كثفت تركيا، مؤخرًا، مساعيها العسكرية والدبلوماسية، لحماية ليبيا وحكومة الوفاق الوطني هناك، المعترف بها دوليًا، في ظل الهجمة العسكرية التي يشنها اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد العاصمة طرابلس، وتعمل تركيا على حماية ليبيا من خطر التقسيم و"العسكرة" الذي يسعى له حفتر بمساعدة دول عربية وغربية لا هم لها سوى خراب هذا البلد العربي للسيطرة على مدخراته الطبيعية والاستفادة من موقعه الجغرافي.

دعم عسكري

ضمن هذه المساعي التركية، وصلت أول أمس السبت، عشرات المدرعات التركية إلى حكومة الوفاق الوطني الليبية التي تتخذ العاصمة طرابلس مقرًا لها. فوفق صفحات تابعة للقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني الليبية، رصدتها نون بوست، فإن حكومة الوفاق تلقت شحنة من مركبات مدرعة وأسلحة يوم السبت في إطار سعيها لصد الهجوم الذي تشنه قوات حفتر المتهمة بارتكاب جرائم حرب.

أكد أردوغان أن تركيا ستقف بقوة إلى جانب أشقائها الليبيين

وتقول هذه الصفحات: "في إطار مكافحة الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية ووفق ما خوله القانون الدولي والاتفاق السياسي والملحق الخاص بقرار مجلس الأمن بشأن ليبيا، قامت حكومة الوفاق الوطني باستيراد عدد من المدرعات الحديثة وأسلحة نوعية وذلك لتعزيز قوات الجيش في مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة في كامل حدود الوطن".

وأظهرت صور ومقاطع فيديو نشرتها صفحات مختلفة على فيسبوك، لحظة وصول السفينة لميناء طرابلس، وعملية إنزالها لشحنتها من المدرعات البالغ عددها تقريبًا بحسب المقاطع والصور قرابة 40 مدرعة من طراز (بي. إم. سي كيربي) تركية الصنع.

المدرعات التركية من شأنها دعم جهود حكومة الوفاق

وتحمل السفينة التي رفع عليها علم ​مولدوفا​، اسم "AMAZON"، وأبحرت من ميناء سامسون بشمال تركيا، حسب ما ذكرت تقارير إعلامية، ومواقع مختصة بمتابعة حركة السفن، وتعتبر مدرعات "كيربي" أبرز المدرعات التركية، تصنعها شركة "بي إم سي" أوتوموتيف التركية لإنتاج العربات المدرعة، ويقع مقرها في مدينة سامسون.

وأكد الناطق الرسمي باسم قوات الرئاسة محمد قنونو، في تصريح لقناة التناصح، وصول دعم عسكري متمثل في المدرعات والأسلحة التركية، مبينًا أن الدعم سيستمر ويأتي حسب القوانين المعمول بها بتنسيق مع قيادات الدول التي وصفها بـ"الصديقة التي تهمها مصلحة ليبيا".

وقال قنونو: "الدعم وصل وكان في موعده ومستمر ونحن لا نعلن كل الدعم لأن هناك ظروفًا أمنية لخطتنا العسكرية، فمن أساس نجاح خطتنا العسكرية هي السرية، نطمئن الجميع أن الدعم وقياداتنا تعمل على قدم وساق داخل وخارج ليبيا حسب القوانين الدولية المعمول بها وجيشنا ينفذ التعليمات وسترون في الأيام القادمة نتائج ممتازة وانتصارات مبهرة".

أردوغان على الخط

هذا الدعم العسكري التركي لحكومة الوفاق الوطني، جاء بعد أسبوعين من تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن بلاده ستسخر كل إمكاناتها لما وصفه بـ"منع المؤامرة عن ليبيا".

وقال أردوغان خلال اتصال هاتفي مع رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، نهاية الشهر الماضي: "تركيا ستسخر كل إمكاناتها لمنع هذه المؤامرة على الشعب الليبي، ونقدر دور حكومة الوفاق في مواجهة هذا العدوان".

وأردف "تركيا تندد وتستنكر الاعتداء الذي يشن على العاصمة طرابلس، وتستنكر المؤامرة التي تحاك على ليبيا واستقرارها"، وأوضح الرئيس التركي أن بلاده "ستقف بكل حزم إلى جانب الليبيين وستدعم الحكومة الشرعية المتمثلة في حكومة الوفاق الوطني"، وشدد أردوغان قائلاً: "لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية، والمسار السياسي هو المسار الوحيد لبناء الدولة المدنية التي يتطلع إليها كل الليبيين".

وقبل هذا الاتصال بيومين، قال أردوغان إن في ليبيا حكومة تتلقى شرعيتها من الشعب، وديكتاتور يتلقى الدعم من أوروبا وبعض الدول العربية، في إشارة إلى اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

يسعى حفتر إلى فرض النظام العسكري في ليبيا لفرض رؤيته على البلاد

أشار أردوغان خلال الاجتماع التشاوري والتقييمي الـ28 لحزبه "العدالة والتنمية"، في العاصمة أنقرة، تعليقًا على عدد من الملفات الإقليمية، إلى أن ليبيا باتت تشكل مسرحًا لـ"سيناريوهات مظلمة تستهدف أمن المنطقة"، حسب ما أوردت وكالة الأناضول الرسمية.

وأكد أردوغان أن تركيا ستقف بقوة إلى جانب أشقائها الليبيين، كما فعلت في السابق، وستستنفر كل إمكاناتها لإفشال مساعي تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة.

ويعتبر أردوغان أبرز داعمي حكومة الوفاق الليبية، ويفهم من كلامه دعمًا دبلوماسيًا كبيرًا لهذه الحكومة، ذلك أن الرئيس التركي يستغل مكانته الدولية لجمع الدعم للشعب الليبي وممثليه الشرعيين، في وجه القوة العسكرية لحفتر.

تعاون وفق القانون الدولي

هذا التعاون اللوجستي بين حكومة أنقرة وحكومة طرابلس، يقول عضو الجبهة الإعلامية لحماية العاصمة طرابلس مصطفى الكبير، إنه جاء دون أي مخالفة قانونية أو عرفية، فالحكومتان تعملان وفق القواعد القانونية الدولية المسموح بها.

وأوضح الكبير في تصريح لـ"نون بوست": "نحن نتحدث عن حكومتين شرعيتين تتعاونان فيما بينهما، من خلال تفعيل اتفاقيات الدفاع المشتركة بين الدولتين التي تمثلانهما وتفرض على كل جانب مساعدة الآخر في حال تعرضه لأي خطر، وأيضا من خلال تفعيل اتفاقيات مكافحة الإرهاب التي باتت مبدأ دوليًا مجمعًا عليه".

"حكومة السراج ترى في مقاومتها لمد مليشيات الكرامة مقاومة لحركة إرهابية أيدلوجية لا تختلف عن تلك التي قاومتها في سرت"، يقول عضو الجبهة الإعلامية لحماية العاصمة الليبية، ويؤكد أن "حكومة أنقرة وهي تترأس حلف الناتو اليوم لا ترى غضاضة في المجاهرة بالدعم لحكومة شرعية معترف بها دوليًا لا سيما وهي ترى في ذلك حماية لتجربتها الديمقراطية من المد العسكري الديكتاتوري في المنطقة".

حماية ليبيا

هذا الدعم الموجه للسلطات الشرعية في ليبيا، تسعى من خلاله السلطات التركية بقيادة رجب طيب أردوغان إلى حماية ليبيا من خطر التقسيم وفرض نظام عسكري عليها، في هذا الشأن يقول الإعلامي الليبي مصطفى الكبير لنون بوست: "أسباب الدعم التركي متعددة، أهمها حماية ليبيا من خطر فرض نظام عسكري لأن ذلك يهدد مشروع تركيا الديمقراطي في المنطقة التي تشهد عودة للديكتاتوريات، وهذا يجعل من تركيا بؤرة نشاز لن تتلاءم مع تلك الديكتاتوريات التي ستسعى لهدم هذه التجربة الديمقراطية".

وبدأ اللواء المتقاعد خليفة حفتر في الـ4 من شهر أبريل/نيسان الماضي، عملية عسكرية، بإيعاز من دول عربية على رأسها الإمارات ومصر، بهدف ما سماه تحرير طرابلس من الجماعات الإرهابية، في الوقت الذي كانت تستعد فيه ليبيا لتنظيم الملتقى الوطني الجامع لبحث حل سياسي للأزمة في البلاد.

ويسعى حفتر إلى فرض نظام عسكري في ليبيا، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر سلبًا على البلاد والمنطقة ككل، خاصة في ظل صعود الجيش في الجزائر والسودان وقبلهما مصر.

وعد أردوغان الليبيين بتوفير الدعم الكامل لبلادهم

إلى جانب حمايتها من خطر الحكم العسكري، تسعى تركيا إلى حماية ليبيا أيضًا من التقسيم الذي يسعى حفتر وحلفاؤه العرب والأجانب إلى فرضه خدمة لأجندتهم المستقبلية.

وتنقسم ليبيا إلى حكومتين واحدة في الغرب وهي حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج، وتحظى بدعم المجتمع الدولي، وأخرى في الشرق انبثقت عن برلمان طبرق المنحل في سبتمبر/أيلول 2014، وتوجد بمدينة البيضاء شرقي ليبيا، ويترأسها عبد الله الثني.

ويرى مصطفى الكبير أن نجاح الدعم التركي سيدعم هدف حكومة الوفاق الشرعية التي تسعى لبسط نفوذها على كامل القطر الليبي ما يعني فشل حلم التقسيم المصري بالذات.

يختم الكبير حديثه لـ "نون بوست" قائلاً: "كل هذا ينصب في مصلحة الشعب الليبي الذي سيرى دولته متوحدة قريبًا دون وجود من يسعى لتقسيمها أو توريد خيراتها للخارج دون وجه حق".

الدعم التركي لليبيا، من شأنه ترجيح كفة حكومة الوفاق في وجه حفتر وداعميه، الأمر الذي يرحب به الليبيون، ففي ذلك إنقاذ لدولتهم من أجندات خارجية تسعى لتخريب البلاد والظفر بمدخراته الباطنية الكبيرة.