بعد صراع دام طويلا مع المرض، غيّب الموت أمس (الأربعاء) الفنان الكوميدي المصري محمد نجم (75 عاماً) الذي كان محتجزاً في أحد المستشفيات بحي الدقي  منذ أيام للعلاج على خلفية إصابته بجلطة دماغية الشهر الماضي استدعت نقله لغرفة العناية المركزة.

يعد نجم أو كما يلقبه المصريون "ملك الكوميديا" واحدا من الذين أرسوا قواعد الكوميديا الضاحكة الارتجالية، التي تعتمد في المقام الأول على الإفيه، فضلا عن الخروج عن النص، فاستطاع في وقت قصير جدًا أن يعيد للمسرح رونقه وأن يعيد الضحكات لتزلزل جنباته في وقت كانت تعاني فيه المسارح من حمي "التراجيديا".

رفض المشاركة في الأدوار الثانوية في أفلام الجيل الحالي، متمسكا بأدوار البطولة، فغاب فترة طويلة عن الأضواء، إلا أن اعتزازه بنفسه وتشبثه بمواقفه - التي ربما لم تلق القبول من شرائح كبيرة في عالم الفن-  ظلت علامات بارزة، خلدت اسمه في سجلات الكبار، ليحيا كبيرًا ويغادر الحياة كبيرًا، تاركا خلفه إرثا من الأعمال الفنية الرائعة التي تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل.

تلميذ مدبولي

بزغ نجم محمد محمد علي عوض، الشهير بـ "محمد نجم" المولود في 15 يناير 1944 بمدينة الزقازيق التابعة لمحافظة الشرقية، في الحقب الثلاث (السبعينات والثمانينات والتسعينات)، حيث حققت أعماله المسرحية شهرة فائقة، ليس داخل مصر وحدها، بل في عدد من البلدان العربية والأجنبية.

بدأ حياته الفنية في أوائل السبعينات بأدوار ثانية في السينما والتلفزيون، إلا أنه لم يكن راضيا بالمرة عن معظم المعروض في هاتين الشاشتين، الكبيرة والصغيرة، لاسباب تباينت تفسيرات النقاد بشأنها، الأمر الذي دفعه إلى الابتعاد مبكرًا ولو قليلا عن الأعمال السينمائية متوجها إلى المسرح الذي يعتبره النافذة الأولى لتقديم الفن الهادف.

وعلى الفور التحق بفرقة عبدالمنعم مدبولي المسرحية، حيث كان يلقب نفسه بـ "تلميذ مدبولي"، لتبدأ أولى محطاته نحو الشهرة والنجومية، مشاركا في عشرات الأعمال المسرحية الخالدة التي حققت شهرة كبيرة، بعضها تم عرضه خارج مصر، مثل مسرحية ”أنا أجدع منه“ عام 1979 التي عرضها في أمريكا، ومسرحية ”عيطة عامل زيطة“ في لبنان والدنمارك.

رغم عشقه الكبير لفرقة مدبولي إلا أن طموحه كان الأكبر، فأسس مسرحه الخاص باسمه، كذلك فرقته الكوميدية التي عرفت باسم "فرقة نجم" ليقدم من خلالهما العديد من الأعمال الفنية التي خلدت اسمه وفرضته على منصات التتويج الجماهيري، لينافس وبقوة عمالة الكوميديا في المنطقة العربية بأسرها.

مشوار فني حافل

في عام 1968 كانت البداية الأولى للفنان المصري مسرحيًا، حيث قدم أول أعماله في مسرحية «موزة و3 سكاكين»، هذا العمل الذي شهد كذلك الظهور الأول للفنان محمد صبحي على المسرح، وبعدها بعامين فقط، كانت أول بطولة مسرحية له في العمل "حاجة تلخبط" أمام الفنانة نجوى سالم عام 1970.

النجاح الكبير في المسرح كان بوابة الدخول لعالم السينما، فشارك في  فيلم «حياة خطرة» عام 1971، لكن الشهرة الحقيقية سينمائيًا كانت بعد مشاركته في فيلم «حكايتي مع الزمان»، أمام الفنانة وردة ورشدي أباظة، عام 1973، إلا أنه لم يكمل مشواره السينمائي طويلا إذ آثر الابتعاد عن السينما والتلفزيو بشكل كبير منذ عام 1977 متفرغا للمسرح.

وفي عام 1979 وصل نجم إلى السقف الأعلى من النجومية حين قدم العمل الأكثر حضورًا جماهيريًا حتى الأن، مسرحية "عش المجانين"، تلك المسرحية التي كانت الباب الأكثر اتساعا لتربع الفنان الكوميدي على عرش قلوب محبيه، ساعده في ذلك مشاركة الفنان الكوميدي الشهير حسن عابدين.

خلال هذا العمل كان الإفيه الشهير "شفيق ياراجل" الذي تميز به نجم طيلة المسرحية وظل محفورا في ذاكرة المشاهدين، ورغم أنه لم يكن ضمن النص الذي كتبه مؤلف العمل يسري الإبياري، إلا أنه حقق شهرة كبيرة، الأمر الذي دفعه لاستخدامه بعد ذلك بعد الحصول على موافقة المؤلف.

وعن كواليس هذا الإفيه كشف نجم أنه جاء من خلال ارتجاله ولم يكن مخططا له قبل ذلك، حيث نسي وقتها النص المكتوب وتوجه ناحية الملقن محاولا تنبيهه إلى كونه نسي النص، إلا أنه وجد الجمهور يتجاوب مع ما يقوله بالضحك فقرر الاستمرار في الارتجال، هذا بخلاف ضحك فريق عمل المسرحية الذي تفاجئ هو الآخر بهذه العبارة.

وبعد غياب دام عن السينما أكثر من 15 عاما عاد إليها نجم مرة أخرى عن طريق فيلم "عقلي طار" أمام الفنان محمد عوض عام 1994، ليكون أخر أعماله السينمائية فيما كانت مسرحية "فتحية بيه" آخر أعمالة على خشبة المسرح قبل أن يودع الحياة في صمت وهدوء أمس الأربعاء.

رفض العري والإسفاف

دوما ما كان يميل الفنان المصري لما يسمى بـ "الفن النظيف" هذا النوع من الفن الذي يعتمد على الرقي في السيناريو والحوار والعرض المقدم بعيدًا عن الإسفاف والعري، ولعل هذا السبب كان الأبرز لاعتزاله مجال السينما مبكرًا حسبما أشار في حوار تليفزيوني له مؤخرًا أجراه معه الإعلامي المصري وائل الأبراشي.

نجم في حواره المتلفز قال "إن السينما حالها سيء بسبب كثرة مشاهد العري"، لافتا إلى أن هذا كان السبب الأبرز للابتعاد عن الأعمال السينمائية منذ عام 1994 متفرغا للعروض المسرحية على مسرحه بالدقي، تلك العروض التي حرص فيها على الابتعاد عن السلبيات التي كانت محل نظر بالنسبة له في السينما.

وأشار كذلك أنه كان السبب وراء اعتزال الفنانة المصرية هناء ثروت، وذلك بعدما ذهب بها للشيخ محمد متولي الشعراوي ومن بعدها ارتدت الحجاب واعتزلت الفن بشكل نهائي، مؤكدًا أنه يرفض ظهور أي ممثلة عارية على مسرحه، ولابد أن تظهر الممثلة بملابس محتشمة، معتبرًا أن ذلك قيمة يقدمها على مسرحه وفق ما ذكر في حواره.

الكوميديان المصري كان يرى أن الضحك يأتي أكثر من جانب الرجال بعيدا عن الابتذال والإسفاف، مستشهدا بمسرحية "عش المجانين" التي نجح فيها بمشاركة حسن عابدين في اقتناص ضحكات المشاهدين بصورة هيستيرية، دون أن يكون هناك أي عري من قبل الفنانات المشاركات، مشيرًا أن مجرد ظهور عابدين وحده على خشبة المسرح كان كفيلا بأن يهز جدران المسرح من الضحك.

وداعا شفيق ياراجل

نعى عدد من الفنانيين والمثقفين الفنان الكوميدي الراحل بعد تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير والذي حضر مراسمها عدد من الفنانيين على رأسهم شيرين وعبد الله مشرف، مؤكدين أن أعماله الخالدة ستظل علامة فارقة في تاريخ المسرح المصري والعربي، وأنها ستكون الضامن الأكبر لابقاءه متربعا على عرش قلوب عشاقه ومحبيه.

من جانبها نعت الدكتورة إيناس عبدالدايم، وزيرة الثقافة، وجميع القطاعات والهيئات بوزارة الثقافة، الفنان الراحل، مؤكدة أن  الكوميديا فقدت أحد مبدعيها، مشيرة إلى أن أعماله ستبقى علامات خالدة في تاريخ هذا الفن، فيما أوضح عدد من النقاد أن الراحل استطاع تحدي الكبار عبر مسرحه.

الناقد الفني طارق الشناوى عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الإجتماعى "إنستجرام " علق بقوله إن : "محمد نجم تمكن بمسرحه في حي الدقي أن يقف موازيا لنجوم الكوميديا عادل امام وسمير غانم ومحمد صبحي.. حقق ايرادات ضخمة معتمدا فقط على قدرات محمد نجم في الارتجال" ، مضيفًا أنه " يستحق ونحن نودعه ان نقول له شكرا لك ادخلت البهجة والضحكة الصافية لقلوبنا حتي لو انتقدنا منهج الارتجال.. رغم أنه ايضا يصنف علميا بأنه مسرح".