الفريق أول محمد حمدان دقلو مع عناصر من قوات الدعم السريع

"إخواني نقول الآن أهم شيء في التقدم هو الأمن ثم الأمن لدولة السودان"، هذا ما قاله نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السوادن وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" خلال حفل إفطار مع قيادات الإدارة الأهلية وأعيان المجتمع، مؤكدًا أن الأولوية للأمن في المرحلة المقبلة.

لم يكن مصادفة أن يكشف حميدتي عن كلمة السر في خطابات قادة المجلس العسكري، فقد كان قائد المنطقة العسكرية في الخرطوم اللواء بحر أحمد بحر أكثر مباشرةً في هذا الصدد، فبالنسبة له، اعتصام القيادة العامة أضحى "غير آمن ويشكل خطرًا على الثورة والثوار ويهدد تماسك الدولة وأمنها القومي".

وزادت حدة التوترات حين تحدث اللواء بحر، في بيان بثه التلفزيون السوداني، عمَّا وصفها بـ"عناصر منفلتة" اتهمها بمهاجمة مركبة تابعة لقوات الدعم السريع والاستيلاء عليها قرب موقع الاعتصام، في مشهد يستدعي التذكير بالطرف الثالث أو المندسين من تراث الثورة المصرية، فهل تُعدّ هذه التصريحات تمهيدًا لهجوم محتمل على الاعتصام ومحاولة فكّه بالقوة؟

كلمة السر في خطابات المجلس العسكري   

كان اللافت في إجماع قادة المجلس العسكري على "الأمن والاستقرار" أن بيان اللواء بحر صدر بعد اجتماع موسع ترأسه حميدتي بالقصر الجمهوري في الخرطوم، وضم قيادة القوات النظامية (الجيش، الأمن، الشرطة) ورؤساء الأجهزة الأمنية، لبحث الأوضاع الأمنية خلال الفترة الماضية والترتيبات والتدابير التي سيتم اتخاذها الفترة المقبلة "من أجل تعزيز الاستقرار وحفظ الأمن في البلاد"، بحسب ما جاء في بيان صادر عن المجلس العسكري.

توضح الخطوات التي يتخذها المجلس العسكري أن الأمور تخطت مرحلة التفاوض إلى اتخاذ خطوات تحضيرية لأساليب أكثر تعنتًا، قد يكون أهمها محاولات فض الاعتصام

وبعد البيان، جاء الرد سريعًا من المعتصمين بأن قوات الدعم السريع (وهي قوة شبه عسكرية يقودها حميدتي وتشكل عصب المعارك السودانية في اليمن) تحاول تقويض الانتقال إلى الديمقراطية، وتدفق عشرات الآلاف من المتظاهرين السودانيين على موقع الاحتجاج مرددين هتافات ضد قوات الدعم السريع، مطالبين المجلس بتسليم السلطة للمدنيين، بحسب وكالة "رويترز" للأنباء.

ودعا تجمع المهنيين السودانيين، وهو أحد مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير، جميع الثوار إلى الالتزام بحدود الاعتصام المعروفة والمحددة منذ انطلاقها في الـ6 من إبريل/نيسان الماضي، وناشدهم بالابتعاد عن مرمى نيران ما سماهم المنفلتين من الأجهزة العسكرية، محملاً المجلس العسكري الانتقالي مسؤولية مقتل ثلاثة أشخاص خلال اليومين السابقين.

الاعتصام أمام القيادة العامة في الخرطوم دخل أسبوعه التاسع

سياسيًا، لا تزال حالة الجمود بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير مستمرة، حيث لم يتم الإعلان عن موعد لاستمرار المشاروات أو الوصول لاتفاق بين الطرفين، منذ تعثرت المفاوضات الأسبوع الماضي بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، بسبب إصرار قادة الاحتجاجات على أن يتولى المدنيون رئاسة مجلس السيادة وغالبية عضويته، وهو المقترح الذي رفضه المجلس العسكري.

وفي ضوء غياب آفاق الحل السياسي، توضح الخطوات التي يتخذها المجلس العسكري أن الأمور تخطت مرحلة التفاوض إلى اتخاذ خطوات تحضيرية لأساليب أكثر تعنتًا، قد يكون أهمها محاولات فض الاعتصام في مؤشرات تبدو الآن مؤكدة أنه لن يسلم إدارة البلاد لسلطة مدنية نزولاً عند الرغبة الشعبية الجارفة وتحقيقًا للمطلب الأوحد لجموع الشعب السوداني، وهو الدولة المدنية.

شيطنة الاعتصام

ما الجديد الذي حملته الأيام الماضية من تصرفات للمعتصمين أمام القيادة العامة منذ نحو شهرين؟ وما وجه الخطورة التي باتوا يشكلونها على الأمن القومي السوداني وهم يشددون منذ الـ9 من ديسمبر/كانون الأول الماضي على سلمية حراكهم؟

لعل أحدث ما حملته أنباء ساحة الاعتصام كان مقتل مواطن بطلق ناري في منطقة الصدر "نتيجة تبادل إطلاق نار أسفل جسر النيل الأزرق بالعاصمة الخرطوم (بمحيط مقر الاعتصام)، من قبل القوات النظامية"، بحسب ما أعلنت لجنة أطباء السودان، في مشهد يعيد للأذهان مقتل 6 من المعتصمين بمحيط الاعتصام في يوم 13 مايو/أيار الجاري، وهي الحادثة التي حمَّلت السلطات مسؤوليتها لطرف ثالث، دون الكشف عن بقية التفاصيل.

اتهم حميدتي قوى الحرية والتغيير بتلقي أموال من الخارج بـ"الدولار"، وأنهم مدفوعون من دول، في مؤامرة تكشفت تفاصيلها أمام المجلس العسكري

إذن، المعتصمون هم الضحية هناك وليس الجناة، وهؤلاء ليسوا أول من صرعهم الرصاص بل أسماء إضافية في قائمة من قُتلوا منذ انتقال الحراك منذ أكثر من 5 أشهر، ولم يكشف المجلس العسكري ملابسات قتلهم حتى الآن.

وقبل تلك الواقعة بأيام قليلة، اتهم حميدتي قوى الحرية والتغيير بتلقي أموال من الخارج بـ"الدولار"، وأنهم مدفوعون من دول، في مؤامرة تكشفت تفاصيلها أمام المجلس العسكري، وقال خلال كلمة له أمام قوة شرطية في العاصمة الخرطوم إن قوى التغير "لا تبحث عن شركاء لها، بل عن مشاركة رمزية في الحكومة الانتقالية"، وفق اتهامه.

هذه "الشيطنة" لقوى التغيير اعتبرها ناشطون تمهيدًا للقضاء على أي صوت معارض لمسار المجلس العسكري، وحذروا من إقدام حميدتي على مباغتة الشارع السوداني بقمع كافة تياراته، للانفراد بالسلطة بشكل دائم، تخوفًا من تعرضه وآخرين للمحاسبة في حال وصلت دولة "القانون".

بعد ذلك، أعلن حميدتي عن رصد منظمات لم يسمها تتربص بأمن بالبلاد وشعبها وتعمل على تجهيز معسكرات لجوء ونزوح للشعب السوداني، مضيفًا أن "هذا يعني أن هناك عمل يحاك ضد الشعب، وهي ذات المنظمات التي خططت لخراب دارفور والآن تريد تخريب الخرطوم، لكن نحن لها بالمرصاد وبنقول ليهم خاب فالكم، ولن نجامل في هيبة الدولة".

هل حان وقت استخدام الأساليب الخشنة؟

كثيرة هي الأسئلة التي تورِّق السودانيين ومنها ما إن كان حديث المجلس العسكري عن خطر على الأمن القومي للبلاد تمهيدًا لهجوم على المعتصمين وفض اعتصامهم بالقوة.

ولا يغيب عن التساؤلات تلك التي تتعلق بما إذا كانت تلك المواقف التي تحمل نبرة التهديد والتصرفات المعادية للحراك نابعة من قرار محلي أم أن لها صلة بالخارج وجولات قادة المجلس العسكري في دول إقليمية حليفة لا تُكِن من الود الكثير لثورات الربيع العربي بل هي نقيضها وثورة مضادة لها.

أشد ما يُخشى في سياق التوتر والتصعيد هذا أن تتبع أجهزة الأمن والجيش مقولة أنه "إذا أردت أن يخلو لك الجو فليس لك أفضل من التعتيم وطرد وسائل الإعلام إسلوبًا تبعد به الشهود عن ساحة التنكيل

الحديث هنا عن تحركات وزيارات متبادلة بين وقود سعودية وإماراتية ومصرية وقادة المجلس العسكري، قدمَّ خلالها العسكر الشكر لقادة الدول الثلاث وتعهدوا بدعم حرب اليمن، وحصلوا في المقابل على وعود بالدعم والسياسي والمالي، وحول ذلك تكهنات بأنه يمكن استخدام الأموال لشراء الدعم داخل الجيش السوداني.

وأشد ما يُخشى في سياق التوتر والتصعيد هذا أن تتبع أجهزة الأمن والجيش مقولة أنه "إذا أردت أن يخلو لك الجو فليس لك أفضل من التعتيم وطرد وسائل الإعلام إسلوبًا تبعد به الشهود عن ساحة التنكيل"، فقد تزامنت هذه الخطوة مع بدء المجلس حملة تضييق على وسائل الإعلام مع إغلاق مكاتب لقنوات تنقل من ميدان الاعتصام.  

وكانت شبكة "الجزيرة" ضحية جديدة لنظرة العسكر ودوائر الأمن والاستخبارات في السوادن، فقد أُغلق مكتبها وصودرت رخص عمل الصحفيين والفنيين والمعدات من أجهزة بث وكاميرات، ولم تقدم السلطات السودانية أي تفسير لهذه الاجراءات.   

قوات أمنية بمحيط الاعتصام يوم 15 مايو/ أيار بعد يومين من مقتل ستة أشخاص

اُنتقد الإجراء من قِبل الشبكة ومن مؤسسات إعلامية ونقابية سوادانية ودولية، وذكَّر بعض المنتقدين بأن حرية الصحافة شرط لا غنى عنه في المسار الديمقراطي، في حين أمتلأ الفضاء بفبْركات تتهم القناة بأنها تحرض على نشر "الفوضى وإسقاط الدول المستقرة" ومن بينها السودان، وتعكس بوضوح الاستقطاب الحاصل بين أطراف الأزمة الخليجية.

وفي حين رأي البعض أن هذا الأمر يأتي تلبية لمطالب مصر والإمارات والسعودية، التي زارها رئيس المجلس العسكري الانتقالي ونائبه منذ أيام قليلة، اعتبر بعض المعلقين أن قرار إغلاق مكتب الجزيرة يهدف لوقف تغطيتها للاعتصام القائم خارج مقر قيادة الجيش في الخرطوم، مما يثير الشك في ماهية "ترتيبات الفترة المقبلة" التي تحدث عنها حميدتي لقوات الدعم السريع، ويعزز الشكوك حول فض الاعتصام.

وفي محاولة أخرى لاستقطاب الشباب بعيدًا عن ساحة الاعتصام، أعلن المجلس العسكري استئناف التعليم العالي الشهر القادم، وذلك بعد 6 أشهر من إعلان الرئيس "المخلوع" عمر البشير عن وقف الدراسة خوفًا من أن تلعب دورًا في حشد الشباب ضده، لكن تجمع أساتذة الجامعات الداعم للثورة أعلن رفضه استئناف الدراسة قبل تجديد نظام التعليم العالي برمته، ورأي خلال مؤتمر صحفي أُقيم في مقر قوى الحرية والتغيير أن البشير استطاع أن "يجعل من الجامعات حاضنات فكر متطرف، وقضى على استقلاليتها من خلال قبضة نظامه".

إن تم فتح باب الدراسة بعد العيد كما ينوي المجلس العسكري، فمن المؤكد أن تُفتح ساحة معارك فكرية أخرى، لتساهم في حسم شكل التغيير في البلاد

ومن ناحية أخرى، لا يريد  الطلاب الذين شاركوا في الثورة استئناف الدراسة، لكن هذا ليس رأي الجميع، فرئيس جامعة الخرطوم طالب المجلس العسكري بضبط الأمن في ميدان الاعتصام المجاور لجامعته، واشتكى من توقف الدراسة ومن الضرر الذي لحق منشأت الجامعة.

ويختلف أمر استئناف التعليم العالي بين دعاة الأمن والاستقرار ودعاة الإصلاح والتغيير، لكن إن تم فتح باب الدراسة بعد العيد كما ينوي المجلس العسكري، فمن المؤكد أن تُفتح ساحة معارك فكرية أخرى، لتساهم في حسم شكل التغيير في البلاد.

في المجمل، تجعل هذه الحقائق مجتمعة الصورة على الأرض تدعو للتفاؤل الحذر، حيث أن لجوء المجلس العسكري لاستعمال القوة لفض الاعتصام سيؤدي لإسالة الدماء، لكن مع الإصرار الشعبي الواضح على عدم التراجع عن الانتقال للحكم المدني بعد عقود من الحكم العسكري الكارثي، ليس من المنتظر أن يؤدي استعمال القوة المسلحة لتراجع الاحتجاجات أو فض الاعتصام دون خسائر في أرواح المدنيين المتمسكين بسلمية اعتصامهم، وعندها سينتقل الضغط شعبيًا ودوليًا على المجلس العسكري.