أعادت انتخابات البلديات في تركيا أزمة اللاجئين السوريين في البلاد إلى الواجهة، حيث تعالت الصيحات وتوالت الخطابات التي تضخم من آثار الوجود السوري في البلاد، خاصة بعد فوز مرشح المعارضة لرئاسة بلدية إسطنبول، إذ وعقب فوز أكرم إمام أوغلو، انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي عدة حملات ووسوم، تطالب بإعادة السوريين إلى بلادهم، الأمر الذي يعكس موجة جديدة لأزمة التي تتجدد في كل موسم سياسي أو اقتصادي في تركيا التي تستقبل ما يقارب 4 ملايين لاجئ سوري على أراضيها.

بيد أن هذه الدعوات التي طالبت بترحيل السوريين، لم تصبح إلى الآن طابعًا عامًا أو ظاهرةً في عموم أوساط المجتمع، وهو الأمر الذي تراه ماثلاً إن تجولت في شوارع تركيا وبين الناس فتجد اختلافًا بوجهات النظر بين مؤيد ومعارض للوجود السوري الكثيف في البلاد التي تمر بأزمة اقتصادية.

وفي حادثة جديدة، هجم بعض الأتراك في منطقة "إيكتيلي" بمدينة إسطنبول، الليلة، على محال السوريين ومتاجرهم وهم في حالة غضب عارم بعد إشاعة أن سوريين تحرشوا بفتاة تركية، ليتبين لاحقًا أنه مجرد افتراء، وأظهرت الفيديوهات والصور قيام شبان أتراك بتكسير المحلات، لتتطور الأمور إلى مظاهرة رافضة للسوريين في المنطقة، مما جعل الشرطة وقوات الأمن تتدخل وتفرق المحتشدين بالغازات المسيلة للدموع.

من جهتها أصدرت، المديرية العامة للأمن في اسطنبول بياناً حول الأحداث التي وقعت موضحةً أنه "وقعت حادثة لفظية بين طفل 12 عام وطفلة تركية 12 عام ولم يكن هناك أي تعرض أو لمس أو تحرش جسدي".

إلا أن هذه الاعتداءات ليست وليدة اللحظة فهي متكررة على رأس كل مشكلة، ويأتي ذلك كما يقول الباحث السوري أحمد أبازيد، نتيجة "للخطاب العنصري وأكاذيب الإعلام وخلق العدو المتخيل ليكون شماعة لكل الأزمات"، ويضيف أبازيد بتغريدة على تويتر "حتى لو كان سبب الغضب خطأ أو جريمة فرد فالفرد يعاقبه القانون، الاعتداء بشكل جماعي هو نتيجة تجييش طويل من السياسيين والإعلام".

ومن الواضح أن خطاب بعض السياسيين الأتراك وخصوصًا في فترة الانتخابات، أدى إلى شحن وتوتير الأوضاع وتشكيل رأي لدى شريحة من الشعب ضد الوجود السوري بالبلاد، كما جاء في تصريحات رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي قال: "نحن نريد أن يعود السوريون إلى وطنهم، ولن نبقى صامتين في المحافل الدولية، سنقول لهم اهتموا بتحقيق الأمن في تلك الأراضي بقدر اهتمامكم بالنفظ الموجود تحتها، ليعود السوريون الذين استضفناهم في بلادنا إلى وطنهم بأقرب فرصة".

وحتى بن علي يلدريم مرشح العدالة والتنمية لرئاسة البلدية الذي خسر الانتخابات، كان قد تورط في إحدى تغريداته بالعزف على الوتر إياه، إذ قال: "سنحاسب السوريين إذا شكلوا خطرًا أمنيًا أو أثروا على المدينة بشكل سلبي، من المهم بالنسبة لنا تأمين الأمن لساكني مدينة إسطنبول"، الجدير بالذكر أن يلدريم من رجالات حزب العدالة والتنمية الذي كان سببًا رئيسيًا في استضافة السوريين بتركيا، وتحمله باقي الأحزاب المسؤولية عن الأمر.

 أثارت بعض الحالات العنصرية استياء اللاجئين السوريين مما أدى إلى احتقانهم إضافةً لانتقادات الأتراك لبعض السلوكيات لديهم نتيجةً لاختلاف الثقافات

لكن الحكومة التركية الحالية تدأب على تطمين السوريين تجاه أي مخاوف تصيبهم، إذ أشار وزير الداخلية سليمان صويلو في أحد تصريحاته، قائلاً: "نحن نتحدث عن أشخاص فرّوا هاربين من الموت والاغتصاب وظروف الحرب القاسية، كما أننا قاتلنا برفقتهم تحت راية واحدة قبل مئة عام، دعينا نلقي الضوء على من ضحّوا بحياتهم حينها من السوريين فداءاً لهذه الأرض في معركة جناق قلعة".

كما أن المسؤولة في حزب العدالة والتنمية ليلى شاهين أوسطا، قالت إن الحكومة "بدأت بملاحقة الذين ينشرون الأخبار الكاذبة وستتم محاسبتهم، مضيفةً بالتثبت من الذين ألحقوا الضرر في الممتلكات العامة والخاصة"، مضيفةً: "مواطني الأعزاء لا تلقوا اعتباراً إلى الذين يعملون على نشر أخبار و وقائع كاذبة ومضللة على وسائل التواصل والإعلام عن السوريين".

https://twitter.com/leylasahinusta/status/1145117261050667009?s=20

أسباب الاحتقان

عدا عن الخطاب السياسي الموجه ضد السوريين، توجد أسباب عديدة راكمت الأزمة وساهمت بتفاقم المشكلة، ومن أهم أسباب الاحتقان الشعبي التركي ضد اللاجئين: "تركيز بعض وسائل الإعلام التركية على الحوادث الفردية، وانتشار أفكار مغلوطة عن السوريين لدى الأتراك، وقناعة الأتراك بأن الجيش التركي يحارب في سوريا والسوريون يقومون بالاحتفالات في تركيا"، كما ذكر بحث أعده "مركز الحوار السوري" في إسطنبول.

ويضيف البحث، أن منح الجنسية التركية للاجئين السوريين لم يلق ارتياحًا على الصعيد الشعبي وشكل "حساسية اجتماعية"، ويرى أن الأزمة الاقتصادية في البلاد أحد أبرز الأسباب لتنامي الاحتجاج، في الوقت الذي يتركز السوريون في مناطق وأحياء محددة بكثافة سكانية كبيرة وافتتاح متاجر ومطاعم مما يشعر الأتراك بتغيير هوية المنطقة، وهو الأمر الذي أبدى أكرم إمام أوغلو تخوفه منه قائلًا: "من الممكن أنهم (اللاجئين السوريين) أُحضروا إلى هنا كتغيير جماعي (تبديل جماعي) للسكان".

من جهتها أثارت بعض الحالات العنصرية استياء اللاجئين السوريين مما أدى إلى احتقانهم إضافةً لانتقادات الأتراك لبعض السلوكيات لديهم نتيجةً لاختلاف الثقافات، ويذكر بحث "مركز الحوار السوري" أن العوائق البيروقراطية خلال إجراء المعاملات الرسمية خلقت إرباكات بين صفوف الموظفين والسوريين في الدوائر الرسمية مما يزيد حالة الاحتقان بين الطرفين.

صدرت الدعوات من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتحرك لإيقاف هذا التحريض ضد العرب والسوريين، وتنسيق الجهود لمكافحة هذا الأمر

تحركات سورية خجولة

وعلى الرغم من كل هذه الحملات التحريضية والتشويهية بحق السوريين، لم تحرك حتى الآن أية جهة سورية رسمية أو مدنية ساكنًا، اللهم إلا بعض المبادرات الخجولة التي تضطلع بها منظمات صغيرة. على أن الحادثة الأخيرة مساء أمس، أفرزت دعوات لـ"حوار كبير" بين نشطاء المجتمع المدني السوري المقيم في إسطنبول، لخلق حالة من الوعي لدى الأتراك تجاه السوريين على كل الأصعدة، شعبيًا واقتصاديًا والأهم إعلاميًا.

ودعا نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتحرك لإيقاف هذا التحريض ضد العرب والسوريين، وتنسيق الجهود لمكافحة هذا الأمر، فقال بسام شحادات خبير الإعلام الرقمي على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك "نحن بحاجة إلى مكافحة التحريض ضد السوريين والعرب عبر نفس الأسلوب والقناة عبر الإعلام، الأمر يحتاج فقط إلى تنسيق وعدد كبير من المتطوعين وأعتقد أننا خلال 6 أشهر سنكون قادرين على التأثير بشكل مضاد لتلك الهجمة".

من جهتها تطالب الناشطة السورية جمانة الحسن بوجود جسم سوري واضح، يعالج القضية التي تتطور مع الوقت، مطالبةً بتوضيح وضع السوريين بتركيا إعلاميًا بشكل حقيقي، وتبيان عدم اعتمادهم على الدولة بالشكل المّتخيَل.

وبالعودةٍ إلى بحث مركز الحوار، فإنه يوصي منظمات المجتمع المدني السوري بالتواصل مع عدد من منظمات حقوق الإنسان التركية المختصة برصد خطاب الكراهية في وسائل الإعلام والقيام بشراكات للحد من هذه الظاهرة، كما يدعو لإقامة فعاليات بين الشعبين تناقش الظواهر الاجتماعية، المسببة لحالة الاحتقان الشعبي وسبل علاجها.