من المحتمل أنّك بدأتَ في الفترة الأخيرة تتخيّل صورة العالم والمستقبل حيث تكون العملات الرقمية والافتراضية هي المسيطرة والطريقة الوحيدة لتنفيذ كلّ المعاملات والصفقات في مختلف المجالات الحياتية. فالحديث عن البيتكوين والبلوك تشين (blockchain) في الإعلام والصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي قد أخذ مساحةً واسعة وكبيرة ربّما تساعدك على تخيّل التغيّر الكبير الذي سيحصل في العالم وما فيه على إثر هذه التقنيات.

لكن ماذا لو توسّعنا بخيالنا أكثر مرّة أخرى وتخيّلنا تحديدًا مستقبل العديد من الصناعات التي يمكن أنْ تتأثّر بشكلٍ مباشر، وربّما تواجه تهديداتٍ حقيقية بالاختفاء والاستبدال في ظلّ الإيجابيّات الشتى النامية لتقنية البلوك تشين، والتي ترتكز بالأساس على كونها تقنية آمنة لا يمكن التلاعب بها أو تزويرها. عوضًا عن أنها قادرة على تسيير الأعمال التجارية المختلفة بشكلٍ أسرع وبتكلفةٍ أقل، والأهمّ من ذلك عدم حاجتها لوسيطٍ ثالثٍ يتدخّل في المعاملة.

تعدّ البلوك تشين تقنية آمنة لا يمكن التلاعب بها أو تزويرها ولا تحتاج لوسيط ثالثٍ يتدخّل في المعاملة

وبكلماتٍ أخرى، يمكننا القول أنّ العالم سيصل إلى مستوىً جديد سيغيّر كثيرًا من شكله والطريقة التي تُنجز فيها الأعمال والصناعات والمجالات المختلفة. 

مجال العقارات: لا حاجةَ للوسطاء أبدًا

كما قلنا، واحدة من أهمّ ميزات تقنية البلوك تشين، أو سلسلة الكتل كما تعرف في العربيّة، هي أنّها لا تحتاج لوجود وسيطٍ لإتمام الصفقة أو المعاملة التجارية. لنفترض أنك تريد شراء شقةٍ أو حجز أخرى، أنتَ تعلم أنّك ستواجه عددًا ليس بقليل من الصعوبات والتعقيدات قد تكون مع العمولة أو التحويل أو نقل الملكية أو الدفع، أليس كذلك؟ لكنّ بلوك تشين ستريحك من كلّ هذا الصداع الناتج وتجعل من العملية برمّتها، من ألفها إلى يائها، عمليةً سهلةً وبسيطة.

توفّر هذه التقنية شكلًا من أشكال حفظ السجلات والمعاملات المشتركة بطريقة يصعب العبث بها، وذلك من خلال المنصات اللامركزية المسؤولة عن عمليات البيع والشراء والتداول وغيرها من العمليات المحدّدة سلفًا بين أطراف الصفقة والتي لا تخضع لأيٍّ نوع من الرقابة نظرًا لشفافيّتها وسهولة الاطلاع عليها.

تعمل بلوك تشين على حلّ العديد من المشكلات في مجال العقارات من خلال قاعدة بيانات واحدة غير مركزية تمكّن العملاء من التحكّم في بياناتهم والوصول إلى عروضات أكثر موثوقيةً وأعلى مصداقيةً وأقلّ تكلفةً وسعرًا

من جانبٍ آخر، تحلّ التقنية مشكلة سيطرة جهات معينة على القطاع واحتكارها له. فإذا أردتَ استئجار شقةٍ على سبيل المثال، لن تكون بحاجة للبحث في المواقع التقليدية المسؤولة عن ذلك، لنأخذ موقع "بوكينغ" على سبيل المثال. مشكلة هذه المواقع أنها تابعة لنظامٍ مركزيّ يضع قواعده وشروطه التي تُبقي العميل تحت رحمة مزوّدي الخدمة وكبار المسؤولين فيها الذين يستطيعون متى ما أرادوا رفع سعر الحجوزات أو تغيير شروطها مثلًا.

تعمل بلوك تشين على حلّ هذه المشكلات من خلال العمل على قاعدة بيانات واحدة غير مركزية تمكّن العملاء من التحكّم في بياناتهم والوصول إلى عروضات أكثر موثوقيةً وأعلى مصداقيةً وأقلّ تكلفةً وسعرًا. كما أنها تسهّل عملية نقل الملكيّة بصورةٍ آمنة لجميع الأطراف المشاركة في العملية: المشتري والبائع والوكيل العقاري والبنوك المستخدمة، فجميعها لها هوية رقمية خاصة بها يتم التحقّق منها من قبل النظام الرئيسي.

الرعاية الصحية: خصوصية أكبر للمعلومات

في حين أنّ التقنيات الرقمية الحديثة قد ساهمت في تطوير مجالات الرعاية الصحية في العالم، إلا أنّ العديد من المشكلات لا تزال حاضرة فيها مثل الخصوصية وعدم الكفاءة وارتفاع النفقات والمخاوف الأمنية واحتمالية وقوع الأخطاء والتحايل وغيرها من المشكلات العديدة.

يمكن لأنظمة ومؤسسات الرعاية الصحية عن طريق البلوك تشين أنْْ تقلّل من خطر التعرّض للهجمات الإلكترونية وتقليل وقوع الأخطاء الطبية وغيرها من المشكلات

قد تستغرب من أنّ أنظمة الرعاية الصحية في العالم تتعرّض للكثير من الهجمات الإلكترونية، ما يجعل من بناها التحتية وبياناتها التي تحتويها عرضةً للخطر. فعلى سبيل المثال،  قام مجموعة من قراصنة الإنترنت في عامي 2018 باقتحام قاعدة بيانات الصحة الحكومية في سنغافورة وسرقة بيانات صحية تخصّ حوالي 1.5 مليون شخص، حسبما ذكرت سلطات سنغافورة واصفةً إياه بأنه "أخطر انتهاك للبيانات الشخصية شهدته البلاد".

أين يظهر دور البلوك تشين هنا؟ نظرًا لأنّ التقنية أشبه بسجلٍّ إلكتروني يسجّل المعاملات والبيانات ويقوم بإدارتها دون تدخّل من جهاتٍ خارجية، يمكن إذن لأنظمة ومؤسسات الرعاية الصحية أنْْ تقلّل من خطر التعرّض للهجمات الإلكترونية وتقليل وقوع الأخطاء الطبية وغيرها من المشكلات إما عن طريق السماح للمرضى والأطبّاء بامتلاك معلوماتهم عن طريق الانضمام إلى التقنية أو عن طريق مساعدة المستشفيات في تأمين خوادمها وتوزيع بياناتها على الشبكة.

التصويت والانتخاب: وداعًا للتزوير

يمكنك الآن أنْ تتخيّل أنّ تقنية البلوك تشين قد تكون حلًّا مثاليًا لمشاكل التزوير وتدخّل السلطات والحكومات في الانتخابات والتصويت. فهي تتكفّل بتسجيل الناخبين والتحقق من هويّاتهم الشخصية، عن طريق نظام تصويت يضمن تسجيل التصويت لمرةٍ واحدة فقط من خلال استخدام رموز مميزة لكلّ مرشحّ تسجّل نهائيًا في النظام الذي لا يمكن العبث به أو تغييره، ومن ثمّ حساب الأصوات وعدّها بطريقةٍ مضمونة ومشروعة دون غشٍّ أو تلاعب.

يضمن نظام البلوك تشين تسجيل التصويت لمرةٍ واحدة فقط من خلال استخدام رموز مميزة لكلّ مرشحّ

كيف يجري ذلك؟ في البداية تتمّ عملية تسجيل الناخبين خارج السلسلة، وبمجرّد أنْ يتأكد النظام أنّ هذا الشخص مؤهل للتصويت فسيتلقّى رمزًا أو مفتاحًا يتيح له التصويت مرة واحدة فقط، ما يمنع مشكلة التصويت المزدوج. بالإضافة إلى ذلك، ستكون عملية التصويت بأكملها غير مركزية، ما يعني أنه لا توجد سلطة مركزية للتحقّق من الأصوات وإضفاء الشرعية عليها.

مناهج تعليمية موحّدة عالميًا

في مجال التعليم، ليس من الممكن أنْ تضيعَ المعلومات المتعلّقة بدرجات الطالب وشهاداته والدورات التدريبية التي قام بها والامتحانات التي تجاوزها. ومن غير الممكن أيضًا تغيير تلك المعلومات أو تزويرها. وفي الوقت نفسه، يمكن للشخص الوصول إلى هذه المعلومات بموافقة المالك بسهولة. ما يعني أنّ هذا سيخلّصنا من البيروقراطية الخانقة التي تحكم بالمؤسسات التعليمية، الخاصة والعامة. فلن تحتاج لأخذ موعدٍ أو الانتظار في طابورٍ ما حتى تحصل على شهادتك المصدّقة، أو على وثيقةٍ تدلّ على تخرّجك في جامعةٍ معينة مثلًا.

ربّما سيصل الأمر إلى إمكانية توحيد المناهج التعليمية عالميًا وتدريس نفس المعلومات حول العالم بالطريقة والأسلوب نفسيهما دون أيّ تفاوتٍ أو فروقات بين دولةٍ وأخرى في مستوى التعليم

ومثله مثل غيره من القطاعات، سيكون من الصعب تزوير أيّ شهادةٍ أو درجةٍ أو معلومة، ما يحلّ مشكلةً أخرى لدى أرباب الأعمال ومسؤولي التوظيف في الشركات والمؤسسات وغيرها. إذ يمكن إنشاء قاعدة بيانات تشمل مهارات الشخص أو شهاداته أو دوراته التدريبية الذي أكملها والمحاضرات التي حضرها وجعلها متوفّرة لأرباب العمل لتسهيل حصولهم على المعلومات المتعلّقة بكلّ موظّف وتصنيفها بسهولة وموثوقية.

وقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن رغبته في استخدام هذه الآلية للأغراض التعليمية. فيما نشر تقريرًا يدرس فيه هذه التكنولوجيا ومخاطرها المحتملة من جهة، وآفاقها وإمكانياتها المستقبلية من جهةٍ ثانية، معتقدًا أنّ الآفاق واعدة في المستقبل القريب وأنّ بلوك تشين ستتمكّن بالفعل من حلّ الكثير من المشكلات في قطاع التعليم.

أمّا على مستوى التكاليف والتمويلات، فستعمل تقنية بلوك تشين على تحسين نظام المنح الدراسية والأقساط الجامعية للطلّاب، وستوفّر آلياتٍ شفافة وموثوقة لتمويل تلك المنح وغيرها من المشاريع التعليمية والأكاديمية. وربّما سيصل الأمر إلى إمكانية توحيد المناهج التعليمية عالميًا وتدريس نفس المعلومات حول العالم بالطريقة والأسلوب نفسيهما دون أيّ تفاوتٍ أو فروقات بين دولةٍ وأخرى في مستوى التعليم.

بالنهاية، لا تزال الآلية قيد التطوير وبحاجة إلى الوقت لإثبات فعاليتها وجدارتها. لكنْ من الواضح أنّها ستكتسب قوة جذب في مجموعة واسعة من القطاعات والمجالات التي ستغيّر من شكل الحياة كثيرًا في المستقبل. ومن يدري لعلّنا بعد بضع سنوات قد نجد أنفسنا في عالمٍ مختلف كان يومًا ما أقرب لروايات وأفلام الخيال العلميّ منه للحقيقة.