نجد في مقدمة المشكلات الدولية في العالم، النزاعات الحدودية بين الدول المتجاورة وصراعاتهم على هذه الفواصل الجغرافية التي لطالما كانت نقطة قوة أو ضعف بالنسبة للعديد من الدول، فهي تحدد ملامح العلاقات الدبلوماسية، وتساهم بشكل مباشر إما في نشوء علاقات وثيقة وتعاونية، وإما في خلق توترات واضطرابات لها انعكاساتها وعواقبها الوخيمة والمقلقة على الوضع السياسي والاقتصادي في كلا البلدين.

مثل النزاع الدبلوماسي الذي وقعت فيه كولومبيا وفنزويلا منذ منتصف عام 2015 ولا تزال إلى اليوم تعاني من تقلباته، ما جعل البعض يصفه بـ"الحرب الباردة" التي استغلتها السلطات الحاكمة في كلا البلدين من أجل تعزيز شعبيتهما في الداخل عن طريق تأجيج المشاعر القومية، ومع ذلك رأى البعض الآخر أن قرب كولومبيا وتاريخها الطويل مع فنزويلا يعني أن التدفقات التجارية سوف تستمر بصرف النظر عن جميع التوترات الماضية والمقبلة.

وهكذا ظلت هذه الحدود لعبة بيد المزاج السياسي بين الدولتين وحتى يومنا هذا، فلقد أمر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بفتح الحدود مع كولومبيا بعدما أغلقت في فبراير/شباط الماضي إثر التوترات التي شهدتها البلاد بعد إعلان زعيم المعارضة ورئيس الجمعية الوطنية خوان غوايدو نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد وعلى خلفية التهديدات التي تلقتها فنزويلا من كولومبيا، وبالتالي رفضت الحكومة الفنزويلية استقبال أو مرور أي مساعدات إنسانية متجهة إلى أراضيها على اعتبار أنها ستار لأغراض سياسية مبطنة بأهداف إنسانية.

تاريخ قديم من التوترات الخانقة

تشترك فنزويلا وكولومبيا في حدود يصل طولها إلى ألف و375 ميلاً (2200 كيلومتر)، شهدت هذه الفواصل لعقود طويلة على حروب العصابات وعمليات الاختطاف والتهريب والتجارة بالمخدرات، وبالتالي كانت دومًا عرضة لاعتقالات الشرطة وانتهاكات المتمردين وزعماء العصابات، لكن الضربة القاضية كانت في 20 من سبتمبر 2015 حين تم إصابة 3 جنود فنزويليين ومدني واحد في تبادل لإطلاق النار في أثناء عملية لمكافحة التهريب على الحدود.

اختار مئات الكولومبيين الهرب من فنزويلا مع ممتلكاتهم الشخصية بدلاً من طردهم فارغي الأيدي من السلطات

نتيجة لذلك، أصدر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مرسومًا بإغلاق معبرين رئيسيين على طول الحدود الشرقية للبلاد مع كولومبيا "حتى إشعار آخر"، إضافة إلى 4 آخرين "لحماية الناس من المجرمين، ومن أشباه العساكر، ومن الحرب الاقتصادية"، لكن في الجهة المقابلة، رأى آخرون أن تصرفات مادورو تتجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية المزرية في فنزويلا ويحاول الرئيس إلقاء اللوم على كولومبيا.

وخلال أسبوعين تقريبًا، عاد أكثر من 20 ألف كولومبي يعيشون في فنزويلا إلى بلدهم الأصلي، تم ترحيل ألف و467 منهم وعاد 18 ألف و619 شخصًا بمفردهم خوفًا من عمليات الترحيل التي كانت تسير بخطى سريعة. 

جدير بالذكر أن الكولومبيين، في التسعينيات، كانوا يمثلون 77% من إجمالي عدد المهاجرين في فنزويلا، وبعيدًا عن لغة الأرقام، لم تلق عمليات الطرد استحسان المؤسسات والحكومات الدولية، لكن الحكومة الفنزويلية بررت إجراءتها على أنها جزء من حملات التخلص من عصابات التهريب، فوفقًا لتصريحاتها، فإن 40% من البضائع المدعومة منها تذهب للمهربين والتجارة غير القانونية، ومع ذلك يصر منتقدو حكومة مادورو على أن هذه الأزمة سوء إدارة ليس إلا.

إلى جانب ذلك، استدعت كل من كولومبيا وفنزويلا سفيريهما، وأعلنت حالة الطوارئ الاقتصادية لأجل غير مسمى في كولومبيا على طول الحدود الفنزويلية إلى أن تراجعت النزاعات في نهاية المطاف بعد أشهر من اندلاع التوترات، وبحلول يوليو 2016، سمحت الحكومة الفنزويلية بالسفر إلى كولومبيا مرة أخرى، وهكذا استطاع مئات الآلاف من الفنزويليين الاستفادة من هذه الفرصة لاستعادة الطعام بسبب النقص الشديد في الموارد في بلادهم، فبحسب التقارير لقد تدفق أكثر من 200 ألف فنزويلي إلى كولومبيا هربًا من الجوع والفقر، وفي نهاية العام تقريبًا فتحت الحكومة الفنزويلية حدودها مع كولومبيا بشكل رسمي.

الانعكاسات الاقتصادية على الصراع الحدودي

ما بين عامي 2014 و2015، ازداد الوضع الاجتماعي والاقتصادي لفنزويلا اضطرابًا مع دخول البلاد في حالة ركود، وتفاقم نقص السلع وارتفع معدل التضخم إلى أعلى نقطة في التاريخ الفنزويلي إلى أكثر من 100%، ومع اتهام الحكومة الفنزويلية المهربين بهذه الأزمة وتسببهم بخسارتها أكثر من ملياري دولار سنويًا، عارض خبراء الاقتصاد هذا الادعاء وقالوا إن 10% فقط من المنتجات المدعومة حكوميًا يتم تهريبها خارج البلاد، وهو ما أكدته صحيفة واشنطن بوست حين قالت: "تنتشر الفوضى والتهريب على طول الحدود الفنزويلية الكولومبية، لكن المشكلة لم يكن سببها الكولومبيون وإنما حكومة مادورو".

وبصرف النظر عن الأسباب، لم ينج أي طرف من المخاطر التي خلقتها النزاعات الحدودية، فلقد سببت هذه الأزمة قلقًا للحكومة الكولومبية من عودة الكولومبيين التي ستسبب ارتفاع معدل البطالة والضغط على الخدمات العامة، لا سيما أن مادورو أوقف التحويلات المالية إلى كولومبيا، ما أدى إلى قطع نحو 500 مليون دولار من الموازنة السنوية.

ساهمت هذه الأزمة في تصاعد التوترات بين حكومة مادورو والمعارضة، ففي الوقت الذي يشدد فيه الرئيس الفنزويلي على ضرورة إغلاق الحدود والمعابر مع كولومبيا، يغادر غوايدو إلى كولومبيا لإدخال المساعدات إلى بلاده التي يعتبرها مادورو محاولة لاستفزازه

يضاف إلى ذلك، عبء المهاجرين الفنزويليين، فهناك ما يقرب من 4 آلاف شخص يتدفقون عبر الحدود بين فنزويلا وكولومبيا كل يوم، حيث يتفاقم التضخم الشديد والجوع والعنف ما دفع أكثر من 1.3 مليون فنزويلي إلى الاستقرار في كولومبيا، ورغم أنها غير مستعدة لإدارة الأزمة إلا أن حدودها وحكومتها ترحب بشكل كبير بهجرة الفنزويليين لأن تلك الهجرة الجماعية كانت تتدفق ذات يوم في الاتجاه المعاكس.

من جهة أخرى، ساهمت هذه الأزمة في تصاعد التوترات بين حكومة مادورو والمعارضة، ففي الوقت الذي يشدد فيه الرئيس الفنزويلي على ضرورة إغلاق الحدود والمعابر مع كولومبيا، يغادر غوايدو إلى كولومبيا، متحديًا الحكومة لإدخال المساعدات إلى بلاده التي يعتبرها مادورو محاولة لاستفزازه والإطاحة بحكومته من واشنطن المتبرع الرئيسي لأكثر من 300 ألف شخص في البلاد بحاجة لمساعدة عاجلة، بالإضافة إلى نحو مليوني شخص ينتظرون المساعدات الصحية.

وإلى ذلك ومع قرار مادورو إعادة فتح الحدود، يرى المراقبون أن إدارة وتنظيم التجارة القانونية عبر الحدود لن يتم سوى بالتعاون مع الدولتين لمعالجة مشكلة تجارة المخدرات والتهريب التي من شأنها إيقاف التدفقات المالية الضخمة التي أضرت باقتصادهما، ولكن يشكك الخبراء في نوايا الحكومتين ومدى صدق رغبتهما في وقف هذه الأنشطة غير القانونية.