تواصل المملكة العربية السعودية، دعمها السخي للمجلس العسكري السوداني، بعد الصمت "المريب" الذي جنحت له خلال الثورة الشعبية ضدّ نظام الرئيس المخلوع عمر البشير. دعم اتخذ عديد المناحي من السياسي إلى المالي، ما جعل العديد من السودانيين يخشون على ثورتهم من "غدر" النظام السعودي، خاصة وأن لهذا النظام تجارب سابقة تتحدّث عليه في بلدان الربيع العربي.

حميدتي في الرياض

في أول تنقّل له خارج السودان منذ تولّيه منصبه الجديد، يؤدّي نائب رئيس المجلس العسكري، الفريق أول محمد حمدان دقلو -المعروف باسم حميدتي ـ زيارة إلى السعودية، في إشارة إلى أهمية الدور السعودي في السودان، عقب عزل المجلس العسكري الرئيس عمر البشير، في 11 نيسان/ أبريل الماضي.

وقالت وكالة الأنباء السعودية في وقت مبكر اليوم الجمعة إن ولي العهد محمد بن سلمان اجتمع مع نائب رئيس المجلس العسكري السوداني الذي يزور المملكة. وأضافت الوكالة أن الاجتماع بين محمد بن سلمان وحميدتي عقد في مدينة جدة وجرى خلاله بحث التعاون بين البلدين.

سبق أن أعلنت كل من السعودية والإمارات في الـ 21 من أبريل/نيسان الماضي تقديم دعم مالي قيمته ثلاثة مليارات دولار للسودان

يعتبر الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي" الذي يقود قوات الدعم السريع "التي روعت أهالي دارفور"، القوة الرئيسية وسط القوى العسكرية السودانية، وهو حجر الأساس في المفاوضات التي يجريها المجلس العسكري مع قوى التغيير في السودان، وهو ما يفسّر الرغبة السعودية في تطوير العلاقات معه.

ويفهم من هذه الزيارة، سعي السعودية إلى توفير الغطاء السياسي للمجلس العسكري السوداني، ودعمه خارجيًا، خاصة وأن العديد من القوى الإقليمية غير مطمئنة من عمل المجلس وسعيه للتفرّد بالسلطة في السودان عقب الإطاحة بالبشير.

دعم مالي كبير

هذه الزيارة، جاءت بعد أيام قليلة من تقديم السعودية دعمًا ماليًا هامًا للسودان، وقالت وزارة المالية السعودية -في بيان الأحد- إن المملكة أودعت 250 مليون دولار في البنك المركزي السوداني، كجزء من حزمة مساعدات تعهدت بها الرياض لصالح السودان.

وقالت الوزارة -في بيان نشرته على موقعها على الإنترنت- أنّها قامت بإيداع 937 مليونا وخمسمئة ألف ريال، أي ما يعادل 250 مليون دولار، في حساب للمصرف المركزي السوداني، بناء على توجيهات الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

ونقلت عن وزير المالية محمد الجدعان قوله إن "هذا الدعم سيعزز الوضعين المالي والاقتصادي في الجمهورية السودانية الشقيقة، لا سيما سعر صرف الجنيه السوداني". ويعاني السودان من تداعيات أزمة انخفاض سعر صرف العملة المحلية منذ 2018، والتي انعكست سلبًا على القوة الشرائية وظروف معيشة المواطنين.

تسعى السعودية للقضاء على حراك السودان

سبق أن أعلنت كل من السعودية والإمارات في الـ 21 من أبريل/نيسان الماضي تقديم دعم مالي قيمته ثلاثة مليارات دولار للسودان. وقال بيان مشترك إن حزمة المساعدات تشمل خمسمائة مليون دولار كوديعة في البنك المركزي "لتقوية مركزه المالي، وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني، وتحقيق مزيد من الاستقرار في سعر الصرف". وأضاف البيان "كما سيتم صرف باقي المبلغ لتلبية الاحتياجات الملحة للشعب السوداني الشقيق، وتشمل الغذاء والدواء والمشتقات النفطية".

دعم بعد صمت

الدعم السعودي السخي للمجلس للعسكري السوداني الذي يتولى السلطة منذ الإطاحة بالبشير ويسيطر على المؤسسات الحكومية، يأتي بعد صمت مريب أثناء المظاهرات التي استمرت أكثر من 4 أشهر وتوجت بسقوط عمر البشير الذي حكم البلاد طوال ثلاثين سنة.

صمت السعودية، لم يكن أثناء المظاهرات فقط بل امتد أيضًا إلى ما بعد الإطاحة بالبشير، فقد التزمت الرياض الصمت لمدة يومين بعدما أطاح الجيش السوداني بالرئيس البشير، وانتظرت توضح الرؤية وترك وزير الدفاع عوض بن عوف رئاسة المجلس العسكري وتولي عبد الفتاح البرهان رئاسته، لإعلان تأييدها للعسكر.

تشكل قوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، عصب القوات البرية المقاتلة باليمن

بعد ساعات من أداء البرهان اليمين الدستورية وجه الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بتقديم حزمة مساعدات إنسانية إلى السودان تشمل أدوية ومشتقات بترولية وقمحًا، كما أجرت السعودية اتصالات هاتفية مع عبد الفتاح البرهان، ووصل وفد رفيع المستوى إلى الخرطوم للقاء البرهان الذي بدوره أشاد بالعلاقات "المتميزة" بين بلاده والسعودية.

بقاء القوات السودانية في اليمن

هذا الدعم المالي والسياسي للمجلس العسكري، تبتغي من خلاله السعودية عديد الأمور، من بينها الحفاظ على الحضور السوداني في التحالف العربي الذي تقوده في اليمن، حيث يقاتل آلاف الجنود السودانيين في صفوف قوات هذا التحالف الذي بدأ عملياته في مارس/آذار 2015.

وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان قد أكّد في وقت سابق، أن القوات السودانية المشاركة في الحرب في اليمن "ستبقى حتى يحقق التحالف أهدافه"، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا).

يقود حميدتي قوات الدعم السريع

يذكر أن عبد الفتاح البرهان الذي تربطه صلات وثيقة بكبار القادة العسكريين في الخليج، كان قد تولى عملية تنسيق إرسال الجنود السودانيين إلى اليمن، وأشرف على القوات التي حاربت في صفوف التحالف السعودي الإماراتي هناك.

وتشكل قوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، عصب القوات البرية المقاتلة باليمن، وتتهم قوات التحالف العربي باستهداف المدنيين والتسبب في أكبر أزمة إنسانية تشهدها المنطقة منذ عشرات السنين.

عرقلة الانتقال الديمقراطي

فضلًا عن الحفاظ على الوجود العسكري السوداني ضمن التحالف الذي تقوده في اليمن، تسعى السعودية من خلال هذا الدعم للمجلس العسكري، إلى إطالة أمد الأزمة السودانية، والتمكين للجيش حتى يتسلم السلطة ويتحكم في البلاد خدمة لأجندتها في المنطقة.

وتسعى المملكة العربية السعودية، وفقًا للعديد من السودانيين، إلى عرقلة الانتقال الديمقراطي في البلاد وتسليم السلطة للمدنيين، وما هذه المساعدات المالية والدعم السياسي إلا وسيلة لتبيض وجه العسكر أمام الجماهير المعتصمة في الساحات والشوارع.

ويرى المتأمل في مواقف السعودية، أن الرياض تدعم المجلس العسكري وليس الشعب كما تدّعي سلطات البلاد، ذلك أن دعمها زاد في تصّلب موقف الجيش خلال المفاوضات التي يجريها مع قوى التغيير والديمقراطية في البلاد.

يسعى السعوديون إلى كسب ودّ المجلس العسكري، لتمرير أجندتهم في المنطقة، بعد أن كان البشير يتقلب بين الحلف السعودي والحلف التركي

كانت هذه المفاوضات التي بدأت قبل أيام، قد فشلت في مرات عديدة نتيجة رفض المجلس العسكري الاستجابة لمطالب الجماهير السودانية المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة منذ أكثر من السادس من ابريل/ نيسان الماضي.

الدور الذي تقوم به السعودية في السودان، شبيه بباقي الأدوار التي لعبتها المملكة في بلدان الربيع العربي، فقد كان رد فعل السعودية على الحراك الشعبي في الدول العربية سلبيًا، واستخدمت المساعدات المالية والعسكرية هناك لتقويض الثورات ودعم الثورات المضادة.

ويخشى السودانيون، أن يتواصل تعنت الجيش ويرفض تسليم السلطة للمدنيين، بحجة عدم الاستقرار وحاجة البلاد إلى وجود الجيش في السلطة لتسيير البلاد، الأمر الذي تسعى إليه السعودية وحلفائها في المنطقة على غرار الإمارات ومصر بقيادة السيسي.

محاصرة تركيا وإيران

أهداف السعودية من وراء هذا الدعم للمجلس العسكري، لا تقف عند حدود السودان الداخلية وجنوده في اليمن، بل تمتدّ أيضًا إلى خارج البلاد، حيث تأمل الرياض أن تؤدّي علاقتها "المميزة" مع المجلس العسكري في السودان إلى محاصرة "أعدائها" في منطقة القرن الإفريقي.

وتأمل السعودية أن يؤدّي دورها في السودان إلى تعزيز مصالحها الإستراتيجية في القرن الإفريقي، وذلك عبر تقويض طموحات تركيا الإقليمية التي تربطها علاقات قوية بالسودان، إلى جانب عدم السماح لإيران بالعودة هناك بعد جملة الضربات التي تلقتها من حكام المنطقة.

تأمل السعودية في تعزيز حضورها في منطقة القرن الإفريقي

يسعى السعوديون إلى كسب ودّ المجلس العسكري، لتمرير أجندتهم في المنطقة، بعد أن كان البشير يتقلب بين الحلف السعودي والحلف التركي، فالبشير كان يسعى لكسب المال من الطرفين دون أن يبدي الولاء الكامل لكلاهما، فقد كان ولاؤه لمن يدفع أكثر.

لئن أنعشت هذه المساعدات اقتصاد السودان "العليل"، وخفّفت الضغط قليلاً على المجلس العسكري، فإنها لم تتمكن إلى الآن من التحكم في مصير البلاد، ذلك أن قوى التغيير مصرّة على البقاء في الشارع إلى حين تسلّم قوى مدنية حكم البلاد، الأمر الذي من شأنه أن يربك حكام السعودية.