استطاعت الكاتبة أن تقدم عالمًا غنيًا وخصبًا يحشد بالمفارقات المختلفة

فازت الأديبة العمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر العالمية لعام 2019 في بريطانيا التي تُمنح سنويًا للأعمال المترجمة، عن رواية "سيدات القمر" لتكون بذلك أول كاتبة عربية تفوز بالجائزة، وصدرت رواية سيدات القمر خلال عام 2010 وترجمتها إلى الإنجليزية لاحقًا المؤلفة الأمريكية  مارلين بوث تحت عنوان "أجرام سماوية" Celestial Bodies.

وصل إلى القائمة القصيرة للجائزة بالإضافة إلى رواية "سيدات القمر" لجوخة الحارثي، رواية "السنوات" للكاتبة الفرنسية آني إيرنو، ورواية "جزر الصنوبر" للكاتبة الألمانية ماريون بوشمان، وللأديبة البولندية أولغا توكاركوك وصلت رواية "مر بمحراثك على عظام الموتى"، هذا بالإضافة إلى رواية "حق الانتفاع" للكاتبة الإسبانية الإيطالية علياء ترابوكو زيران، و"ظلال الأطلال" للكاتب الإسباني خوان غابرييل فاسكويز.

"سيدات القمر".. التاريخ العماني من خلال قصص النساء

تدور أحداث رواية "سيدات القمر" في قرية عوافي العمانية الخيالية وتتقاطع الرواية بشكل كبير مع أحداث التاريخ العماني بداية من حقبة الثلاثينيات وحتى ثمانينيات القرن الماضي، ورغم تماسها مع التاريخ فإن الرواية لا تقدم لنا رصدًا تاريخيًا لتلك المرحلة ولكنها عوضًا عن ذلك تقوم بتضفير التاريخ مع حكايات البطلات لنرى كيف تفاعلت النساء مع حركة تمدين السلطنة.

تحكي الرواية قصة ثلاث سيدات هن: مايا وأسماء وخولة، ومايا الشخصية النسائية الأولى التي تقدمها لنا الرواية هي فتاة تقع في حب رجل من النظرة الأولى بعد أن تلتقي به في مكان عام ولا تتمنى من الدنيا سوى أن تراه من بعيد فقط، إذ لا يسمح لها المجتمع أن تعيش قصة حب ولكن حتى حبها المكتوم بداخلها لا يستمر، إذ تخبرها أمها بخبر خطبتها لابن التاجر الذي تتزوجه فيما بعد وتسمي ابنتها الأولى "لندن" لأن الشاب الذي أحبته سافر إلى لندن، من خلال حكاية مايا وزوجها عبد الله تسرد علينا جوخة الحارثي الكثير من فلكلور السلطنة العمانية في الماضي.

أما أسماء فهي تلك الفتاة التي انصاعت لتقاليد المجتمع وقررت الزواج بحثًا عن الأمان والطمأنينية وإرضاءً لمتطلبات الواجب الاجتماعي، وبالنسبة لشخصية خولة فهي فتاة تتمرد على أعراف المجتمع وترفض الزواج بانتظار حبيبها الفاشل دراسيًا في كندا وحين يعود تتزوج منه ولكنها تكتشف أنه كان على علاقة بامرأة أخرى في كندا فتقرر الطلاق بعد عشر سنوات من الزواج.

تطرح رواية "سيدات القمر" من خلال شخصيات الرواية الواقع الاجتماعي والثقافي للسلطنة والتحولات السياسية والعمرانية التي شهدتها عُمان وذلك عبر جيلين مختلفين

تماهي الخاص والعام في بنية السرد الروائي

يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إن الرواية تستطيع الكشف عما يعجز التاريخ عن اكتشافه، ويرى عالم الاجتماع آلان تورين أن هناك نوعًا من التطابق في مستوى السرد الحكائي بين سيرة ذات ووضع تاريخي حيث يتداخل الوضع الخاص للشخصيات الروائية مع الوضع التاريخي العام لمكان الأحداث.

وتطرح رواية "سيدات القمر" من خلال شخصيات الرواية الواقع الاجتماعي والثقافي للسلطنة والتحولات السياسية والعمرانية التي شهدتها عُمان وذلك عبر جيلين مختلفين؛ فعلى هامش شخصيات الرواية نكتشف بعض الحكايات عن مجتمع العبيد والإماء ومعاناتهم في السفن التي حُشروا بداخلها بعد أن سرقوهم من الدول الإفريقية وباعوهم إلى التجار والشيوخ في الخليج ثم صدور قانون تحرير العبيد وهروب الكثير منهم إلى أماكن أخرى خارج السلطنة وبقاء الجيل القديم الذي ظل أسيرًا لفكرة العبودية كقدر، إذ نجد على هامش الأحداث علاقة بين والد الفتيات وإفريقية متحررة حيث شغفته حبًا إلى الدرجة التي جعلته يلقي عليها أشعار قيس بن الملوح ولكنه لم يتزوجها لأنها نسلها كان من الإماء في الماضي.

"سيدات القمر".. رواية الأصوات المبعثرة عبر الزمن

ترتكز رواية "سيدات القمر" على تعدد أصوات السرد إذ لم تعتمد على صوت سردي واحد ولكنها اعتمدت على تقنية التعدد والتنوع وذلك وفقًا لحركة نظامية في عودة الزمن إلى الوراء وتقدمه للأمام، وقد ساهم تعدد أصوات الرواية في تقديم مختلف وجهات النظر وكسر أحادية الرؤية التي يقدمها السارد الوحيد لأحداث ووقائع الرواية.

وما بين تنوع الأصوات تنتقل حركة الحياة في الرواية من الهدوء والسكون حيث تتحدث مايا إلى صخب المدينة والعمران حين ينتقل السرد إلى ابنتها لندن التي تحب زميلها في الجامعة وتصمم - عكس أمها - على الارتباط به رغم الفوارق الطبقية الهائلة بينهما ولكنها تتركه في النهاية حين تكتشف خياناته المتكررة لها.

بعيدًا عن قصص النساء قدمت لنا الرواية صورة متكاملة عن جمال بيئة عُمان الصحراوية وطبيعة أهلها وعاداتها وتقاليدها المجتمعية

الفقد كثيمة أساسية في الرواية

"ومن يحزن لحزني أنا؟" يظل هذا السؤال الذي تطرحه مايا معلقًا دون إجابة حتى تنتهي صفحات الرواية، فجميع بطلات العمل تعرضن للخذلان العاطفي، وجميعهن أُصبن بالفقد والهشاشة وجاءت الخيبة في العشق كسمة مشتركة بينهن جميعًا وذلك لأن أغلب الشخصيات ظلت تبحث طوال الرواية عن شيء ناقص.. شيء مسلوب.. زمن ضائع وحياة لم تعد موجودة.

وربما لذلك غابت فكرة الصراع ببعده الصدامي عن الأحداث، فكل شخصية كانت تكابد بداخلها وتحفر في أعماقها حتى تحتل موقعًا في الحياة، فالرواية وإن بدت أنها عمل مكرس للنساء غير أنها في الواقع تتجاوزهن وتستثمر الحكي في استنطاق التاريخ والانطلاق منه عبر المرأة في تشكيل عوالم درامية لواقع تمور تحت سطحه متغيرات كثيرة.

يمكن اعتبار رواية "سيدات القمر" رواية أجيال رغم عدم التزامها الصارم بقواعد هذا التصنيف، حيث إنها لم تستغرق عددًا كبيرًا من الصفحات ولكنها في الوقت ذاته استحضرت حقب مختلفة من التاريخ العماني

وبعيدًا عن قصص النساء قدمت لنا الرواية صورة متكاملة عن جمال بيئة عُمان الصحراوية وطبيعة أهلها وعاداتها وتقاليدها المجتمعية، ففي ظل غياب الدراسات السوسيولوجية عن بلاد الخليج يظل الأدب هو النافذة التي نطل منها على المجتمعات المختلفة: كيف بدأت وكيف تطورت وما أثر الاقتصاد النفطي على العمران وكيف تغير البشر.. كل تلك الأمور تخبرنا بها الرواية وهو ما جاء تحديدًا في رصد التحول العمراني في عمان من قرية المعافي إلى مدينة مسقط.

استطاعت الكاتبة أن تقدم لنا عالمًا غنيًا وخصبًا يحشد بالمفارقات المختلفة حيث تتداخل علاقات الحب والشوق والخيبة مع الشعور بالاغتراب وخسارة الأحلام والتشبث بها، فكل تلك الأحاسيس دُمجت بشكل قوي مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ولذلك قامت بنية الرواية على الاتصال والانفصال في آن واحد وقد سمح كسر أحادية الرؤية بالتنقل برشاقة بين مختلف الأزمنة والأماكن.

ولهذا يمكن اعتبار رواية "سيدات القمر" بأنها رواية أجيال رغم عدم التزامها الصارم بقواعد هذا التصنيف، حيث إنها لم تستغرق عددًا كبيرًا من الصفحات ولكنها في الوقت ذاته استحضرت حقب مختلفة من التاريخ العماني بداية من فترة الاستعمار ومرورًا بنشوء السلطنة وحتى انتشار التمدن والعمران الحديث.