احد سواحل مدينة فتحية في ولاية أنطاليا التركية

ترك انخفاض سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار الامريكي أثراً  إيجابياً على صناعة السياحة التركية الآخذة في الازدهار. ففي عام 2018 وحده أضافت السياحة ما يقرب من 29.5 مليار دولار على الاقتصاد التركي، حيث زار تركيا ما يقرب من 18 مليون سائح أجنبي. لكن أثر انخفاض الليرة لم يتوقف على السياحة الخارجية بل امتد أثره على السياحة الداخلية، فانخفاض سعر صرف الليرة أمام الدولار أجبر السياح الأتراك على تغيير وجهاتهم السياحية من خارج تركيا إلى الداخل، الأمر الذي أدى إلى تحقيق إضافة للقطاعات المرتبطة بالسياحة والترفيه في تركيا.

 السياحة الداخلية في تركيا: نظرة تاريخية

ارتبطت رفاهية السياحة والتنزّه في الدولة العثمانية بالطبقات العليا المحيطة بالسلطان وحاشيته بالإضافة إلى الفئات غير المسلمة التي استطاعت بفضل عملها في التجارة وبعض المهن تكوين ثروات رفعتها للطبقات العليا في المجتمع العثماني. فانتشر في ذلك الوقت عدد من القصور والمساكن الصيفية " Yazlık" على ضفاف مضيق البوسفور والمناطق المحيطة بمدينة اسطنبول التاريخية، كمناطق يني كوي، ترابيا، فلوريا، كانديلي، اورتا كوي، جوزتبه، ايرانكوي، كادي كوي، تشاملجا، بالإضافة لجزر الأميرات. حيث حال قصور خطوط المواصلات في ذلك الوقت دون ابتعاد سكان اسطنبول عن المدينة والغوص عميقاً في هضبة الأناضول.

قصر بكلربكي على شواطئ البوسفور، استخدم كمصيف للسلاطين العثمانيين

وعلى الرغم من أن المياه تحيط باسطنبول من جهاتها الثلاث إلا أن أنشطة المائية كالسباحة والاصطفاف على الشواطئ لم تكن شائعة لدى سكان المدينة وللمزيد حول هذا يمكنك مراجعة دراسة عالم الاجتماع الفلسطيني سليم تماري، "الجبل ضد البحر: دراسات في إشكاليات الحداثة الفلسطينية".

وبحلول عصر التنظيمات التي أتاحت مستوىً من الاتصال بالحداثة الغربية بدأت النخب العثمانية بالتعرف على ثقافة البحر والشواطئ البحرية " Plajlar"، وقد شكّل قدوم الروس البيض الفارين من بطش البلاشفة في الاتحاد السوفيتي فرصة لانتشار ثقافة الشواطئ البحرية. ومع إعلان وإنشاء الجمهورية اتخذت مدينة انقرة كعاصمة سياسية وادارية بدلاً من مدينة اسطنبول التي ظلت تحتفظ بمكانتها كمصيف الأتراك المفضل الذي عززتها تطور خطوط المواصلات ما بين الأناضول ومدينة اسطنبول.

مصيف فلوريا المكان المفضل لدى مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك

وشهدت السياحة الداخلية تطوراً ملحوظاً بعد عام 1980 حيث بدأت تظهر أنماطًا ومناطق جديد يقصدها السياح الأتراك، ومع صعود حزب العدالة والتنمية للحكم والثورة التي أحدثها في البنية التحتية التي تجلت في شق الطرق السريعة وبناء المطارات المحلية تضاعفت السياحة المحلية وازداد أثرها في الاقتصاد التركي.

السياحة الداخلية عام  2018: أرقام ونسب

وفقاً لتقرير مركز الإحصاء التركي (TÜİK) حول السياحة الداخلية في تركيا (2018)، فقد ارتفعت مداخيل السياحة الداخلية مقارنة بالسنة التي سبقتها بنسبة 14% لتبلغ 40.266 مليار ليرة تركية. ووفقاً لذات التقرير فقد شهد عدد السياح ارتفعاً بنسبة 1.7%، لكن النسبة شهدت انخفاضاً واضحاً في الربع الأخير من العام 2018 بنسبة 15.1% مقارنة  بالربع الأخير من العام السابق. كما شهد عام 2018 ارتفاعًا فيما يصرفه السياح المحليين بنسبة 14% مقارنة بالعام الماضي حيث بلغ 40 .153 مليار ليرة.

شكلت زيارة الأقارب في المدن التركية المختلفة  النسبة الأكبر من السياحة المحلية في تركيا حيث اعتاد الأتراك على ممارسة هذا الطقس في عطلهم، فبلغت نسبته 64% في العام الماضي، فيما شكل الترفيه والتجوال ما نسبته 26.8%  من السياحة المحلية وجاءت السياحة العلاجية بنسبة 4.6%.

تحرص الدولة التركية على إقرار إجازات طويلة الفترة نسبياً خاصة فترات الأعياد كعيد الفطر والأضحى

فضّل الأتراك المكوث في بيوت تعود في ملكيتها لأقاربهم وأصدقائهم، فوفقاً لبيانات الربع الأخير من عام 2018 فقد شهدت بيوت الأقارب والأصدقاء ما يقرب من 50.876 مليون استضافة، فيما شهدت البيوت التي تعود الى ملكية السياح المحلية 16 مليون عملية استضافة، فيما شهدت الفنادق 4.15 مليون عملية استضافة.

السياحة الداخلية كعملية توزيع اقتصادية

تحرص الدولة التركية على إقرار إجازات طويلة الفترة نسبياً خاصة فترات الأعياد كعيد الفطر والأضحى، -بلغت اجازة عيد الفطر الماضي 9 أيام متواصلة- تهدف الدولة التركية من وراء ذلك تشجيع  المواطنين الأتراك - يوجد ما يقرب من 3 مليون موظف حكومي يستفيد من هذه العطلة-  الذين يقطنون في المدن الكبرى - يسكن ما يقرب من 90% من الأتراك في المدن وخاصة مدن غرب تركيا الغنية، فيما تسكن النسبة المتبقية في الريف التركي-  على زيارة أقاربهم في مدنهم الأصلية فخلال إجازة العيد الفطر الماضي قام قطاع الحافلات النقل وحده بنقل  ما يقرب من 10 ملايين مسافر تركي، حيث سخرت 343 شركة حافلات نقل ما يقرب من 7.600 ألف حافلة لنقل ما متوسطه 800-850 ألف مسافر يوميا. يعمل هؤلاء الزوار خلال على رحلهم على تنشيط الاقتصاد المحلي للمناطق النائية التي ينحدرون منها مما يشكل نوعاً من التوزيع الاقتصادي. فخلال إجازة العيد الماضية وحدها صرف الأتراك ما يقرب من 10 مليار ليرة ،الأمر الذي يشكل اضافة للاقتصاديات المحلية.

صورة التقطت من موقف الباصات في مدينة اسطنبول حيث يظهر الازدحام والعدد الكبير للمسافرين

السياحة الداخلية من أين وإلى أين؟

من الممكن تقسيم المناطق التركية حسب نسبة تصديرها للسياح المحليين إلى ثلاث مجموعات اساسية، المجموعة الأولى - الأكثر- وتضم مدينة اسطنبول (19%)،  منطقة غرب الأناضول (16%)، منطقة البحر الأبيض المتوسط (15%)، منطقة شرق مرمرة(13%)، منطقة بحر إيجه(13%). المجموعة الثانية - الوسط من حيث النسبة-  منطقة غرب البحر الأسود(6%)، منطقة غرب مرمرة(5%)، منطقة وسط الأناضول ( 5%). المجموعة الثالثة -الأقل نسبة- منطقة جنوب شرق الأناضول(3%)، منطقة وسط الأناضول(3%)، منطقة شمال شرق الأناضول (1%)، منطقة شرق البحر الأسود(1%).

يلاحظ أن المناطق الغرب التركي تقف على صدارة المناطق المصدرة للسياح المحليين انعكاساً لوضعها الاقتصادي المتقدم فيما تأتي المناطق الشرقية الجنوبية التي تعاني من تأخر في عملية التنمية  في ذيل المناطق المصدرة للسياح المحليين.

خريطة توضح المناطق المصدرة للسياح المحليين في تركيا

تتصدر منطقة البحر المتوسط المناطق الأكثر استقبالاً للسياح الأتراك فتتواجد في تلك المنطقة مدينة انطاليا التي تعد المدينة الأكثر جذباً للسياح لما تقدمه مرافقها السياحية من خدمات. وتليها في الترتيب منطقة بحر ايجه حيث توجد مدينة إزمير كبرى المدن التركية. فيما تأتي اسطنبول ثالثاً حيث تعد مقصد سياحياً لسكان الأناضول الراغبين في التعرف على المدينة التاريخية ومنشآتها السياحية. وتأتي منطقة شرق مرمرة رابعاً حيث توجد عدد من المدن السياحة على رأسها اسكيشهير وسكاريا وكوجالي.

رسم بياني يوضح المناطق الأكثر استقبالاً للسياح الأتراك