكومة التركية على إدارة المناطق التي سيطرت عليها بدعمها للجيش السوري الحر، منعت الحكومة التركية عدد من المنظمات الإنسانية العمل في المنطقة، إلا من خلال إشرافها واطلاعها على برامج عملها

وينتشر في الشوارع الكثير من الأطفال الذين يطلبون المساعدة، نظرًا لحاجة أسرهم وصعوبة تغطية النفقات المعيشية، وبحسب محمود فاضل الذي يعمل في إصلاح الدراجات النارية، قال: "أشاهد الكثير من الأطفال الصغار وحتى النساء يطلبون المساعدة من أصحاب المحال، وآخرون يطرقون المنازل للحصول على المساعدة من طعام وشراب يقتاتون عليه أو مال يمكنهم من تدبر حاجياتهم"، وتعود ظاهرة التسول إلى انتشار الفقر بين أوساط المجتمع في الشمال السوري، إلى جانب انعدام فرص العمل لدى الغالبية العظمى، وخاصة خلال شهر رمضان.

عمل إغاثي ضعيف

بعد معركة درع الفرات وإشراف الحكومة التركية على إدارة المناطق التي سيطرت عليها بدعمها للجيش السوري الحر، منعت الحكومة التركية عدد من المنظمات الإنسانية العمل في المنطقة، إلا من خلال إشرافها واطلاعها على برامج عملها الحائزة على ترخيص من تركيا، مما أسهم في تراجع العمل الإغاثي في الشمال السوري، بينما توجه دعم تلك المنظمات إلى محافظة إدلب وريفها، ونتيجة تصعيد روسيا علقت عدة منظمات إنسانية عملها، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وذلك حفاظًا على العاملين في المجال الإنساني، مما فاقم الأزمة الإنسانية في الشمال السوري.

وقال الإعلامي أبو العلاء لـ"نون بوست": "العمل الإغاثي جيد نسبيًا لكنه لا يغطي كامل الاحتياجات نظرًا لتدفق النازحين من أرياف إدلب وحماة"، وأضاف: "قدمت عدد من المنظمات وجبات إفطار صائم للمخيمات العشوائية والنظامية، ولكن أوضاع النازحين تحتاج إلى حلول فوجبة الإفطار لا تكفي".

وبين قائلاً: "اتجهت الغالية العظمى من نازحي إدلب وحماة نحو منطقة جنديرس شمال غرب حلب، عبر معبر أطمة الفاصل بين مناطق غصن الزيتون وإدلب"، وأكد أن عدد من المنظمات كمؤسسة إحسان ومنظمة رحمة وشفق، تقدم بعض المساعدات الإنسانية، لكنها غير كافية خاصة أن أغلب النازحين خرجوا بثيابهم من ريف حماة.

وأشار إلى أن غالبية السوريين الذين نزحوا لا يملكون سوى الثياب وبعض الحاجيات وينتشرون قرب معبر باب الهوى في ريف إدلب وداخل الأراضي الزراعية على الشريط الحدودي مع تركيا، واعتبر أبو العلاء أن العائلات التي تملك أموالاً خلال السنوات السابقة استنزفت نظرًا لانقطاع معيليها عن العمل، لسنوات، بينما أصبحوا الآن بحاجة إلى مال لاستئجار منزل ومصاريف ومستلزمات أساسية أخرى.

وقالت الأمم المتحدة في تقرير لها خلال شهر مارس الماضي "أكثر من 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر"، وأشارت إلى أن الأوقات العصيبة في سوريا لم تنته بعد، كما أفاد فريق منسقي الاستجابة في الشمال السوري بأن السبب الرئيسي لارتفاع نسبة الفقر هو تفشي البطالة جراء الحرب وعدم الاستقرار الاقتصادي وهبوط سعر صرف الليرة السورية والارتفاع الفاحش للأسعار، إلى جانب توقف المصانع والمعامل التجارية التي كانت تشغل آلاف العمال.

وأنتجت الأحداث التي شهدها الشمال السوري خلال السنوات السابقة، انعكاسات سلبية على حياة السوريين نتيجة التدهور الكبير في سوق العمل وفقدان نسبة كبيرة منهم وظائفهم، بحيث تم تكريس اهتمامهم في البحث عن عمل يقيهم شظف العيش، بعد أن أصبح عبء تكاليف المعيشة ثقيلاً عليهم في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تواجههم.